97 مليار دولار… رهان اليابان لإنقاذ عملتها المحلية

لم تعد أزمة الين الياباني مجرد مشكلة في سوق العملات يمكن للسلطات حلها بضخ مليارات الدولارات لشراء العملة المحلية، بعدما كشفت أحدث بيانات وزارة المالية اليابانية أن طوكيو أنفقت مبلغاً قياسياً يصل إلى 15.4 تريليون ين (96.5 مليار دولار) خلال الفترة من الـ30 من يوليو (تموز) الماضي إلى الـ26 من أغسطس (آب) الجاري، للتدخل في سوق الصرف ودعم الين.
ويكشف حجم الإنفاق غير المسبوق عن مدى القلق الذي باتت تشعر به السلطات اليابانية تجاه ضعف عملتها، خصوصاً بعدما اقترب الدولار من 164 يناً في أواخر يوليو 2026، وهو مستوى يعكس تراجعاً حاداً للعملة اليابانية ويزيد كلفة الواردات ويضغط على الأسر والشركات.
لكن المفارقة أن كل هذه الأموال لم تُنهِ المشكلة، فالين، الذي تحسن موقتاً عقب التدخل، عاد إلى التحرك قرب مستويات ضعيفة تقارب 159 إلى 160 يناً للدولار، مما يطرح سؤالاً أكبر من حجم التدخل نفسه: هل أصبحت أدوات طوكيو التقليدية غير كافية لمعالجة الأسباب الحقيقية وراء ضعف العملة؟
مشكلة الين تبدأ من الفائدة
أحد أهم أسباب استمرار الضغوط على الين يتمثل في فارق أسعار الفائدة بين اليابان والاقتصادات الكبرى، وفي مقدمها أميركا.
فاليابان لا تزال تتحرك بحذر في تطبيع سياستها النقدية بعد أعوام طويلة من الفائدة الشديدة الانخفاض، بينما ظلت العوائد في الاقتصادات الأخرى أعلى بكثير.
ويجعل ذلك الاقتراض بالين ثم توظيف الأموال في أصول ذات عوائد أعلى خارج اليابان أكثر جاذبية، وهو ما يعرف بتجارة الـ”Carry Trade”.
ومع استمرار خروج رؤوس الأموال بحثاً عن عوائد أعلى، يبقى الطلب على الدولار والعملات ذات العائد المرتفع أقوى من الطلب على الين.
وتزداد المشكلة تعقيداً لأن تدخل السلطات في سوق الصرف يستطيع التأثير في حركة العملة لفترة، لكنه لا يستطيع بمفرده تغيير الفارق الهيكلي في أسعار الفائدة، ولهذا تتجه الأنظار الآن إلى بنك اليابان، الذي يواجه ضغوطاً متزايدة لتسريع رفع أسعار الفائدة.
وبحسب استطلاع أجرته “رويترز”، يتوقع الاقتصاديون أن يرفع البنك سعر الفائدة إلى 1.25 في المئة في سبتمبر (أيلول) المقبل، فيما يرى معظمهم أن ضعف الين والتضخم المرتبط بالطاقة يمثلان أسباباً إضافية لتشديد السياسة النقدية.
التضخم يقلب المعادلة
لأعوام كان ضعف الين يمثل ميزة مهمة للشركات اليابانية المصدرة، لأنه يجعل منتجاتها أكثر تنافسية في الأسواق الخارجية، ويزيد قيمة أرباحها المحققة في الخارج عند تحويلها إلى العملة المحلية، لكن المعادلة تغيرت عندما بدأ ضعف الين يرفع كلفة الواردات، خصوصاً الغذاء والطاقة.
وأظهرت بيانات حديثة أن التضخم الأساس في طوكيو ارتفع إلى 1.8 في المئة في أغسطس الجاري، فيما وصل مقياس آخر يستبعد الغذاء والطاقة إلى اثنين في المئة، مما يعزز احتمالات رفع الفائدة خلال اجتماع بنك اليابان المقرر في الشهر المقبل.
وهنا تواجه طوكيو معضلة دقيقة، فإذا رفعت الفائدة بسرعة، يمكن أن تدعم الين وتحد من التضخم المستورد، لكنها في الوقت نفسه تخاطر برفع كلفة الاقتراض على الشركات والأسر والحكومة، بعد أعوام من الاعتماد على الأموال الرخيصة.
أما إذا أبقت الفائدة منخفضة فترة أطول، فقد يستمر ضعف الين، بما يزيد كلفة الواردات ويجعل السيطرة على التضخم أكثر صعوبة.
النفط يضاعف فاتورة الضعف
تظهر خطورة ضعف الين بصورة أوضح في سوق الطاقة، فاليابان تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة، ولذلك فإن ارتفاع أسعار النفط والغاز لا ينتقل إلى الاقتصاد الياباني بالدولار وحسب، بل يزداد تأثيره عندما تكون العملة المحلية ضعيفة.
وأظهرت بيانات التجارة اليابانية في الشهر الماضي أن واردات البلاد سجلت مستوى شهرياً قياسياً، مدفوعة بارتفاع كلفة الطاقة والنفط.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وهذا يعني أن اليابان تواجه حالياً معادلة مزدوجة: (ين ضعيف + طاقة مرتفعة = فاتورة استيراد أكبر + تضخم أعلى).
وتزداد حساسية اليابان لهذه المعادلة في ظل التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، خصوصاً أن أي اضطراب طويل في إمدادات الطاقة أو ارتفاع جديد في أسعار النفط يمكن أن يضيف ضغطاً جديداً على الاقتصاد الياباني.
لماذا لم يكفِ التدخل؟
الرقم البالغ 96.5 مليار دولار يبدو ضخماً، لكنه لا يعني أن اليابان قادرة على شراء الين إلى ما لا نهاية، والتدخل في سوق الصرف يستنزف احتياطات النقد الأجنبي عندما تستخدم السلطات الدولار لشراء الين، كذلك فإن نجاحه يعتمد بدرجة كبيرة على اعتقاد المستثمرين بأن العوامل الاقتصادية الأساسية ستتحسن، وهنا تكمن المشكلة.
إذا ظل فارق أسعار الفائدة واسعاً، واستمرت الشركات والمستثمرون في تحويل الأموال إلى الخارج، وظلت فاتورة الطاقة مرتفعة، فإن السلطات قد تجد نفسها مضطرة إلى التدخل مرة أخرى بعد فترة قصيرة.
ولهذا وصف بعض المحللين التدخلات بأنها وسيلة لشراء الوقت، وليست حلاً نهائياً لمشكلة الين، كذلك فإن الشركات اليابانية نفسها بدأت تزيد عمليات التحوط من تقلبات العملة، في مؤشر إلى أن القطاع الخاص لا يفترض انتهاء عصر الين الضعيف قريباً.
أميركا تدخل على خط الين
الأكثر لفتاً في التطورات الأخيرة أن واشنطن شاركت طوكيو في تدخل نادر لدعم العملة اليابانية، وكانت العملية المشتركة في يوليو الماضي أول تدخل منسق من هذا النوع بين الولايات المتحدة واليابان منذ أعوام طويلة، في وقت كان الين يقترب من 164 يناً للدولار.
وتكشف هذه الخطوة أن أزمة الين لم تعد شأناً يابانياً داخلياً وحسب، فاليابان واحدة من أكبر الاقتصادات العالمية، والين عملة رئيسة في أسواق التمويل، وأي تحركات حادة في سعره يمكن أن تؤثر في تدفقات رؤوس الأموال والأسواق الآسيوية وتجارة العملات العالمية.
كذلك فإن استمرار ضعف الين قد يؤثر في القدرة التنافسية للصناعة اليابانية، بينما يمكن أن يخلق ارتفاعه السريع، إذا حدث بصورة مفاجئة، خسائر للشركات التي استفادت لأعوام من العملة الضعيفة.
سبتمبر قد يكون لحظة الحسم
وتتجه الأنظار الآن إلى اجتماع بنك اليابان في الـ17 والـ18 من سبتمبر المقبل، بعدما أصبحت الأسواق أكثر اقتناعاً بأن البنك قد يرفع أسعار الفائدة مجدداً.
ولا يتعلق الأمر هذه المرة بالين وحده، بل بمحاولة إعادة التوازن إلى الاقتصاد الياباني كله، فرفع الفائدة قد يساعد على دعم العملة، ويحد من التضخم المستورد، ويقلل جاذبية صفقات التمويل بالين، لكنه في المقابل يضع نهاية أكثر وضوحاً لعصر الأموال الرخيصة الذي ساعد الاقتصاد الياباني والأسواق العالمية لأعوام.
أيضاً فإن تحركات بنك اليابان ستتم مراقبتها بالتزامن مع السياسة النقدية الأميركية، لأن اتساع أو تقلص الفارق بين العوائد الأميركية واليابانية سيكون عاملاً أساساً في تحديد اتجاه الين.
وتضع الأسواق اجتماعَي مجلس الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) وبنك اليابان في سبتمبر المقبل ضمن أبرز الأخطار التي يمكن أن تحرك الأسواق العالمية.
من إنقاذ الين إلى إصلاح الاقتصاد
القصة الحقيقية إذاً ليست أن اليابان أنفقت 96.5 مليار دولار لإنقاذ الين، بل إن هذا الرقم الضخم كشف حدود قدرة الدولة على معالجة مشكلة عملة تعكس اختلالات اقتصادية أعمق.
فالين يحتاج إلى أكثر من تدخل في سوق الصرف، يحتاج إلى سياسة نقدية قادرة على تحقيق توازن بين التضخم والنمو، وفارق فائدة أقل مع الاقتصادات الكبرى، واقتصاد أكثر قدرة على جذب رؤوس الأموال إلى الداخل، إلى جانب تقليل حساسية البلاد لارتفاع كلفة الطاقة.
وهذا ما يجعل الرقم القياسي الذي أنفقته اليابان مهماً صحافياً: طوكيو لم تدفع 96.5 مليار دولار لإنهاء أزمة الين، وإنما دفعت هذا المبلغ لتمنح نفسها وقتاً إضافياً لمعالجة أسبابها.
والاختبار الحقيقي لن يأتي من حجم الأموال التي تستطيع اليابان ضخها في السوق، بل من قدرتها على جعل المستثمرين يرغبون في الاحتفاظ بالين من دون أن تضطر الحكومة إلى شرائه منهم.



