من يمتلك اقتصاد الانتباه؟ | اندبندنت عربية

لم يعد السؤال الأكثر أهمية في الاقتصاد الرقمي: من يملك المعلومات؟ فالمعلومات أصبحت وفيرة إلى حد التخمة، لكن السؤال الأهم اليوم هو كما يقول أستاذ النظم الهندسية الرقمية والذكية الدكتور زياد يوسف الشباني: من يستطيع أن يقرر أي جزء من هذه المعلومات سيصل إلى الإنسان، وفي أي لحظة، وبأي ترتيب، وبأي صيغة؟
هنا تحديداً يبدأ ما يسميه الشباني، “هندسة اقتصاد الانتباه”، واقتصاد الانتباه ليس مفهوماً جديداً، كما يوضح، فمنذ أن تعددت الصحف، ثم القنوات الفضائية، والمواقع الإلكترونية، ومنصات التواصل، أصبح انتباه الإنسان مورداً نادراً تتنافس عليه المؤسسات.
ويستدرك الشباني، “لكن الذكاء الاصطناعي أحدث تحولاً نوعياً، فهو لم يعد يساعد الشركات على شراء انتباهنا فحسب، بل أصبح قادراً على قياسه، والتنبؤ به، وتوجيهه، ثم إنتاج المحتوى المصمم خصيصاً لاستبقائه”.
في مقابلة مع “اندبندنت عربية” يضيف الشباني، أن في الاقتصاد التقليدي، تصنع الشركة منتجاً ثم تبحث عن المستهلك، وفي الإعلان التقليدي، تصنع الرسالة ثم تبحث عن الجمهور المناسب، أما في اقتصاد الانتباه المعزز بالذكاء الاصطناعي، فإن النظام يستطيع أن يدرس الفرد أولاً، ثم يختار الرسالة، والتوقيت، والصورة، وربما السعر الذي يزيد احتمال استجابته، أي إننا ننتقل تدريجاً من “هندسة الإعلان” إلى “هندسة الاحتمال السلوكي”.
يتحدث الشباني عن حجم هذا الاقتصاد بالأرقام، ويقول إنه يشكل في الولايات المتحدة وحدها نحو 294.6 مليار دولار عام 2025، بزيادة 13.9 في المئة خلال عام واحد، وعلى المستوى العالمي، تتوقع مؤسسة “وورك” المتخصصة في أبحاث وتحليلات سوق الإعلان العالمي، أن يصل الإنفاق الإعلاني في عام 2026 إلى نحو 1.3 تريليون دولار، وأن يذهب قرابة 80 في المئة منه إلى البحث المدفوع، ووسائل التواصل الاجتماعي، وإعلانات تجارة التجزئة.
ويتابع “هذه ليست مجرد أموال تُنفق على الإعلان، إنها، في جانب كبير منها، القيمة الاقتصادية لمحاولة الفوز ببضع ثوانٍ إضافية من انتباه الإنسان”.
الخوارزمية لا تعرفك لكنها تتعلم احتمالاتك
لفهم التحول، يكفي النظر إلى طريقة عمل أنظمة التوصية، بحسب الشباني، إذ توضح منصة “تيك توك” نفسها أن نظامها يأخذ في الحسبان ما إذا كنت شاهدت الفيديو حتى النهاية، أو تجاوزته، أو أعجبت به، أو شاركته، أو علقت عليه، وأن وقت المشاهدة من الإشارات المهمة في تشكيل ما يظهر لاحقاً أمامك.
ويتابع “هنا توجد نقطة غالباً ما تُفهم بصورة خاطئة: الذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى قراءة أفكارنا لكي يؤثر فينا. يكفيه أن يصبح جيداً جداً في تقدير الاحتمالات”.
ويشير إلى أنه إذا تعلم النظام أن الشخص الذي شاهد “أ” ثم توقف عند “ب”، ثم بحث عن “ج”، تزيد لديه احتمالية مشاهدة “د”، فقد أصبح يمتلك شيئاً ذا قيمة اقتصادية هائلة: توقع اللحظة التالية من انتباه الإنسان، وهذه، في جوهرها، مسألة هندسية: مدخلات، وبيانات، ونموذج، ودالة تحسين، ومخرجات، لكن ما يجري تحسينه هنا ليس كفاءة محرك أو استهلاك مصنع للطاقة، بل احتمال أن تنظر، وأن تنقر، وأن تبقى، وأن تشتري.
ويرى الشباني أن الذكاء التوليدي جاء ليغيّر المعادلة مرة أخرى، فحتى وقت قريب، كان المحتوى الذي تتنافس به المنصات على انتباهنا محدوداً بما يستطيع البشر إنتاجه، أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيزيل تدريجاً هذا القيد.
ويلفت المتحدث إلى أنه بإمكان النظام أن يولد عشرات النسخ من الإعلان، وأن يغير الصورة، والنص، والأسلوب، والجمهور، ثم يختبر النتائج ثم يعيد التحسين، وهكذا لا يعود السؤال: أي إعلان لدينا سيعمل بصورة أفضل؟ بل: ما الإعلان الذي ينبغي أن نصنعه الآن لهذا الشخص تحديداً؟
ويقدم الشباني شركة “ميتا” مثالاً لافتاً على اتجاه الصناعة، فقد طورت نموذجاً أساسياً ضخماً لتوصية الإعلانات يسمى “جيم”، يعمل على نطاق يقترب من النماذج اللغوية الكبيرة، ويستفيد من تاريخ التفاعل ومن خصائص المحتوى والإعلان لتحسين التوصية.
وتقول الشركة إن إدخاله أسهم في زيادة تحويلات الإعلانات بنحو خمسة في المئة على “إنستغرام”، وثلاثة في المئة على صفحة الأخبار في “فيسبوك” خلال الربع الثاني من عام 2025، والأهم أنها أعلنت أيضاً أن تفاعلات المستخدمين مع “ميتا أي آي” تتدخل في تخصيص المحتوى والإعلانات التي يشاهدونها، بحسب الشباني.
اقتصاد الانتباه قد يتحول إلى اقتصاد النية
يعتقد الشباني أن التحول الأكبر لم يحدث بعد، فحتى الآن، تتنافس “غوغل” و”إنستغرام” و”تيك توك” و”يوتيوب” وغيرها على أن تفتح التطبيق، وتبحث، وتشاهد، وتختار، لكن صعود المساعدات والوكلاء المدعومين بالذكاء الاصطناعي قد يغير وحدة المنافسة ذاتها.
وفق الشباني، يشير مكتب الإعلان التفاعلي الأميركي، وهو من أبرز الجهات المتخصصة في قياس وتحليل سوق الإعلان الرقمي، إلى أن النماذج اللغوية أصبحت مدخلاً متزايد الأهمية لاكتشاف المنتجات والمعلومات، وأن الصناعة بدأت تتحدث، إلى جانب تحسين محركات البحث، عن تحسين الظهور داخل محركات الإجابة والأنظمة التوليدية.
ويتابع “سنجد عندها مفارقة مثيرة: قد يساعدنا الذكاء الاصطناعي على استعادة انتباهنا من آلاف الرسائل الإعلانية، لكنه، في الوقت ذاته، يمنح قوة غير مسبوقة للجهة التي تتحكم في الخوارزمية التي تختار نيابة عنا”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هذه القضية لم تعد نقاشاً فلسفياً فحسب، كما يلفت الشباني، ففي فبراير (شباط) الماضي، توصلت المفوضية الأوروبية، بصورة أولية، إلى أن تصميم “تيك توك” قد يخالف قانون الخدمات الرقمية الأوروبي، وخصت بالذكر التمرير اللانهائي، والتشغيل التلقائي، والإشعارات، وأنظمة التوصية شديدة التخصيص. وفي يوليو (تموز) الماضي أعلنت المفوضية نتيجة أولية مشابهة في شأن “إنستغرام” و”فيسبوك”.
ويمضي المتحدث “الدلالة الاقتصادية هنا أهم من القضية القانونية ذاتها، فنحن نصل إلى مرحلة يصبح فيها تصميم الانتباه جزءاً من الحوكمة، تماماً كما أصبح تصميم السلامة جزءاً من هندسة السيارات والطائرات والمصانع”.
من يمتلك مستقبل اقتصاد الانتباه؟
يرى الشباني، خلال الأعوام المقبلة، ثلاثة تحولات متزامنة: الأول: أن المحتوى سيتحول من منتج يصنع للجمهور إلى منتج يتشكل لحظياً حول الفرد، والثاني: أن المنافسة ستنتقل من “من يحصل على أكبر عدد من المشاهدات؟” إلى “من يمتلك النموذج الأفضل لفهم النية والتنبؤ بالقرار؟”
أما الثالث، وربما الأخطر، فهو ظهور مفهوم يمكن تسميته السيادة على الانتباه: حق الإنسان في معرفة لماذا عُرض عليه شيء، ولماذا حُجب عنه شيء آخر، ومتى تكون الخوارزمية في خدمته، ومتى يكون هو في خدمة نموذجها الاقتصادي، وفق حديثه.
وهذه القضية لا تخص شركات التكنولوجيا وحدها، إنها تمس الإعلام، والتعليم، والسياسة، والتجارة، والثقافة؛ لأن المجتمع الذي تُهندس بوابات انتباهه، تُهندس، بصورة غير مباشرة، أولوياته أيضاً، بحسب إفادته.
كان النفط مورداً استراتيجياً، لأن الاقتصاد الصناعي احتاج إلى الطاقة، وأصبحت البيانات مورداً استراتيجياً، لأن الاقتصاد الرقمي احتاج إلى المعرفة، أما في المرحلة المقبلة، فقد يكون المورد الأكثر ندرة هو القدرة البشرية على الانتباه والاختيار وسط وفرة لا نهائية من المحتوى والقرارات.
ومن هنا، فإن المعركة المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تكون حول النموذج الذي يعرف أكثر فحسب، بل حول النموذج الذي ينجح في أن يقرر: ما الذي يستحق أن نعرفه الآن؟
وعندما تبلغ التكنولوجيا هذه النقطة، لن يعود اقتصاد الانتباه مجرد قطاع من قطاعات الإعلان، سيصبح بنية تحتية لصناعة القرار البشري نفسه، كما يختم الشباني.



