“ضريبة الدمغة” تهدد سوق الأسهم البريطانية

عندما تحرك صندوق التحوط الأميركي “إليوت مانجمنت” العام الماضي لشراء حصة في شركة “بريتيش بيتروليوم” لم تكن الصفقة كما تبدو للوهلة الأولى.
ففي الظاهر، استحوذ الصندوق على نحو 800 ألف سهم من أسهم “بريتيش بيتروليوم” المتداولة في السوق مقابل 3.8 مليار جنيه استرليني (5.1 مليار دولار).
لكن التدقيق في الصفقة كشف عن أن “إليوت مانجمنت” اشترت في الواقع نحو 100 سهم فحسب من أسهم الشركة، بقيمة لا تتجاوز 360 جنيهاً استرلينياً (489.8 دولار).
فكيف تمكن الصندوق من الحصول على ما يعادل 3.8 مليار جنيه استرليني من أسهم “بريتيش بيتروليوم” مقابل إنفاق 360 جنيهاً استرلينياً (489.82 دولار) فحسب؟
الإجابة تكمن في أن بنكاً استثمارياً اشترى معظم الأسهم نيابة عن الصندوق باستخدام أدوات مالية مشتقة ومعقدة.
وقد منح ذلك “إليوت مانجمنت” ملكية اقتصادية فعلية للأسهم، مع خفض كبير لفاتورته الضريبية، وعادة ما يؤدي شراء حصة بهذا الحجم في شركة عملاقة مدرجة على مؤشر “فوتسي 100” إلى التزام كبير بضريبة الدمغة.
لكن استخدام عقد مشتقات مالية مع أحد البنوك، يعرف باسم “مبادلة الأسهم”، يعني أن الأسهم لم تنتقل فعلياً بين الأطراف، بالتالي يرجح أن “إليوت مانيجمنت” دفعت نحو 1.80 جنيه استرليني (2.45 دولار) فحسب كضريبة دمغة، موفرة نحو 14.5 مليون جنيه استرليني (19.7 مليون دولار) من الضرائب.
ولا تعد “إليوت مانجمنت” الصندوق الوحيد الذي يستخدم هياكل مالية معقدة لتجنب ضريبة الدمغة، إذ إن هذه الممارسة قانونية بالكامل.
ضريبة يتحملها المدخرون
وعلى رغم أن ضريبة الدمغة تعرف على نطاق واسع بأنها “ضريبة على المدينة”، في إشارة إلى الحي المالي في لندن، فإن العبء الأكبر منها يقع، وفق منتقديها، على المستثمرين الأفراد وصغار المدخرين وأموال التقاعد، بينما يستطيع المستثمرون الأكثر تطوراً استخدام المشتقات المالية لتجنبها.
وبحسب بيانات مجموعة بورصة لندن، خضع 14 في المئة فحسب من التداولات في الأسواق البريطانية خلال الربع الأول من العام لضريبة الدمغة، مقارنة بـ11 في المئة فحسب خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
ويعكس ذلك فجوة واضحة بين صناديق التحوط الكبرى القادرة على استخدام أدوات مالية معقدة لتقليص التزاماتها الضريبية، والمتقاعدين والمدخرين الذين يجدون أنفسهم أمام العبء الضريبي عند الاستثمار المباشر في الأسهم.
ويرى منتقدون أن هذه المفارقة تمثل مثالاً آخر على الطريقة التي تركت بها وزارة الخزانة سوق الأسهم البريطانية تتراجع، في وقت تتزايد المخاوف من فقدان لندن مكانتها مركزاً مالياً عالمياً.
وسجلت تدفقات صناديق الأسهم البريطانية صافي خروج لأعوام، إذ شهدت الأشهر الـ12 الماضية خروج نحو 14 مليار جنيه استرليني (19 مليار دولار) من هذه الصناديق، وفق بيانات شركة “كلاستون”.
لندن تفقد الشركات
وتتجه الشركات إلى مغادرة لندن بمعدلات قياسية، تزامناً مع ندرة الإدراجات الجديدة، مما يدفع السوق البريطانية العريقة إلى دائرة من التراجع المتسارع.
وتعرضت ضريبة الدمغة لانتقادات باعتبارها أحد العوامل التي تغذي هذا الانحدار، من خلال زيادة كلفة التداول وإضعاف السيولة في سوق الأسهم.
وتفرض الضريبة بنسبة 0.5 في المئة على معاملات شراء الأسهم، وتشرف عليها وزارة الخزانة البريطانية.
وجمعت الضريبة نحو 4.3 مليار جنيه استرليني (5.8 مليار دولار) لخزانة الدولة في عام 2024، بزيادة تقارب الثلث مقارنة بالعام السابق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم أن وزارة الخزانة أجرت بعض التعديلات المحدودة، إذ أعلنت وزيرة الخزانة البريطانية السابقة راشيل ريفز العام الماضي إعفاء الشركات التي تدرج أسهمها في البورصة من ضريبة الدمغة، فإن الحكومة لم تبد استعداداً لاتخاذ خطوات أبعد.
ويحذر عدد من العاملين في “المدينة” من أن عدم التحرك قد يؤدي إلى مزيد من تراجع الإقبال على سوق الأسهم البريطانية، في وقت يجعل النظام الضريبي السوق أكثر جاذبية لصناديق الاستثمار الأجنبية التي تسعى إلى الاستحواذ على أفضل الشركات البريطانية المدرجة ونقلها إلى الخارج.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة “إنترأكتيف إنفستور” ريتشارد ويلسون لصحيفة الـ”تليغراف” إن ضريبة الدمغة على الأسهم تمثل ضريبة غير تنافسية وغير منطقية على المستوى العالمي، وتقلل قيمة الشركات البريطانية، وهو ما يدفع الشركات الجيدة القادرة على المغادرة إلى البحث عن أسواق أخرى، بينما ينتهي الأمر بالشركات التي تبقى إلى أن تصبح أهدافاً للاستحواذ، مضيفاً أن “العبء أصبح يقع بصورة متزايدة على المستثمرين الأفراد”.
صناديق التحوط تستفيد من الثغرة
وتبدو المشكلة أكثر وضوحاً عندما تستخدم صناديق التحوط أساليب مماثلة لتلك التي استخدمتها “إليوت مانجمنت” لشراء أسهم شركات بريطانية، ثم الضغط عليها لنقل أعمالها أو إدراجاتها إلى الخارج.
ومن بين الأمثلة الأخرى صندوق التحوط “سبارتا كابيتال”، الذي قاد لأعوام حملة ضد شركة “وود غروب” الهندسية البريطانية المتعثرة، مطالباً إياها بمغادرة المملكة المتحدة.
وفي رسالة شديدة اللهجة عام 2024، ألقى الصندوق باللوم على ما وصفه بـ”اللامبالاة الواضحة” في أسواق الأسهم البريطانية في الصعوبات التي تواجهها الشركة.
وفي نهاية المطاف، رضخت الشركة لضغوط المستثمرين وباعت نفسها لشركة “سيدارا” الهندسية.
وعند إتمام عملية الاستحواذ، اتضح أن كامل حصة “سبارتا” في “وود غروب” تقريباً كانت قد بنيت باستخدام المشتقات المالية، مما يعني أن الصندوق لم يكن يمتلك معظم الأسهم فعلياً.
وكان من المرجح أن يكون صندوق التحوط قد وفر مئات الآلاف من الجنيهات من ضريبة الدمغة خلال حملته التي استمرت أعواماً لدفع “وود غروب” إلى مغادرة لندن.
وقال كبير مسؤولي الاستثمار في شركة “جوبيتر لإدارة الأصول” بيرس هيلير إن ضريبة الدمغة تقلل شفافية سجلات المساهمين ونزاهة الأوراق المالية المدرجة.
وأضاف أن عدد الشركات البريطانية التي تنقل إدراجاتها إلى أسواق أخرى، خصوصاً الولايات المتحدة، يمثل دليلاً إضافياً على الضرر التنافسي الذي تسببه ضريبة الدمغة.
كيف تعمل المشتقات؟
في جوانب كثيرة، يمثل استخدام صناديق التحوط للمشتقات المالية لتقليل ضريبة الدمغة مثالاً على الابتكار المالي البريطاني نفسه.
وتعمل هذه المنتجات المشتقة عادة من خلال شراء بنك استثماري للأسهم نيابة عن صندوق التحوط، ويدفع صندوق التحوط للبنك كلفة تمويل مقابل تنفيذ العملية، وفي المقابل يحصل الصندوق على العائد الاقتصادي للأسهم، بما في ذلك أي مكاسب أو خسائر ناتجة من تغير قيمتها، لكن العنصر الأساس في هذه العملية هو أن البنك نفسه لا يدفع ضريبة الدمغة.
وتستفيد البنوك من إعفاء خاص يعرف باسم “إعفاء الوسيط”، لأنها تشتري الأسهم نيابة عن عملائها.
فإذا انخفضت قيمة الأسهم، يتحمل صندوق التحوط الخسارة المستحقة للبنك، وإذا ارتفعت قيمتها، يدفع البنك للصندوق المكسب المقابل بعد خصم كلفة التمويل.
ولا يحصل المستثمر الذي يستخدم هذه المنتجات على حقوق التصويت المرتبطة بالأسهم التي يتعرض لها مالياً، لكن ذلك لا يمثل في الواقع مشكلة كبيرة في كثير من الحالات.
فحتى امتلاك حصة صغيرة من الأسهم، مثل أسهم “بريتيش بيتروليوم” التي تبلغ قيمتها 360 جنيهاً استرلينياً (489.90 دولار) والتي اشترتها “إليوت مانجمنت” مباشرة، يمنح المستثمر الحقوق نفسها التي يتمتع بها أي مساهم آخر في حضور الاجتماعات والتصويت.
وهذا يعني أن الصناديق تستطيع استخدام قوتها المالية للضغط على إدارات الشركات من أجل تغيير استراتيجياتها، كما فعلت “سبارتا كابيتال”، أو حشد مساهمين آخرين لدعم مطالبها.



