الصين تعلق تصدير الفوسفات وواشنطن تتجه نحو المغرب وتونس

شهدت صادرات الفوسفات من الصين، أكبر مصنع للأسمدة في العالم، انهياراً حاداً منذ مارس (آذار) 2025، إذ تراجعت من 950 ألف طن إلى 13 ألف طن فحسب في شهر واحد.
وأوقفت بكين التصدير حتى أغسطس (آب) الجاري، فقفزت أسعار فوسفات ثنائي الأمونيوم (النوع الأكثر شيوعاً من الأسمدة القائمة على الفوسفات) بنسبة 28 في المئة، مما وضع المزارعين الأميركيين أمام أزمة شح في الإمدادات وغياب أي بديل موثوق في الأفق.
فأدركت الولايات المتحدة أن سيادتها الغذائية باتت رهينة لقرارات منافستها، لذلك تبحث واشنطن عن عقد شراكات استراتيجية وبناء شبكة متنوعة من الموردين الموثوقين، وإقامة شراكات صناعية مع أطراف تتقارب معها الرؤى السياسية وفق معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى الذي أشار إلى قدرة منطقة المغرب العربي على المساهمة في التصدي للضغوط الصينية المتزايدة على سلاسل توريد الأسمدة “الحيوية”، ولا سيما إذا ركزت واشنطن على شراكات اقتصادية تعود بالنفع المتبادل مع تونس والمغرب.
شراكة لتجاوز هشاشة الإمدادات
وتشير التقديرات إلى أن المغرب يمتلك نحو 70 في المئة من احتياطات الفوسفات عالمياً، وطورت الرباط قدراتها في مجالات التكرير والمعالجة وتصنيع الأسمدة، تزامناً مع استثمارات مكثفة في سلاسل التوريد الأفريقية وشراكات في مجال التكنولوجيا الزراعية.
مع ذلك، لا يستطيع المغرب وحده ضمان استدامة إمدادات الأسمدة على المدى الطويل، مما يجعل من تونس مكملاً منطقياً لا منافساً وفق معهد واشنطن، الذي اعتبر أن بنية الإمداد التي تتركز في بلد واحد تنطوي بطبيعتها على هشاشة كامنة.
لذا، يُنظر إلى تونس ليس كشريك بديل وحيد للولايات المتحدة في مجال الفوسفات، بل كعنصر استراتيجي مكمل ضمن استراتيجية تنويع.
وتكتسب تونس أهمية خاصة في الجمع بين احتياطاتها الكبيرة، وقربها من أوروبا، وقدراتها الصناعية القائمة في مجال الفوسفات.
وإضافة إلى وفرة الموارد، تكمن قيمتها في توازنها الجغرافي، وعمقها في منطقة البحر الأبيض المتوسط، في سلسلة إمداد باتت شديدة التركيز. فإن موانئها وقاعدتها الصناعية وقدرتها على الوصول إلى أسواق البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا تجعل منها عنصراً أساساً.
ممر عابر للحدود
علماً أن تونس تمتلك احتياطات من الفوسفات تبلغ نحو 2.5 مليار طن متري، لكن نقص الاستثمار والاضطرابات الاجتماعية والسياسية في تونس أدى إلى انخفاض الإنتاج إلى مستويات تقل بكثير عن القدرات المتاحة.
غير أن هذه التحديات ذاتها تفتح الباب أمام فرص للتحديث والاستثمار الاستراتيجي وفق معهد واشنطن الذي دعم مقترحه في شأن هذه الشراكة المنسقة بين المغرب وتونس، بمساندة الولايات المتحدة من خلال تحديث البنية التحتية التونسية الخاصة بالاستخراج والنقل والمعالجة، مع تعزيز الريادة الصناعية الراسخة للمغرب. وسيظل المغرب يمثل الركيزة الصناعية واللوجيستية لهذا الممر، في حين ستوفر تونس طاقة إنتاجية إضافية، على أن تتجسد هذه الشراكة في مشاريع مشتركة، وتقاسم للقدرات الإنتاجية والمعالجة، وتنسيق لوجيستي، ونقل للتكنولوجيا، ومشاريع بنية تحتية عابرة للحدود تحقق قيمة مضافة لكلا البلدين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويسهم المغرب بما يمتلكه من حجم تشغيلي وخبرة وقدرات تمويلية وإمكانية الوصول إلى الأسواق العالمية، بينما تسهم تونس بمواردها وخبراتها الصناعية وموقعها الجغرافي الاستراتيجي وقدراتها الإضافية في منطقة المتوسط، ومن شأن هذه العلاقة أن تعزز مصالح الطرفين.
الفوسفات مقابل البنية التحتية
ومن شأن الهيكلية الناتجة من هذه الشراكة أن تؤدي إلى تعزيز المرونة الإقليمية وأمن الإمدادات، ويقدم المقترح الأميركي بديلاً عن اعتماد قطاع الفوسفات في تونس على الدعم المحلي وهو تبني استراتيجية طويلة الأمد تقوم على مبدأ “الفوسفات مقابل البنية التحتية”.
وتركز على التحديث الصناعي بالتعاون مع مؤسسات مانحة تشمل البنك الدولي، والبنك الأفريقي للتنمية، ومؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية، ووكالات التنمية الأوروبية.
وتدعم تحديث البنية التحتية وتقنيات الاستخراج في تونس وتوسيع الخدمات اللوجيستية للسكك الحديد والموانئ لربط الإنتاج التونسي بمسارات التصدير عبر البحر الأبيض المتوسط وخلق منشآت لمعالجة الأسمدة قادرة على إنتاج سلع نهائية مخصصة للأسواق الأوروبية والأفريقية.
مع توفير تقنيات المعالجة البيئية للحد من التدهور البيئي المرتبط بأنظمة الاستخراج التقليدية القديمة ووضع منصات لوجيستية رقمية متكاملة تربط بين سلاسل التوريد في تونس والمغرب مع برامج لتطوير القوى العاملة والتدريب الفني للحد من نزف الكفاءات الهندسية التونسية والحوكمة والاستقرار.
وهو ما يمثل رغبة أميركية في الاستثمار في قطاع الفوسفات في ظل الإشكاليات العالقة التي يشهدها في تونس وفق الأكاديمي والمتخصص في التنمية حسين الرحيلي، الذي كشف عن تواصل معاناة القطاع مجسماً في الشركة العمومية “شركة فوسفات قفصة” التي تتعرض لضغوط مالية متزايدة جراء الديون وتعطل الإنتاج، مما أدى إلى عجزها عن توفير أجور موظفيها في الفترة الأخيرة.
وأظهرت الولايات المتحدة الأميركية اهتماماً بقطاع الفوسفات في تونس، من خلال إعلان مكتب تنسيق المساعدات التابع لمكتب شؤون الشرق الأدنى بوزارة الخارجية الأميركية عن فتح فرصة تمويل جديدة بقيمة تتجاوز 1.5 مليون دولار، بهدف دعم الاستثمار للقطاع الخاص في قطاع الفوسفات في تونس وتعزيز التعاون التجاري والاستثماري بين البلدين.
وحملت هذه المبادرة عنوان “تأمين سلاسل إمداد الولايات المتحدة بالمعادن الحيوية… تونس”، وترد في إطار دعم العلاقات التجارية والاستثمارية بين تونس والولايات المتحدة، والمساهمة في تطوير المعايير الفنية في مراحل الإنتاج المتقدمة لقطاع الفوسفات، فضلاً عن تعزيز سلاسل توريد عالمية أكثر مرونة وفق سفارة الولايات المتحدة لدى تونس، التي أوضحت أن هذه المنحة تندرج ضمن مساعي الجانب الأميركي لدعم الاستثمار الخاص وتعزيز الشراكات التجارية والاستثمارية المرتبطة بالمعادن الحيوية.
ويضيف الرحيلي أنه في غياب الرؤية الاصلاحية المحلية أو مشروع لاستعادة نسق إنتاج الفوسفات، تأتي هذه المبادرة لتطرح فرضية شراكة بين القطاعين العام والخاص على الأرجح.
وتبدو الاستثمارات الأميركية هي الأقرب، مدفوعة بالمعطيات المتمثلة في خروج واشنطن من التصنيف العالمي ابتداء من عام 2035 بمعية روسيا على خلفية تراجع احتياطاتها، مما دفع واشنطن إلى البحث عن مساحات استثمارية جديدة للشركات الأميركية المتخصصة في الفوسفات. وإن إنشاء ممر للفوسفات يربط ما بين المغرب وتونس لن يقتصر أثره في تأمين إمدادات الفوسفات فحسب، بل سيرسخ أيضاً واحداً من أوائل الممرات الصناعية العابرة للمغرب العربي التي تتميز بالمرونة وتتماشى مع رغبة الولايات المتحدة في ضمان إمدادات مستدامة وآمنة.



