الهيدروجين الأخضر.. مصر تستهدف صناعة متكاملة للطاقة النظيفة
يمثل الهيدروجين الأخضر أحد أهم مسارات التحول في قطاع الطاقة. ومع تطور القطاع، يتجه العالم إلى دمج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح مع التخزين والشبكات الذكية والرقمنة.
ويعزز هذا التكامل أمن الطاقة. كما يفتح المجال أمام نماذج جديدة لإنتاج الهيدروجين بكفاءة أعلى.
وفي هذا الإطار، ناقش متخصصون فرص تطوير صناعة الهيدروجين الأخضر في مصر. وجاء ذلك خلال جلسة بعنوان «الهيدروجين الأخضر والطاقة الهجينة.. حلول لرفع كفاءة الإنتاج وتعزيز التكامل الإقليمي».
وعُقدت الجلسة ضمن فعاليات معرض الطاقة الشمسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا «The Solar Show MENA».
وأدار النقاش الباحث في استدامة وحوكمة الموارد والطاقة بجنوب أفريقيا، فينسنت أودينيا-أورو. وشارك في الجلسة عدد من الخبراء والمتخصصين في قطاعات الطاقة المختلفة.
موارد الطاقة المتجددة أساس مشروعات الهيدروجين
قال فينسنت أودينيا-أورو إن تعظيم الاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة يمثل عاملًا رئيسيًا لتطوير مشروعات الهيدروجين الأخضر في مصر.
وأشار إلى أن مصر تمتلك إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية. كما تضم مواقع متعددة يمكنها استضافة مراكز لإنتاج الهيدروجين.
وأوضح أن دراسة جدوى مشروعات الهيدروجين لا يجب أن تقتصر على توافر الطاقة المتجددة. بل يجب أن تشمل فرص الاستخدام المحلي للهيدروجين وحجم الطلب واحتياجات القطاعات المختلفة.
وأضاف أن جمع هذه العناصر ضمن التخطيط يمنح المشروعات مرونة أكبر. كما يساعد على تحديد السيناريوهات الأكثر جدوى للإنتاج.
ولفت إلى أن وفرة الطاقة الشمسية في مصر تمثل ميزة مهمة. ومع ذلك، تختلف خصائص كل موقع عن الآخر، ما يتطلب تحسين التصميم واختيار النموذج المناسب لكل مشروع.
وأكد أن التحدي الحقيقي لا يرتبط فقط بامتلاك موارد كبيرة لإنتاج الهيدروجين الأخضر. بل يتمثل أيضًا في تحويل هذه الموارد إلى مشروعات صناعية وتجارية مربحة.
ومن شأن ذلك دعم التصنيع المحلي. كذلك يمكن أن يحقق قيمة اقتصادية أكبر من مشروعات الهيدروجين.
مصر مطالبة ببناء قيمة مضافة محلية
من جانبه، أكد أستاذ الطاقة المتجددة وتكنولوجيا المياه في المركز القومي للبحوث وعضو مجلس إدارة الجمعية الدولية لطاقة الهيدروجين، الدكتور حسام الناظر، ضرورة تجاوز مفهوم إنتاج الهيدروجين وتصديره.
ودعا إلى بناء قيمة مضافة محلية وإقليمية. ويتطلب ذلك دعم البحث العلمي والابتكار، وتوطين تقنيات الهيدروجين، إلى جانب تنمية القدرات البشرية.
كما شدد على أهمية التعاون بين دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويشمل ذلك تطوير معايير فنية وتشغيلية مشتركة.
وأشار إلى ضرورة وضع آليات موثوقة لتتبع الهيدروجين وشهادات المنشأ. ويساعد ذلك على تعزيز التكامل الإقليمي ودعم وصول المشروعات إلى الأسواق العالمية، خاصة الأوروبية.
تحلية المياه تدعم إنتاج الهيدروجين
ولفت الناظر إلى أهمية دمج تقنيات تحلية المياه التي تعتمد على الطاقة المتجددة في التخطيط لمشروعات الهيدروجين.
ويضمن هذا الدمج توفير المياه اللازمة لعمليات التحليل الكهربائي بصورة مستدامة. كما يرفع كفاءة استخدام الموارد، خصوصًا في المناطق الساحلية والصحراوية.
وأوضح أن هذا التكامل قد يمنح مصر فرصة لتقديم نموذج يجمع بين الطاقة المتجددة وتحلية المياه وإنتاج الهيدروجين ضمن منظومة واحدة.
الذكاء الاصطناعي يرفع كفاءة المشروعات
وتناولت المناقشات أيضًا دور الذكاء الاصطناعي والنماذج الرقمية وأنظمة الإدارة الذكية للطاقة في تشغيل مشروعات الهيدروجين الأخضر.
وتساعد هذه التقنيات في التنبؤ بإنتاج الطاقة المتجددة. كما تدعم إدارة الأحمال والتخزين وتقليل فترات التوقف.
كذلك يمكنها تحسين عمليات الصيانة وإطالة العمر التشغيلي للمعدات. ونتيجة لذلك، ترتفع كفاءة المشروعات وتنخفض تكاليف التشغيل.
وأكد الناظر أهمية الربط بين البحث العلمي والقطاع الصناعي. وأوضح أن مصر تمتلك كوادر أكاديمية وبحثية وخبرات جيدة.
لكن، بحسب الناظر، هناك حاجة إلى آليات أكثر فاعلية لربط البحث والابتكار باحتياجات الصناعة.
وأوضح أن هذا الربط يجب أن يتحول إلى سياسة واضحة. والهدف هو تحويل نتائج الأبحاث إلى تطبيقات ومشروعات صناعية.
كما دعا إلى الاستفادة من التجارب والخبرات الدولية في تطوير منظومة الهيدروجين داخل مصر.
توطين التكنولوجيا يعزز تنافسية مصر
وأشار الناظر إلى أن التعاون مع الشركاء الدوليين يمكن أن يدعم نقل الخبرات والمعرفة والتكنولوجيا.
وفي الوقت نفسه، شدد على ضرورة توطين هذه المعرفة. كما دعا إلى تطوير منظومة محلية تتناسب مع احتياجات السوق المصرية.
ويشمل ذلك تصميم مشروعات الهيدروجين النظيف وتنفيذها وتشغيلها.
وأكد أن توطين التكنولوجيا وبناء القدرات المحلية عنصران أساسيان لتعظيم العائد الاقتصادي من مشروعات الهيدروجين.
وبالتالي، لا ينبغي أن يقتصر الأمر على استيراد التكنولوجيا والمعدات المطلوبة لتنفيذ المشروعات.
مصر أمام فرصة للتحول إلى مركز إقليمي
وعن مستقبل الهيدروجين الأخضر في مصر، رأى الناظر أن البلاد تمتلك فرصة مهمة للتحول إلى مركز إقليمي لإنتاج الهيدروجين منخفض الكربون.
وتستند هذه الفرصة إلى موارد الطاقة المتجددة. كما يدعمها الموقع الجغرافي وشبكات النقل والبنية التحتية القائمة.
وأشار إلى إمكانية تعزيز مكانة مصر في السوق خلال الأعوام المقبلة. ويأتي ذلك بالتزامن مع تطورات مماثلة في الصين والمغرب والدول الأوروبية.
وأكد أن تطوير الصناعة المحلية ونقل التكنولوجيا وربط البحث العلمي بالصناعة ستكون عوامل حاسمة. ومن خلالها يمكن لمصر تعزيز قدرتها على المنافسة.
الطاقة الهجينة ترفع كفاءة إنتاج الهيدروجين
بدوره، قال مستشار الطاقة والهيدروجين ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، الدكتور محمد عاطف كامل، إن أفضل الحلول لتوفير الطاقة لمشروعات الهيدروجين تتمثل في أنظمة الطاقة الهجينة.
وتجمع هذه الأنظمة بين الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتخزين الطاقة. وتعمل جميع هذه العناصر من خلال أنظمة متقدمة لإدارة الطاقة.
وأوضح أن هذا النموذج يمكن أن يحقق جدوى اقتصادية أفضل. كما يرفع كفاءة التشغيل ويزيد الاستفادة من قدرات الإنتاج.
وأكد أن مستقبل الطاقة يتجه نحو دمج مصادر متعددة داخل نظام موحد وأكثر كفاءة.
وأضاف أن الجمع بين مصادر الطاقة المختلفة وتقنيات التخزين والإدارة الذكية يمكن أن يساعد في الوصول إلى النموذج الأفضل لتوفير الطاقة اللازمة لمشروعات الهيدروجين.
معايير موحدة لتنظيم مشروعات الهيدروجين
أكد كامل أن الاستفادة من الطاقة المتجددة لا تعتمد على توافرها فقط. بل تحتاج أيضًا إلى معايير واضحة وموحدة لتنظيم تطبيقاتها، خصوصًا في النقل والتشغيل.
وأشار إلى أن تطبيق هذه المعايير يتطلب عمليات تفتيش وتقييم ميدانية. ويهدف ذلك إلى التأكد من الالتزام بالمتطلبات المحددة.
كما يجب وجود جهات مسؤولة عن متابعة الأداء وتقييم مدى استيفاء المشروعات للمعايير.
وشدد على أهمية وضع مؤشرات واضحة لقياس الاستدامة والكفاءة التشغيلية والأداء. ويساعد ذلك المؤسسات والجهات الإقليمية على تقييم المشروعات بصورة أكثر دقة.
وأضاف أن وضوح معايير الأداء يمثل عنصرًا مهمًا لدعم مشروعات الهيدروجين الأخضر. ويزداد ذلك أهمية مع سعي مصر إلى استغلال مواردها المتجددة وتطوير دورها في القطاع.
متطلبات السوق الأوروبية تضغط على المنتجين
وأوضح مستشار الطاقة والهيدروجين أن الأسواق الأوروبية، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي، تفرض متطلبات متزايدة على المنتجات المستوردة.
وتتعلق هذه المتطلبات بشكل خاص بالبصمة الكربونية والانبعاثات. لذلك، أصبح توافق المنتجين معها ضروريًا للحفاظ على القدرة التنافسية في السوق الأوروبية.
وأشار إلى أن المنتجين، خاصة في الدول الصناعية، مطالبون بإثبات التزام منتجاتهم بخفض الانبعاثات.
ولا يقتصر ذلك على تحسين عمليات الإنتاج. بل يشمل أيضًا تقييم الانبعاثات عبر سلسلة الإمداد والنقل والعمليات اللوجستية.
ولفت إلى ضرورة وجود منهج واضح لحساب الانبعاثات الكربونية للمنتجات. ويسمح ذلك بمقارنتها مع المنتجات والعلامات التجارية الأخرى، وتحديد الفروق في التكلفة والأثر البيئي.
الهيدروجين والأمونيا الخضراء يدعمان خفض الانبعاثات
وأكد كامل أن مصر حققت خلال الفترة الأخيرة تقدمًا في جهود إزالة الكربون من القطاع الصناعي.
وأشار إلى عدد من مذكرات التفاهم والمشروعات الخاصة بإنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراء. وتستهدف هذه المشروعات خفض الانبعاثات في الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة.
كما تزداد أهمية عدد من الأدوات والمعايير. ومن بينها الإعلانات البيئية للمنتجات وتقييم دورة حياة المنتج.
وتعد هذه الأدوات مهمة أمام الشركات التي تسعى إلى التوافق مع متطلبات الاتحاد الأوروبي. وتشمل المتطلبات التصدير وخفض البصمة الكربونية.
خفض التكلفة مفتاح نجاح اقتصاد الهيدروجين
خلصت المناقشات إلى أن نجاح اقتصاد الهيدروجين لن يعتمد على توافر الطاقة المتجددة وحدها.
بل يرتبط أيضًا بقدرة مصر على دمج التكنولوجيا والبحث العلمي والرقمنة مع التخطيط الاقتصادي والتنظيمي.
وأكد المشاركون أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الحديث عن إمكانات الهيدروجين الأخضر إلى تنفيذ مشروعات عملية ومستدامة وقابلة للتوسع.
ويشمل ذلك خفض التكلفة ورفع كفاءة التشغيل. كما يتطلب تطوير البنية التحتية وتوطين التكنولوجيا ووضع أطر تنظيمية واضحة.
وفي النهاية، لن تتحدد قدرة مصر على المنافسة في سوق الهيدروجين الأخضر بحجم موارد الشمس والرياح فقط.
بل ستعتمد المنافسة أيضًا على قدرة الدولة على تحويل هذه الموارد إلى صناعة متكاملة. ويجب أن تتمتع هذه الصناعة بقيمة مضافة محلية، مع القدرة على الالتزام بالمعايير الدولية والوصول إلى الأسواق العالمية.



