عالمي

سوق السندات الخضراء في مصر… 3 نقاط قوة و5 تحديات رئيسة

على رغم المعوقات التي تواجه سوق السندات الخضراء، كشفت دراسة حديثة أن مصر نجحت في ترسيخ مكانتها كأول دولة عربية تصدر سندات خضراء سيادية، إلا أن استمرار ريادتها في سوق التمويل المستدام يتطلب معالجة عدد من التحديات المؤسسية والسوقية، وفي مقدمتها محدودية قاعدة المستثمرين المحليين، وضعف الإصدارات غير السيادية، والحاجة إلى تطوير منظومة البيانات البيئية.

وأوضحت الدراسة التي أعدها الباحث علاء محمد المنشاوي لنيل درجة الدكتوراه المهنية في إدارة الأعمال من الأكاديمية العربية للعلوم المالية والإدارية المصرفية، أن التجربة المصرية تمتلك مقومات قوية تؤهلها للتحول إلى مركز إقليمي للتمويل الأخضر، إذا ما تم استكمال الإصلاحات المؤسسية وتعميق السوق المحلية.

وحملت الرسالة عنوان “دور السندات الخضراء في تعزيز التنمية المستدامة للاقتصاد المصري.. التحديات والاستراتيجيات”، واعتمدت على تحليل “إس دبليو أو تي”، لتقييم البيئة الداخلية والخارجية لسوق السندات الخضراء في مصر، إلى جانب استخدام نموذج “دي أو دبليو إس”، لصياغة استراتيجيات تنفيذية قابلة للتطبيق. ولفتت إلى أن مصر كانت من أوائل دول المنطقة التي اهتمت بأسواق المال الخضراء، وبخاصة بعد إصدار أول سندات خضراء سيادية في 2020 لدعم مشاريع البنية التحتية المستدامة.

وأوضحت، أنه على المستوى العملي، تمثل أسواق المال الخضراء نموذجاً واعداً في تحقيق التنمية المستدامة، إذ تجمع بين الابتكار المالي وحماية البيئة، مما يجعلها عنصراً أساساً في الاقتصاد العالمي الحديث.

3 نقاط قوة مقابل 5 تحديات رئيسة

ولم تقتصر الدراسة على التحليل النظري، بل دعمت نتائجها باستبيان ميداني شمل 26 متخصصاً من القطاعين المالي والمصرفي والجهات الحكومية المعنية بإدارة الدين العام والأسواق المالية، إذ أظهرت النتائج توافقاً ذا دلالة إحصائية على أن الإطار المؤسسي المنظم يمثل أبرز عناصر القوة في التجربة المصرية.

ورصدت الدراسة ثلاث نقاط قوة، من بينها الريادة العربية في إصدار أول سندات خضراء سيادية عام 2020، ووجود إطار تنظيمي للتمويل الأخضر، إلى جانب تنامي دور البنوك المحلية في تمويل المشاريع المستدامة.

في المقابل، أشارت إلى وجود خمس تحديات رئيسة تتمثل في محدودية الإصدارات غير السيادية، وضعف تنوع جهات الإصدار، وضيق قاعدة المستثمرين المحليين، إضافة إلى نقص البيانات البيئية القابلة للتحقق، وارتفاع كلفة الالتزام بالمعايير الدولية الخاصة بالسندات الخضراء والحوكمة البيئية والاجتماعية.

وأوضحت الدراسة أن الطلب العالمي المتزايد على أدوات التمويل المستدام، وتوسع التمويلات الدولية الموجهة لمشاريع المناخ، يمثلان فرصاً كبيرة أمام السوق المصرية، في حين تبقى تقلبات أسعار الفائدة العالمية، وتباطؤ أسواق الدين، وأخطار “الغسل الأخضر” من أبرز التهديدات التي تواجه القطاع.

ولتعزيز النتائج، أجرت الدراسة مقارنة مرجعية بين التجربة المصرية وتجارب كل من الهند والمغرب وإندونيسيا والصين، من خلال تحليل البيئة التنظيمية والبنية السوقية والأثر البيئي والتنموي، بهدف تحديد الفجوات المؤسسية والاستفادة من أفضل الممارسات الدولية.

الفكرة من أواخر التسعينيات والبنك الدولي أول المصدرين

وذكرت، أن الأسواق لم تعد كما كانت قبل أعوام قليلة. فالتغيرات الاقتصادية العالمية أعادت تشكيل قواعد اللعبة بالكامل، إذ باتت تلعب أسواق المال الخضراء دوراً رئيساً في تحقيق أهداف التنمية المستدامة من خلال تمويل مشاريع تخفض من التلوث وتحافظ على التنوع البيولوجي.

وقد بدأت فكرة أسواق المال الخضراء بالظهور إلى العلن في أواخر التسعينيات، وسرعان ما اكتسبت زخماً كبيراً بعد إصدار أول سند أخضر من قبل البنك الدولي عام 2008.

وأشارت إلى أن الأدوات الرئيسة في أسواق المال الخضراء السندات الخضراء، تشمل الصناديق الخضراء، والأسهم الخضراء، وهي أدوات مصممة بصورة خاصة لدعم المشاريع المستدامة. فيما تبرز السندات الخضراء كإحدى أبرز أدوات أسواق المال الخضراء، إذ تخصص الأموال الناتجة منها لتمويل مشاريع بيئية مثل الطاقة النظيفة وإدارة النفايات.

وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن التنظيم المالي المستدام يشكل الركيزة الأساسية لتطوير أسواق السندات الخضراء على المستوى العالمي. إذ يؤكد البنك أن دمج العوامل البيئية والاجتماعية في قواعد السوق، وإلزام المؤسسات بالإفصاح عن تقارير الاستدامة، إضافة إلى جانب الدعم المؤسسي من قبل الجهات التنظيمية تعد من العناصر الجوهرية التي تسهم في تعزيز صدقية هذه الأسواق وزيادة حجم الإصدارات فيها.

وبينت الدراسة أن السندات الخضراء تعد إحدى الأدوات المالية المبتكرة التي يُخصَّص عائدها حصرياً لتمويل مشاريع بيئية، مثل الطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة، والنقل النظيف، وإدارة المياه، والبنية التحتية المستدامة. وقد تطورت هذه السوق في إطار مبادئ ومعايير تنظيمية واضحة، أبرزها مبادئ السندات الخضراء الصادرة عن الرابطة الدولية لأسواق رأس المال، التي تحدد متطلبات استخدام العائدات، والإفصاح، وإدارة الحصيلة، والتقارير الدورية، مما يعزز الشفافية والثقة في هذا النوع من الأدوات التمويلية.

تطور قياسي في حجم الإصدارات منذ عام 2015

وأشارت إلى أن أسواق السندات الخضراء شهدت توسعاً ملحوظاً بعد عام 2015، خصوصاً عقب اعتماد اتفاق باريس للمناخ الذي حفز الحكومات والشركات على زيادة استثماراتها في الطاقة النظيفة والبنية التحتية المستدامة.

ولعب هذا الاتفاق دوراً محورياً في دفع السوق إلى الأمام من خلال وضع التزامات دولية للحد من الانبعاثات وزيادة التمويل الأخضر.

وحتى مارس (آذار) 2016، بلغ إجمال قيمة السندات الخضراء الصادرة عالمياً نحو 19 مليار دولار.

وكانت الشركات الصينية في مقدمة المسهمين، إذ استحوذت على نحو 48 في المئة من هذه الإصدارات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وشهد العام نفسه دخول شركة “هيونداي كابيتال” الكورية إلى سوق السندات الخضراء بإصدارها الأول، مما يعكس اتساع دائرة المشاركة في هذا النوع من التمويل المستدام.

وقد شهدت معدلات الاستثمار في السندات الخضراء نمواً متسارعاً خلال الأعوام الأخيرة، حيث بلغت قيمة الإصدارات 258.9 مليار دولار عام 2019، بزيادة نسبتها 51 في المئة مقارنة بعام 2018. وفي عام 2020، ارتفعت الإصدارات إلى 269.5 مليار دولار، مع توقعات بمواصلة هذا النمو نتيجة لاهتمام العالم المتزايد بتحقيق مستقبل أكثر استدامة. واستمر هذا النمو بوتيرة أقوى عام 2021، إذ تجاوزت الإصدارات السنوية 517 مليار دولار أميركي، مسجلةً مستوى قياسياً تاريخياً في ذلك الوقت.

وخلال عامي 2022 و2023، حافظت السوق على زخم قوي رغم تقلبات أسعار الفائدة عالمياً، إذ بلغ إجمال الإصدارات الخضراء عام 2023 نحو 586 مليار دولار، مع استمرار توسع قاعدة المستثمرين المهتمين بالاستثمار المستدام. وأشارت تقارير حديثة إلى أن إجمال السندات المستدامة القائمة عالمياً (يشمل السندات الخضراء والاجتماعية والمستدامة) تجاوز تريليونات دولار عدة بحلول عام 2024.

التوسع في الإصدارات يتصدر قائمة التوصيات

وانتهت الدراسة إلى إعداد خريطة طريق تنفيذية تضم 15 توصية استراتيجية، حددت الجهات المسؤولة عن تنفيذ كل توصية، والإطار الزمني المقترح، ومؤشرات قياس الأداء اللازمة لمتابعة التنفيذ.

ومن أبرز هذه التوصيات، التوسع في برنامج الإصدارات السيادية الخضراء ضمن استراتيجية إدارة الدين العام، وتحفيز الشركات على إصدار سندات خضراء عبر حوافز تنظيمية وضريبية، وتطوير إطار وطني لقياس ورصد الأثر البيئي، وإصدار سندات خضراء بالعملة المحلية للحد من أخطار سعر الصرف، إلى جانب تعميق قاعدة المستثمرين المحليين، وإنشاء لجنة وطنية دائمة للتمويل الأخضر لتعزيز التنسيق بين الجهات الحكومية.

وأكدت الدراسة أن نجاح السندات الخضراء في تحقيق أهدافها التنموية لا يرتبط وحسب بحجم الإصدارات، وإنما يعتمد أيضاً على كفاءة البيئة المؤسسية، وعمق الأسواق المالية، ورفع مستوى الشفافية وجودة البيانات البيئية، بما يعزز ثقة المستثمرين ويزيد من قدرة السوق المصرية على جذب رؤوس الأموال الموجهة للاستثمارات المستدامة.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى