عالمي

رسوم ترمب تعيد تشكيل منظومة التجارة العالمية

مع احتفال الولايات المتحدة بالذكرى الـ250 لتأسيسها، تجد نفسها أمام نظام عالمي جديد تهيمن عليه طبيعة علاقتها بالصين، وفي هذا السياق يبرز السؤال حول التحولات التي أحدثتها السياسات التجارية الأميركية في النظام الاقتصادي الدولي، لا سيما بعد التغييرات الجذرية التي أدخلها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على السياسة الجمركية.

عندما أعلن ترمب، في أبريل (نيسان) من العام 2025، فرض رسوم جمركية واسعة النطاق على معظم الشركاء التجاريين الرئيسين للولايات المتحدة، رأى بعض المراقبين أن هذه الخطوة تعيد إلى الأذهان محطات تاريخية مفصلية في السياسة الاقتصادية الأميركية.

ومع بداية الكساد الكبير عام 1930، وقع الرئيس الأميركي السابق هربرت هوفر قانون “سموت-هاولي” للرسوم الجمركية، الذي فرض تعريفات على أكثر من 20 ألف سلعة مستوردة، على رغم تحذيرات صريحة من أكثر من 1000 اقتصادي من تداعياته السلبية.

وبالعودة إلى مرحلة تأسيس الولايات المتحدة، كان أول تشريع اقتصادي بارز بعد اعتماد الدستور هو قانون الرسوم الجمركية لعام 1789، المعروف أيضاً باسم “تعريفة ألكسندر هاملتون”، نسبة إلى أول وزير للخزانة الأميركية، الذي كان من أبرز المدافعين عن استخدام الرسوم الجمركية والدعم الحكومي لحماية الصناعات الناشئة.

واستند ترمب إلى هذا الإرث التاريخي لتبرير ما أطلق عليه “رسوم يوم التحرير”، مؤكداً أن الرسوم الجمركية رافقت الولايات المتحدة منذ نشأتها.

لكن خبراء الاقتصاد يرون أن الرسوم التي فرضها ترمب خلال ولايته الثانية تختلف جذرياً عن سابقاتها، إذ تجاوز تأثيرها مجرد الحماية التجارية، لتقوض عقوداً من سياسات الأسواق المفتوحة، وتفرض أعباء على الحلفاء، من دون أن تحقق الأهداف التي أعلنتها الإدارة الأميركية، على رغم سعيها إلى ترسيخ سلطة دائمة لفرض الرسوم الجمركية.

وقال أستاذ الاقتصاد المتخصص في تاريخ السياسة التجارية الأميركية في كلية دارتموث دوغلاس إيروين، لصحيفة “ساوث تشاينا مورننغ بوست” إن “رسوم ترمب تمثل قطيعة واضحة مع الماضي”.

وأوضح إيروين، الذي سبق أن عمل مستشاراً لشؤون التجارة في مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان، أن الولايات المتحدة استخدمت الرسوم الجمركية تاريخياً لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسة، هي تمويل إيرادات الحكومة منذ تأسيس الدولة وحتى الحرب الأهلية، وحماية الصناعات المحلية حتى فترة الكساد الكبير، ثم التفاوض على خفض الحواجز التجارية بين الدول منذ عام 1934.

وأضاف أن إدارة ترمب تحاول استخدام الرسوم لتحقيق الأهداف الثلاثة في الوقت ذاته، لكنها لا تحدد أيها يمثل الأولوية، معتبراً أن السياسة الحالية تتسم بـ”تناقضات واضحة”.

وروج ترمب للرسوم الجمركية باعتبارها أداة قادرة على تحقيق مجموعة واسعة من الأهداف، تشمل زيادة الإيرادات الحكومية، وتقليص الدين العام، وإعادة الصناعات إلى الولايات المتحدة، وخفض العجز التجاري.

إلا أن محللين أكدوا أن هذه الأهداف تتعارض في كثير من الأحيان، إذ إن ارتفاع الرسوم يؤدي إلى تراجع الواردات، وهو ما يحد في الوقت ذاته من الإيرادات الجمركية، مما يجعل تحقيق جميع هذه الأهداف أمراً بالغ الصعوبة.

وتشير بيانات من مصادر متعددة إلى أن وعود إعادة توطين الصناعة الأميركية لم تتحقق بالصورة المعلنة، على رغم تأكيدات الإدارة بأن قطاع التصنيع “عاد بقوة”.

ووفقاً لتقرير أصدرته الأقلية الديمقراطية في اللجنة الاقتصادية المشتركة بالكونغرس خلال أبريل (نيسان) الماضي، فقد قطاع التصنيع نحو 102 ألف وظيفة منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، في ظل معاناة المصانع الصغيرة، التي تمثل الجزء الأكبر من القطاع، من ارتفاع كلفة الإنتاج.

وفي الوقت ذاته، أظهرت بيانات وزارة التجارة الأميركية اتساع العجز التجاري في السلع خلال العام الماضي بنسبة 2.1 في المئة ليصل إلى 1.24 تريليون دولار.

وأوضحت بيانات وزارة الخزانة الأميركية أن الرسوم الجمركية وفرت نحو 264 مليار دولار خلال العام الماضي، وهو رقم كبير من حيث القيمة المطلقة، لكنه لم يمثل سوى أقل من خمسة في المئة من إجمال إيرادات الحكومة الفيدرالية.

ويختلف ذلك كثيراً عن مرحلة ما قبل الحرب الأهلية، عندما كانت الرسوم الجمركية توفر نحو 90 في المئة من إيرادات الحكومة الأميركية، قبل أن تتراجع هذه النسبة إلى نحو النصف في أواخر القرن التاسع عشر، ثم تنخفض بصورة أكبر بعد اعتماد ضريبة الدخل كمصدر رئيس للإيرادات العامة.

وعلى الصعيد القانوني، واجهت إدارة ترمب انتكاسة كبيرة، بعدما قضت المحكمة العليا الأميركية في فبراير (شباط) بعدم قانونية الأساس الذي استندت إليه الإدارة لفرض “رسوم يوم التحرير”، وأمرت الحكومة برد نحو 166 مليار دولار إلى المتضررين من تلك الرسوم.

من الصين إلى الحرب التجارية العالمية

ولتبرير فرض رسوم “يوم التحرير”، استند الرئيس ترمب إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية، وهو تشريع استُخدم تاريخياً لفرض العقوبات والقيود التجارية على الخصوم، وليس لفرض رسوم جمركية شاملة على الواردات.

ويرى محللون أن هذا النهج يمثل تحولاً جوهرياً في السياسة التجارية الأميركية، حتى مقارنة بالولاية الأولى لترمب.

وقالت رئيسة سياسات التجارة في مؤسسة “هينريتش للأبحاث التجارية” في آسيا، ديبورا إلمز، إن الاختلاف لا يقتصر على حجم الرسوم، بل يشمل نطاقها وسرعة تطبيقها وتعقيدها والأدوات القانونية المستخدمة لفرضها.

وعلى رغم قرار المحكمة العليا بإلغاء الأساس القانوني لرسوم “يوم التحرير”، فإن الإدارة الأميركية واصلت تنفيذ أجندتها التجارية، إذ فرض ترمب رسوماً جمركية عالمية موقتة بنسبة 10 في المئة لتحل محل الرسوم الأعلى التي أبطلتها المحكمة.

وفي أوائل يونيو (حزيران) الماضي، اقترح مكتب الممثل التجاري الأميركي فرض رسوم إضافية تصل إلى 12.5 في المئة على واردات من 60 اقتصاداً، استناداً إلى تحقيقات أجريت بموجب المادة 301 بشأن مزاعم تتعلق بالعمل القسري.

وكانت هذه الاتهامات تقتصر سابقاً على الصين بموجب قانون منع العمل القسري للإيغور، الذي يستهدف المنتجات المصنعة في إقليم شينجيانغ، إلا أن الإجراءات الجديدة شملت شركاء تجاريين رئيسين مثل كندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى اقتصادات محايدة مثل سنغافورة وسويسرا.

واعتبرت إلمز أن هذا التوسع غير مسبوق، ويمثل امتداداً فعلياً لرسوم “يوم التحرير”.

ولفت محللون إلى أن أحد أبرز التحولات في سياسة ترمب يتمثل في استبعاد الصين من موجة الرسوم الجديدة، خلافاً لولايته الأولى عندما كانت بكين الهدف الرئيس للإجراءات التجارية الأميركية بسبب سياساتها الصناعية واتساع الفجوة التجارية بين البلدين.

وقالت إلمز إن مواقف ترمب وتصريحاته تشير إلى أنه لا يرغب في تصعيد المواجهة مع الصين، بينما يبدو أكثر استعداداً للتصعيد مع بقية الشركاء التجاريين.

من جانبه، أوضح كبير الاقتصاديين لشؤون آسيا والتجارة العالمية في وحدة المعلومات الاقتصادية نيك مارو، أن سياسة إدارة الرئيس السابق جو بايدن اختلفت بصورة واضحة، إذ اعتمدت على التنسيق مع الدول الحليفة لمعالجة القضايا المشتركة، مثل فائض الطاقة الإنتاجية في الصين.

وأضاف أن الرد الصيني السريع على رسوم “يوم التحرير” ربما أسهم في تغيير حسابات ترمب، إذ كانت الصين الدولة الوحيدة التي ردت بإجراءات مماثلة، مما أدى إلى تصاعد متبادل في الرسوم والقيود على الصادرات قبل أن يتجه الطرفان إلى تهدئة التوتر.

ورأت إلمز أن تلك التجربة دفعت البيت الأبيض إلى تخفيف حدة خطابه تجاه بكين للحفاظ على “هدنة هشة” ترسخت بعد لقاء ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ في مايو (أيار) الماضي.

وعلى رغم دخول الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم مرحلة من الهدوء النسبي، يؤكد محللون أن التأثير الأوسع لسياسات ترمب سيستمر لفترة طويلة.

وقال دوغلاس إيروين، إن الاقتصاد العالمي واصل النمو على رغم صدمة رسوم “يوم التحرير”، لكنه كان سيحقق أداء أفضل لولا تلك الإجراءات.

وقارن إيروين الوضع الحالي بقانون “سموت-هاولي” لعام 1930، الذي قال ترمب إنه كان يهدف إلى “إنقاذ” الاقتصاد الأميركي، لكنه جاء أخيراً.

وأوضح أن الرسوم الجمركية آنذاك أثارت إجراءات انتقامية من الدول الأخرى ألحقت ضرراً بالصادرات الأميركية لعقود، وأسهمت في تعميق الكساد الكبير وإبطاء التعافي الاقتصادي.

وتراجعت الصادرات الأميركية من أكثر من 5.2 مليار دولار عام 1929، وهو عام بداية الكساد الكبير، إلى أقل من 1.7 مليار دولار بحلول عام 1933، وهو العام الذي غادر فيه الرئيس هربرت هوفر منصبه.

وفي عام 1934، أقرّت الولايات المتحدة قانون اتفاقات التجارة المتبادلة، الذي أنهى سياسة الرسوم الجمركية المرتفعة، ومنح الرئيس صلاحيات أوسع في التفاوض التجاري بدلاً من الكونغرس.

ويرى إيروين أن هذا التحول المؤسسي يفسر سبب محدودية الردود الانتقامية الدولية على رسوم ترمب الأخيرة، مقارنة بما حدث في ثلاثينيات القرن الماضي.

ففي ذلك الوقت، كانت الدول الأجنبية ترد على الرسوم الأميركية من دون خشية من رد فعل الكونغرس، بينما جاءت رسوم “يوم التحرير” بقرار تنفيذي من رئيس يتمتع بصلاحيات واسعة وغير متوقعة، مما دفع معظم الحكومات إلى تجنب التصعيد.

وخلال العقود التالية، أقر الكونغرس قوانين إضافية وسعت صلاحيات الرئيس في المجال التجاري، من بينها المادة 232 من قانون توسيع التجارة لعام 1962، التي تتيح فرض رسوم لأسباب تتعلق بالأمن القومي، والمادة 301 من قانون التجارة لعام 1974.

وقالت ديبورا إلمز، إن الرؤساء السابقين لم يستغلوا هذه الصلاحيات إلى أقصى حد، إلا أن ترمب يجعل السياسة التجارية محوراً رئيساً لبرنامجه، وتسعى إدارته إلى بناء إطار قانوني أكثر رسوخاً واستدامة يتيح فرض الرسوم الجمركية على المدى الطويل.

ترسيخ الرسوم الجمركية بقوانين أكثر صلابة

ويرى محللون أن استراتيجية إدارة الرئيس ترمب قد تثبت فعاليتها، إذ إن الرسوم الجمركية المفروضة بموجب المادتين 301 و232 ستكون أكثر صعوبة في الإلغاء أمام القضاء، لأن كلا القانونين يمنحان السلطة التنفيذية صلاحيات صريحة لفرض الرسوم الجمركية أو تعديل مستويات الواردات لتحقيق أهداف تتعلق بالسياسة العامة.

وقال نيك مارو، إن الشركات ستجد صعوبة أكبر في الطعن بهذه الإجراءات أمام المحاكم، مشيراً إلى أن الرسوم الجديدة المقترحة بموجب المادة 301 لن تدخل حيز التنفيذ على الأرجح قبل أواخر يوليو (تموز).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف أن هذا التوقيت قد يمنع حدوث فراغ في نظام الرسوم الجمركية للإدارة الأميركية، إذ تنتهي صلاحية الرسوم العالمية الموقتة البالغة 10 في المئة، التي فرضها ترمب بعد إلغاء المحكمة لرسوم “يوم التحرير”، في 24 يوليو، وبعد ذلك سيستلزم تمديدها موافقة الكونغرس.

وأوضح مارو أن من أبرز مزايا الاعتماد على المادتين 301 و232 وجود آليات قانونية أكثر وضوحاً وتنظيماً، إذ تتولى مكتب الممثل التجاري الأميركي إدارة تحقيقات المادة 301، التي تتضمن جلسات استماع عامة وفترة لتلقي ملاحظات الشركات والقطاعات الاقتصادية قبل اتخاذ القرار.

وأشار إلى أن هذا النهج يختلف عن رسوم “يوم التحرير”، التي دخلت حيز التنفيذ بعد أيام قليلة من إعلانها، وهو ما أدى إلى موجة بيع حادة في الأسواق المالية قبل أن تضطر الإدارة إلى تعليق بعض الإجراءات موقتاً.

وقال مارو إن السياسة التجارية الحالية تبدو أكثر تنظيماً وقابلية للتوقع، حتى وإن ظلت تتسم بالتشدد.

الضغوط التضخمية تحد من هامش المناورة

على رغم تأكيد ترمب أن الشركات الأجنبية هي من تتحمل كلفة الرسوم الجمركية، أظهر تقرير صادر عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك خلال فبراير (شباط) أن نحو 90 في المئة من أعباء هذه الرسوم تحملتها الشركات الأميركية والمستهلكون داخل الولايات المتحدة.

وأوضح التقرير أن هذه الضغوط الاقتصادية ازدادت حدة بعد الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، التي دفعت أسعار الطاقة العالمية إلى الارتفاع.

وقال مارو، إن هناك إدراكاً متزايداً داخل الولايات المتحدة بأن الرسوم الجمركية تغذي التضخم وترفع تكاليف المعيشة، وهو ما قد يدفع الإدارة الأميركية إلى قدر من الحذر، لكنه لن يغير جوهر أجندة ترمب التجارية.

تحول طويل الأمد في السياسة التجارية

ومع احتفال الولايات المتحدة بالذكرى الـ250 لاستقلالها، يرى محللون أن واشنطن تتجه إلى التخلي تدريجاً عن سياسات التجارة الحرة التي قادت النظام الاقتصادي العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وأشار مارو إلى أن عودة الديمقراطيين إلى البيت الأبيض مستقبلاً لا تعني بالضرورة حدوث تحول جذري في السياسة التجارية، لافتاً إلى أن إدارة الرئيس السابق جو بايدن أبقت على عدد من الرسوم التي فرضها ترمب خلال ولايته الأولى، بل وسعت بعضها.

وختم بالقول إن ما حدث يشبه فتح “صندوق باندورا”، في إشارة إلى أن التحولات التي طرأت على السياسة التجارية الأميركية قد يصعب التراجع عنها مستقبلاً.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى