عالمي

شبكة مصالح في سوق عقارات لندن تحول الاستشارات إلى عمولات

تُوصف التحولات التي يشهدها قطاع الوساطة العقارية في العاصمة البريطانية لندن بأنها “ثورة”، فيما يرى كثر أن المدينة باتت تتذوق اليوم ثقافة سوق العقارات الشرسة في نيويورك، مع صعود نموذج “الوسيط المستقل” وتراجع القواعد التقليدية التي حكمت القطاع لعقود.

لكن خلف هذه التحولات، يحذر خبراء من أن تشابك المصالح المالية بين ثلاثة أطراف رئيسة يفترض أن تعمل باستقلالية تامة لخدمة العميل، وهي وكيل العقارات، ووسيط الرهن العقاري، والمحامي المختص بنقل ملكية العقار، أدى إلى نشوء منظومة عمولات وإحالات متبادلة أثارت تساؤلات متزايدة حول تضارب المصالح، وشفافية الصفقات، ومدى استقلالية المشورة القانونية والمالية التي يحصل عليها المشترون والبائعون.

واليوم تبدو سوق الوساطة العقارية السكنية في بريطانيا مختلفة تماماً عما كانت عليه قبل عقد من الزمن، فانتقال الوسطاء الطموحين من الشركات العقارية الكبرى وخاصة في العاصمة لندن، غالباً بعد حصولهم على المكافآت السنوية، بحثاً عن بيئة عمل أكثر مرونة وحصة أكبر من العمولات، ليس أمراً جديداً، لكنه اكتسب زخماً غير مسبوق خلال الأعوام الأخيرة.

ويعود ذلك إلى انضمام أعداد متزايدة من هؤلاء الوسطاء إلى شركات وساطة حديثة تعتمد نموذج “الوسيط المستقل”، وهو ما يعيد رسم ملامح القطاع بصورة جذرية.

ويتمتع الوسطاء بحرية أوسع في التفاوض على نسب العمولات، وإبرام اتفاقات مباشرة مع الوسطاء الآخرين أو الجهات التي تحيل العملاء، بعيداً من القيود التقليدية التي كانت تفرضها الشركات العقارية الكبرى.

وعلى رغم ذلك، لا يزال هناك عدد محدود من الوسطاء الذين يقتصر عملهم على تمثيل المشترين فقط، ويرفضون تمثيل البائعين في الوقت نفسه، انطلاقاً من اعتقادهم بأن الجمع بين الدورين قد يخلق تضارباً في المصالح، خصوصاً إذا كانوا يبحثون عن عقار لمشترٍ في منطقة وسعر محددين، بينما يتولون في الوقت نفسه تسويق عقار معروض للبيع ضمن المنطقة والفئة السعرية نفسها.

هذا التنوع في نماذج العمل يمنح العملاء خيارات أوسع، وهو أمر إيجابي، إلا أن المشكلة تكمن في ضعف فهم كثير من العملاء لطبيعة العلاقة التي تربطهم بالوسطاء وآلية تقاضي هؤلاء لعمولاتهم.

بات من الشائع أيضاً أن يعرض وكيل بيع العقار على المشترين البحث عن عقارات أخرى إذا لم ينجح في إقناعهم بشراء العقارات التي يتولى تسويقها، ليحصل في المقابل على عمولة إحالة من وكيل البيع الأصلي، تبلغ عادة نحو 0.5 في المئة من قيمة الصفقة، إضافة إلى ضريبة القيمة المضافة.

هذه الممارسة، التي كانت محل انتقادات واسعة في السابق، أصبحت اليوم أكثر قبولاً داخل السوق، لكنها قد تسبب التباساً لدى العملاء إذا لم يوضح الوسطاء منذ البداية طبيعة دورهم وآلية احتساب أتعابهم.

وخلال الأعوام القليلة الماضية تزايدت الدعوات إلى تنظيم قطاع الوساطة العقارية، وبات كثير من الوسطاء المحترفين يؤيدون فرض إطار تنظيمي واضح، خصوصاً في ظل تزايد أعداد الوسطاء الجدد، بما يضمن وضوح الرسوم والعمولات للعملاء ويعزز الثقة في السوق.

أصبح نموذج الوسيط العقاري المستقل واقعاً دائماً في سوق العقارات البريطانية، مما يجعل من الأهمية توعية العملاء بكيفية عمل هذا النموذج.

وعلى رغم اختلاف آليات العمل بين هذه الشركات، فإنها تشترك في منح الوسطاء حرية أكبر للعمل ممثلين للمشترين والبائعين في آن واحد، وتقديم أنفسهم بوصفهم مستشارين عقاريين يرافقون العملاء طوال رحلة البيع والشراء.

“كارتل” غير رسمي

من جانبه يقول المستثمر والاقتصادي في الشؤون العقارية في المملكة المتحدة محمد أحمد عجمي، إن سوق العقارات في العاصمة البريطانية لندن تعد من أكثر الأسواق جاذبية ونشاطاً على مستوى العالم، إلا أنها تعاني خللاً هيكلياً وتنظيمياً تطور مع مرور الوقت إلى ما يشبه “الكارتل” غير الرسمي، نتيجة تشابك المصالح المالية بين ثلاثة أطراف رئيسة يفترض أن تعمل باستقلالية تامة لخدمة العميل، وهي وكيل العقارات (Estate Agent)، ووسيط الرهن العقاري (Mortgage Broker)، والمحامي المختص بنقل ملكية العقار (Conveyancing Solicitor).

وأوضح عجمي لـ”اندبندنت عربية” أن نظام “رسوم الإحالة” أو ما يعرف بـ(Referral Fees) حوّل الاستشارات المهنية القائمة على الكفاءة والنزاهة إلى عملية تجارية تستهدف تعظيم الأرباح المتبادلة بين الأطراف المختلفة، على حساب المستهلك النهائي، مما يقوض مبدأ الحياد والاستقلالية المهنية.

وأشار إلى أن الخلل يبدأ عندما يُدفع المشتري أو البائع إلى التعامل مع ما يُسوَّق على أنه “حزمة خدمات متكاملة”، إذ يوجه وكيل العقارات العميل إلى وسيط رهن عقاري محدد، بينما يحيل الوسيط الملف إلى محامٍ مدرج ضمن “القائمة المفضلة” للجهات المتعاونة.

وأضاف أن هذا الترابط لا يقوم على معايير الكفاءة أو سرعة الإنجاز، وإنما على شبكة من عمولات ورسوم الإحالة المتبادلة، مما يخلق تضارباً واضحاً في المصالح، إذ يفقد المحامي استقلاليته القانونية عندما يعتمد تدفق أعماله بصورة كبيرة على الإحالات الواردة من وكالة عقارية أو وسيط بعينه، مما قد يدفعه إلى تسهيل إتمام الصفقة بدلاً من حماية مصالح موكله.

ولفت إلى أن رسوم الإحالة، التي تراوح عادة ما بين 200 و400 جنيه استرليني (268-536 دولاراً) لكل عميل، لا تتحملها الجهات الوسيطة، بل تُضاف بصورة غير مباشرة إلى الرسوم القانونية التي يدفعها المشتري في نهاية المطاف.

وأشار إلى أن بعض الوكالات العقارية، على رغم حظر هذه الممارسات بموجب قواعد أمين المظالم العقارية في المملكة المتحدة، توحي للمشترين بأن فرص قبول عروضهم ستكون أكبر إذا استعانوا بالخدمات القانونية والتمويلية التابعة للمجموعة نفسها.

واستشهد عجمي بتجربة شخصية، قال إنها كشفت حجم الخلل داخل المنظومة، موضحاً أنه خلال إحدى عمليات شراء العقارات، أحاله وكيل العقارات إلى وسيط رهن عقاري معتمد لديه، واقترح الوسيط، بهدف تسريع الإجراءات، أن يتولى محامٍ واحد من القائمة المعتمدة تمثيل كل من المشتري والبائع في الصفقة ذاتها.

وأكد أن هذا الاقتراح لا يمثل مجرد مخالفة إجرائية، بل يعد مخالفة قانونية صريحة، إذ تحظر القواعد الصادرة عن هيئة تنظيم المحامين في المملكة المتحدة، باستثناء حالات محدودة لا تنطبق على تعاملات بيع وشراء المساكن التقليدية، تمثيل المحامي للطرفين معاً بسبب تضارب المصالح.

وأوضح أن المحامي يخضع لواجب ائتماني يفرض عليه حماية مصالح موكله حصراً، متسائلاً كيف يمكن للمحامي أن ينصح المشتري بالانسحاب من الصفقة بسبب عيب إنشائي جسيم، وفي الوقت نفسه يدافع عن مصلحة البائع؟ أو كيف يمكنه تمثيل الطرفين إذا تعثرت إجراءات التمويل أو استوجب الأمر تطبيق بنود جزائية؟

ورأى أن تقديم مثل هذه النصيحة من قبل وسيط معتمد يعكس، بحسب وصفه، تغليب المصالح المالية على الالتزام بالتشريعات المنظمة للسوق، بما يحول القانون إلى مجرد عقبة يجري الالتفاف عليها لضمان استمرار تدفق العمولات.

وحذر عجمي من أن استمرار هذا النموذج القائم على تبادل العمولات يهدد ثقة المستثمرين في السوق العقارية البريطانية، ويزيد من النزاعات والقضايا القانونية، فضلاً عن إسهامه في إبطاء إنجاز التعاملات نتيجة الاعتماد على مكاتب تتمتع بإحالات مضمونة بدلاً من المنافسة على أساس الكفاءة.

ودعا إلى اتخاذ عدد من الإجراءات لتعزيز نزاهة السوق، أبرزها الفصل الكامل بين مقدمي الخدمات، وعدم الاعتماد على الترشيحات القانونية أو التمويلية الصادرة عن وكلاء العقارات، مع اختيار مستشارين مستقلين لا تجمعهم أي مصالح مالية مشتركة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وطالب بإلزام الجهات التي توصي بـ”شركاء مفضلين” بالإفصاح كتابة عن قيمة رسوم الإحالة وآلية سدادها، بما يتوافق مع معايير التجارة الوطنية في المملكة المتحدة، إضافة إلى الإبلاغ عن أي ممارسات تنطوي على تضارب مصالح أو محاولات لتمثيل طرفي الصفقة من قبل محامٍ واحد، عبر تقديم شكاوى إلى هيئة تنظيم المحامين أو مكتب أمين المظالم العقارية.

واختتم بالقول إن إصلاح سوق العقارات في لندن يبدأ من رفع مستوى وعي المستثمرين والمستهلكين بأن “النصيحة المفضلة” ليست مجانية، وأن استقلالية المستشار القانوني والمالي تمثل خط الدفاع الأول لحماية الاستثمارات ورؤوس الأموال.

خريطة طريق لإصلاح النظام المتعثر 

وأعلنت الحكومة البريطانية في يونيو (حزيران) الماضي، أنها ستُخضع وكلاء العقارات لمدونة سلوك جديدة في وقت لاحق من العام الجاري، ضمن حزمة إصلاحات واسعة تستهدف إعادة هيكلة نظام شراء وبيع المنازل، في خطوة طال انتظارها لتنظيم القطاع ورفع معايير الممارسة المهنية.

وتتضمن الإصلاحات أيضاً خططاً لإلزام العاملين في مهنة الوساطة العقارية بالحصول على مؤهلات مهنية، على أن تبدأ الحكومة مشاورات عامة في شأن هذه الخطوة خلال العام المقبل.

وتأتي هذه الإجراءات بعد أعوام من الجدل حول تنظيم القطاع، إذ تعود التوصيات الخاصة بتنظيم وكلاء العقارات إلى تقرير عضو مجلس اللوردات البريطاني اللورد ريتشارد بست الصادر عام 2019، الذي دعا فيه إلى إنشاء إطار تنظيمي شامل للمهنة. 

وعلى رغم ذلك، شهدت الأعوام الماضية تأجيلاً متكرراً لتطبيق هذه الإصلاحات، حتى إن اللورد بست صرّح في عام 2024 بأنه لا يعتقد أن الملف يمثل أولوية للحكومة آنذاك.

وأكدت الحكومة أن مدونة السلوك الجديدة ستسهم في رفع المعايير المهنية لوكلاء العقارات، إلى جانب المقترحات الخاصة بإلزامهم بمؤهلات مهنية، بما يضمن امتلاكهم المهارات اللازمة لدعم تعاملات بيع وشراء أكثر كفاءة، واستعادة ثقة المستهلكين في القطاع.

وأضافت أن المدونة تمثل جزءاً من “خريطة طريق لإصلاح النظام المتعثر”، إذ ستحدد الحد الأدنى من المعايير التي ينبغي أن يلتزم بها وكلاء العقارات، إلى جانب تقديم إرشادات لتحسين جودة المعلومات الواردة في إعلانات العقارات.

وقال رئيس السياسات والحملات في مؤسسة “بروبرتي مارك” المتخصصة في تنظيم قطاع العقارات، تيموثي دوغلاس، لموقع “ذا نيغوشيتر” إن المؤسسة ترحب بالتزام الحكومة بإقرار مدونة سلوك لوكلاء العقارات وإطلاق مشاورات في شأن إلزام العاملين في القطاع بمؤهلات مهنية.

وأضاف أن المؤسسة طالبت على مدى أعوام بإطار تنظيمي يرفع معايير المهنة، ويعزز ثقة المستهلكين، ويكرس العمل في الوساطة العقارية بوصفه مهنة احترافية.

وأشار دوغلاس إلى أن وجود مدونة سلوك واضحة سيحقق قدراً أكبر من الاتساق في ممارسات القطاع، ويساعد الوكلاء على تقديم خدمات أكثر جودة، معرباً عن ترحيبه بصورة خاصة بخطط الحكومة للتشاور في شأن المؤهلات الإلزامية، وهي خطوة تتماشى مع توصيات مراجعة تنظيم وكلاء العقارات الصادرة عام 2019، والهادفة إلى تعزيز المهنية والكفاءة وترسيخ الثقة في القطاع.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى