عالمي

صدمات الأسعار تضع شريحة كبيرة من العمال الأميركيين في دائرة الفقر

خلال الشهر الماضي وقفت كريس ماسي أمام منضدة صائغ مجوهرات، على أمل بيع بعض القطع التي ورثتها عن جدتها لتغطية بعض النفقات. على رغم أن ماسي، وهي ممرضة ممارسة تبلغ من العمر 57 سنة، تجني دخلاً سنوياً كبيراً، فإن وضعها المالي أصبح لا يطاق، بعدما أثرت أعوام من ارتفاع الأسعار المتسارع، إضافة إلى فترة بطالة استمرت لأشهر، سلباً في وضعها المالي.

عملت ماسي في وظيفتين بين عامي 2012 و2023، لكن العمل في وظيفة ثانية لم يعد خياراً متاحاً بعد خضوعها لجراحة معقدة في الظهر، واستنفدت مدخراتها التقاعدية خلال فترة بطالتها، وتقول “في الوقت الحالي، أحاول فقط الصمود”.

بينما يواصل الاقتصاد الأميركي العمل الدؤوب على رغم الصدمات المتتالية، لا ينطبق الأمر نفسه على بعض مكوناته الأساسية، التي بدأت تظهر عليها علامات التآكل، فعدد متزايد من الأميركيين الذين يسهم عملهم وإنفاقهم في تغذية هذا الاقتصاد، يقتربون من نقطة الانهيار المالي.

وبعدما أرهقتهم بالفعل الآثار المتراكمة لأكثر من خمسة أعوام من التضخم المرتفع، يواجهون الآن أزمة كلفة باهظة ناجمة عن الحرب.

ارتفاع طلبات الإفلاس مع زيادة الديون

تقول ماسي، “كان من المفترض أن أكون بخير، لكنني لست كذلك”. ساد التفاؤل بإمكان انتعاش النمو الاقتصادي هذا العام، وأن تنقشع غيوم عدم اليقين، مما يعزز التوظيف وثقة المستهلك، وأن توفر المبالغ المستردة من الضرائب دعماً مالياً، وأن ينخفض التضخم أكثر، مما يمهد الطريق لانخفاض أسعار الفائدة.

لكن الحرب في الشرق الأوسط وما نتج منها من نقص في إمدادات النفط، وارتفاع حاد في أسعار البنزين، وتزايد أخطار العدوى التضخمية، كلها عوامل زادت من حدة التوترات الاقتصادية المتفاقمة أصلاً بسبب مخاوف غلاء المعيشة.

هذا الشهر، انخفض مؤشر ثقة المستهلك، الذي يحظى بمتابعة دقيقة، إلى أدنى مستوى له على الإطلاق، ويشعر الأميركيون بقلق بالغ حيال الاقتصاد، أسوأ مما شعروا به خلال حرب فيتنام، وأزمة النفط في السبعينيات، وأحداث 11 سبتمبر (أيلول)، والركود الكبير، وجائحة “كوفيد-19” والتضخم الهائل الذي أعقبها.

لكن، في المجمل، تظهر بيانات العام حتى الآن صورة لاقتصاد قوي، وبالنظر إلى سوق الأسهم فقط (مع العلم أنه ليس الاقتصاد الحقيقي)، تبدو هذه الفترة وكأنها عصر ذهبي.

في الوقت نفسه، ارتفعت طلبات الإفلاس خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وزادت مستويات الديون، وارتفعت معدلات التخلف عن السداد، ووصل معدل الادخار الشخصي إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من ثلاثة أعوام.

تقول ماسي، التي تعيش في ضاحية منخفضة الكلفة نسبياً في ناشفيل “كان من المفترض أن أكون ضمن الطبقة المتوسطة… كان من المفترض أن أكون بخير، لكنني لست كذلك. لا بد أنني لست الوحيدة التي تشعر بهذا الشعور”.

من الطبيعي أن ترتفع الأسعار، بخاصة على مر السنين، لكن منذ عام 2021، ارتفعت أسعار السلع والخدمات اليومية بنحو 25 في المئة، وهذا يزيد على ضعف معدل الارتفاع خلال فترة مماثلة قبل الجائحة.

وتتأثر الأسر ذات الدخل المنخفض بصورة غير متناسبة، نظراً إلى أن نسبة أكبر من دخلها تذهب لتلبية الحاجات الأساسية مثل البقالة والوقود.

ومع اتجاه المتسوقين ذوي الدخل المرتفع نحو شراء بدائل أرخص من العلامات التجارية الفاخرة، يرتفع الطلب على السلع منخفضة الكلفة، وفقاً لما ذكره ديفيد أورتيغا، وهو أستاذ اقتصادات الغذاء في جامعة ولاية ميشيغان. وأضاف “إذا كنت ممن يشترون المنتجات التقليدية، فلن تجد بديلاً أرخص”.

يزداد اختلال التوازن في الإنفاق الاستهلاكي

في الوقت ذاته، يزداد اختلال التوازن في الإنفاق الاستهلاكي، ولم تسهم الزيادة الحادة في أسعار البنزين في الحد من الإنفاق الاستهلاكي للجميع. وتظهر بيانات “بنك أوف أميركا”، أن الإنفاق الاستهلاكي نما بمعدل سنوي قدره 4 في المئة في أبريل (نيسان)، حتى بعد استبعاد أسعار البنزين.

وقال كبير الاقتصاديين في “بنك أوف أميركا”، ديفيد مايكل تينسلي، “هذا أسرع نمو منذ أكثر من ثلاثة أعوام”، مدفوعاً جزئياً بزيادة المبالغ المستردة من الضرائب واستمرار نموذج الاقتصاد ذي الشكل “كي”. وأضاف أن عدم المساواة في الدخل والثروة كثيراً ما استمر في الولايات المتحدة وغيرها من الدول، إلا أن هذه الفوارق اتسعت في السنوات الأخيرة. وتابع “الفجوة بين نمو أجور أصحاب الدخل المرتفع، على سبيل المثال، ونمو أجور أصحاب الدخل المتوسط والمنخفض هي الأكبر في بياناتنا، والتي تعود إلى نحو 10 أعوام”.

ويبلغ معدل نمو الأجور بعد الضريبة للأسر ذات الدخل المرتفع (أكثر من 130 ألف دولار) 6 في المئة سنوياً مقابل 1.5 في المئة للأسر ذات الدخل المنخفض (أقل من 70 ألف دولار) و2.3 في المئة للأسر ذات الدخل المتوسط (بين 70 ألف دولار و130 ألف دولار)، ويرتفع الدخل والإنفاق بوتيرة أسرع بين الأسر ذات الدخل المرتفع.

في أبريل (نيسان)، زادت ثروات وإنفاق الأسر ذات الدخل المرتفع بصورة ملحوظة خلال الأشهر 12 الماضية مقارنة بالأسر ذات الدخل المتوسط والمنخفض. وقال تينسل، إن الفجوة في نمو الإنفاق أقل وضوحاً، لكنها لا تزال الأوسع منذ ثلاثة أعوام، وأضاف أن المبالغ المستردة من الضرائب، التي مثلت طوق نجاة للبعض، محدودة أيضاً.

تباطؤ التوظيف وتأجيل زيادات الرواتب

فيما عمل بيل برانتنر في قطاع التصنيع لمدة 20 عاماً، بما في ذلك بعض الشركات غير الموثوقة إذ كان يجد نفسه في نهاية يوم عمله أمام باب مغلق. لم يسبق له أن بدأ عملاً براتب يزيد على 19 دولاراً في الساعة، ولم يكسب أكثر من 23 دولاراً في الساعة.

وشهد عديد من الشركات في قطاعه حال من الركود خلال معظم الأشهر 18 الماضية، وأدى عدم اليقين الشديد إلى تباطؤ التوظيف، وتأجيل الزيادات في الرواتب، وإبطاء عملية التغيير الضرورية لسوق عمل صحي.

وأدت التعريفات الجمركية الجديدة الصارمة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب إلى زيادة كلفة عديد من المواد والمكونات، وتهدد أسعار الوقود المرتفعة بزيادة الكلفة.

وفق شبكة “سي أن أن”، يقول برانتنر البالغ من العمر 51 سنة، إنه يعمل بأقصى طاقته – يعمل 10 ساعات يومياً، ستة أيام في الأسبوع، ويقبل أي عمل إضافي – من أجل البقاء.

وقع برانتنر أخيراً اتفاقية لإدارة ديونه، وتمكن من سداد جميع فواتير بطاقاته الائتمانية، التي تراكمت بسرعة العام الماضي. اتفاقية إدارة الديون، التي تتضمن دفعات شهرية، حررته من قبضة الفائدة المرتفعة، ولكنها اشترطت عدم الحصول على أي ائتمان جديد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قال برانتنر “إذا وقعت عقد إيجار جديد، ورفعوا الإيجار مجدداً، فلن أستطيع تحمله، وإذا رفعوا أقساط التأمين مجدداً، فلن أستطيع تحملها أيضاً… استنزفوا كل ما يمكن استنزافه مني”.

في مايو (أيار) الجاري، إذا رفع الإيجار للعام الخامس على التوالي، فقد يضطر إلى العيش في سيارته خارج حدود مدينة كولورادو سبرينغز، حيث لا يعد النوم في السيارة مخالفاً للقانون. وأضاف “وجدت بعض الأماكن التي يمكنني فيها دفع 400 دولار أقل شهرياً، لكن لمجرد الانتقال إلى شقة، عليك أن تدفع ثلاثة أضعاف الإيجار الشهري: عليك دفع إيجار الشهر الأول والأخير والتأمين، إضافة إلى جميع الرسوم الأخرى التي يفرضونها”. وقال “أنا عالق… لا أستطيع الخروج من هذه الشقة”.

مع نفاد الموارد لم يتبقَّ سوى القليل

قالت كبيرة الاقتصاديين في “نيردواليت” إليزابيث رينتر إن الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط هي التي تشعر بالألم الاقتصادي أولاً وبصورة أكثر حدة. وأضافت “بما أن أسعار عديد من السلع الأساسية تأثرت بالحرب، فليس أمامهم خيار سوى إيجاد طرق لتغطية هذه الكلفة… فهم أقل قدرة على توفير السيولة النقدية لتغطية النفقات غير المتوقعة، ويدركون مدى هشاشة وضعهم”.

سيان سلاتر (59 سنة) تعمل في وظائف متعددة في منطقة فينيكس الكبرى، حيث تعد القيادة وسيلتها الوحيدة للوصول إلى عملها في متجر كبير أو إلى نوبتها الليلية في شركة شحن.

وأثر ارتفاع أسعار البنزين بصورة كبيرة في موازنتها، ويبلغ سعر غالون البنزين الممتاز الذي تحتاج إليه سيارتها الآن نحو 5.50 دولار، وقالت إنه قبل الحرب الأميركية – الإسرائيلية مع إيران، كان سعره أقل من 4 دولارات. وخسرت شركة التنظيف التجارية التي أسستها مع بعض العملاء الذين اضطروا إلى تقليص نفقاتهم، وفعلت هي الشيء نفسه من خلال إيقاف المساهمات التلقائية في صندوق تقاعدها، وإلغاء مواعيدها الطبية، وتقليص مشترياتها من البقالة. وقالت “في نهاية الأسبوع، وبعد إضافة كلفة الوقود، لا يتبقى لي سوى 15 دولاراً تقريباً لشراء البقالة والأدوية. اضطررت لإلغاء مواعيد طبية قادمة لأنني لا أستطيع تحمل كلفة التأمين الصحي”.

لكنها تعمل على وضع خطة لجذب مزيد من العملاء لشركة التنظيف التي تديرها، وزيادة ساعات عملها في المتجر، وأضافت “لكنني أشعر الآن بضيق شديد، ولم يسبق لي أن شعرت بهذا من قبل”.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى