هل وصلت أزمة غلاء المعيشة في إيران إلى ذروتها؟

يحمل المتجر الصغير القريب من منزل جلال لافتة جديدة عُلقت على بابه كتب عليها “إسأل عن الأسعار قبل الشراء لأنها ترتفع باستمرار”.
ويقول جلال، وهو إيراني يبلغ من العمر 35 سنة فقد عمله أخيراً في مصنع صغير قرب طهران “هذا صحيح فعلاً، فالأسعار ترتفع كل ساعة”.
ويضيف لصحيفة “ذا تلغراف” أنه اشترى الثلاثاء الماضي عبوة صغيرة من الجبن بسعر 270 ألف تومان (1.12 دولار)، لكن سعر العبوة نفسها ارتفع في اليوم التالي إلى 370 ألف تومان (1.54 دولار).
ويشرح أن “صاحب المتجر يقول إنه في كثير من الأحيان لا يستطيع شراء السلعة نفسها بالسعر ذاته في اليوم التالي، لذلك يضطر إلى رفع الأسعار“.
ويبلغ متوسط الأجر اليومي في إيران نحو مليون تومان (4.2 دولار)، وفق أسعار الصرف المتراجعة الحالية، لكن الأسعار في مختلف أنحاء البلاد ترتفع بوتيرة متسارعة تجعل حتى أصحاب المتاجر عاجزين عن مواكبتها، فيما تقترب أسر عدة من حافة الأزمة المعيشية.
يتحمل الإيرانيون أزمتين
ويتحمل إيرانيون عاديون مثل جلال كلفة أزمتين لم يكونوا سبباً في نشوئهما، الأولى تتمثل في الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة في الخليج منذ الـ13 من أبريل (نيسان) الماضي والذي أدى إلى خنق صادرات النفط التي يعتمد عليها الاقتصاد الإيراني، وعطل أيضاً خطوط الإمداد التي تعتمد عليها المصانع والمستوردون في البلاد.
ومع إعادة السفن من الموانئ الإيرانية الجنوبية وتراجع حركة التجارة لمستويات محدودة للغاية، قفزت كلفة معظم السلع والخدمات، من الغذاء والوقود إلى الأدوية والنقل، ولا ينعكس أثر هذه الضغوط في المكاتب الحكومية بقدر ما يظهر في مطابخ الأسر والمصانع والمتاجر الصغيرة التي تكافح لمواكبة الزيادة المتسارعة في الأسعار.
أما الأزمة الثانية، فتتمثل في التضخم الذي خرج عن السيطرة، إذ يلتهم الأجور والمدخرات بوتيرة أسرع من قدرة الأسر على التكيف معه.
حزن الخبز
وأجرت صحيفة “ذا تلغراف” مقابلات مع عدد من الإيرانيين الذين وصفوا الأسعار بأنها أصبحت خارجة عن السيطرة، فيما باتت شريحة واسعة من السكان تجد صعوبة أكبر في الحصول على السلع الأساسية.
ويقول جلال إنه فقد وظيفته بعدما نفدت السيولة المالية من المصنع الذي كان يعمل فيه، وأضاف “كانت الشركة تتكبد خسائر، ولم تعُد قادرة على شراء المواد الخام، لذلك فصلت 26 عاملاً، كنت أحدهم”، وتطارده أسعار البقالة أقل مما تطارده مخاوفه على ابنته ذات الأربع سنوات.
ويوضح جلال أن “الناس يعيشون حزن الخبز”، مستخدماً تعبيراً فارسياً عن القلق من تأمين الغذاء والحاجات الأساسية”، مضيفاً “أشعر بالحرج أمامها. لا أستطيع أن أشتري لها شيئاً سوى الطعام، إن استطعت”.
ويتابع “حين أغادر صباحاً للوقوف عند أحد التقاطعات بحثاً عن عمل يومي، تسألني ’هل يمكنني الحصول على تلك اللعبة؟ هل يمكنني شراء هذه اللعبة؟‘ لكنني لا أستطيع أن أشتري لها شيئاً، وإذا حصلت على عمل، أعود لها بتفاحة أو شيء بسيط. وأحياناً أعود متأخراً جداً لتكون قد نامت بالفعل ولا تراني”.
وتتطابق رواية جلال مع أرقام رسمية أثارت القلق حتى داخل الأوساط الاقتصادية الإيرانية، إذ بلغ معدل التضخم السنوي 57.7 في المئة في الشهر المنتهي أواخر مايو (أيار) الماضي، مسجلاً الشهر الثالث على التوالي الذي يحطم فيه أرقاماً قياسية تمتد لـ80 عاماً، مرتفعاً بنحو أربع نقاط مئوية عن الشهر السابق، وفقاً للمركز الإحصائي الإيراني.
التضخم يقترب من 84 في المئة
لكن العبء الأكبر يتركز في السلع اليومية، إذ تشير تقديرات إلى أن التضخم الفعلي الذي تشعر به الأسر يقترب من 84 في المئة، وارتفعت أسعار الغذاء نحو 130 في المئة خلال 12 شهراً، أي ما يقارب ضعف المعدل العام.
وفي هذا الإطار، قفزت أسعار السلع الأساسية على المائدة الإيرانية بصورة حادة، فالرز ارتفع 223 في المئة والدجاج 287 في المئة والبيض 343 في المئة وزيت الطبخ السائل 354 في المئة وزيت الطبخ الصلب 431 في المئة.
أما البطاطا، فارتفع سعرها أقل من 20 في المئة، مما يعكس التفاوت الكبير في آثار الأزمة حتى داخل سلة مشتريات واحدة.
نفاد السيولة
ويقول إحسان، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 32 سنة ويعمل ضمن مشروع صغير في أصفهان، إنه يتقاضى 30 مليون تومان (125 دولاراً) شهرياً، مضيفاً أن “الراتب لا يكفي لأسبوع واحد”، ويتابع “أتقاضى أجري في أول سبت من كل شهر، وبحلول الأربعاء يكون انتهى كله، يذهب للإيجار والطعام ومواصلات العمل وتسديد الديون التي اقترضتها من الأقارب خلال الشهر، وما زلت غارقاً في الديون، أعيش يوماً بيوم وحسب”.
ومع نفاد السيولة، يلجأ إلى أقاربه طلباً للمساعدة الذين غالباً ما يكونون غير قادرين هم أيضاً على الإقراض،
ويقول “نحن نقترض من بعضنا بعضاً للبقاء على قيد الحياة، حتى صاحب المتجر في شارعنا يطالبني بالمال لأنني اشتريت ولم أدفع. لم تكُن الأمور هكذا حتى خلال الحرب، لكنها الآن تزداد سوءاً كل يوم”.
ولا تتوزع الضغوط بالتساوي، إذ تجاوز التضخم في المناطق الريفية 100 في المئة، أي أعلى بأكثر من 20 نقطة مئوية من المدن، أما بالنسبة إلى أدنى فئتين من الدخل، فارتفعت الأسعار أكثر من 95 في المئة خلال العام، مقابل نحو 82 في المئة للأغنياء.
وشهدت المحافظات الغربية، بما في ذلك لورستان وكردستان وكردستان الغربية (كرمانشاه) وإيلام، زيادات حادة في الأسعار تجاوزت في بعض المناطق الضعف.
في المقابل، سجلت طهران بمعدل يقارب 69 في المئة أدنى معدل تضخم في البلاد، مما يعكس اتساع الفجوة بين العاصمة وبقية المناطق، ويشير إلى تعمق الانقسام الاقتصادي داخل إيران.
26 مليون إيراني يعيشون في فقر مدقع
وحتى قبل الحرب، قدّر مركز الأبحاث في البرلمان الإيراني أن نحو 26 مليون شخص، أي ما يقارب 30 في المئة من السكان، يعيشون في فقر مدقع.
ويرى عدد من الاقتصاديين أن جذور الأزمة تعود للحرب من جهة، ولقرار حكومي اتخذ قبلها من جهة أخرى.
فخلال فصل الشتاء، ألغت السلطات سعر الصرف المدعوم البالغ 28500 تومان للدولار، واستبدلته بأسعار تتجاوز 110000 تومان للدولار، مما قُدم باعتباره خطوة نحو “تحرير” سعر الصرف، لكنه أدى إلى ارتفاع كبير في كلفة الإنتاج.
لكن المحلل الاقتصادي في طهران مرتضى أفغه حذر من أن الأثر الاقتصادي الحقيقي للحرب لم يظهر بعد لأن الحكومة كانت خزّنت السلع مسبقاً، قائلاً “ما شهدناه حتى الآن هو في الغالب آثار متوقعة للحرب، وليس آثارها الحقيقية”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضاف “لكن إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق واستمر الحصار البحري واستمرت حال اللاحرب واللاسلم، فإن التداعيات الاقتصادية ستتضح تدريجاً”، محذراً من مزيد من تراجع العملة وارتفاع التضخم وتفاقم البطالة “بوتيرة أشد”.
ويشير الحصار الذي يتحدث عنه إلى الإجراءات التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إذ تعمل القوات البحرية الأميركية على تقييد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز والموانئ الجنوبية الإيرانية.
وتكشف هذه الضغوط عن نمط ممتد من الضغط الغربي على طهران خلال العقود الماضية، حيث تطاول العقوبات والحصارات الحكومة في المقام الأول، لكنها تنعكس بشدة على حياة المواطنين العاديين.
ولكن يستطيع المسؤولون والشركات ذات النفوذ السياسي ممن يتمتعون بإمكان الوصول إلى الائتمان التفضيلي الصمود أمام العاصفة الاقتصادية، أما العامل في المصنع والأب الذي يحاول تدبير الحصص التموينية لأسرته، فهما من يدفعان الثمن الحقيقي.
ارتفاع قياسي في أسعار السلع الاساسية
يقول آرش (29 سنة)، وهو أب لطفل ويعيش في مدينة صغيرة خارج طهران إنه وجد وصفاً لما يحدث في بلاده.
ويضيف “أتقاضى 1.2 مليون تومان (خمسة دولارات) يومياً، لكن نفقاتي تتجاوز مليوني تومان (8.3 دولار)”،
ويتابع أن “كل شيء أصبح باهظاً جداً، وهناك إشاعات بأنه سيصبح أكثر غلاء، الأمر يشبه المجاعة، لكن الفرق أن السلع موجودة في المتاجر، والمشكلة أن المال هو الغائب، إنها مجاعة من المال”.
ويستحضر من ذاكرته أسعار السلع التي ارتفعت بصورة حادة، إذ قفز سعر رغيف خبز “بارباري” من 3000 تومان (1.25 سنت من الدولار) قبل أشهر إلى 8000 تومان (3.3 سنت من الدولار) حالياً، وزاد سعر كيلو المشمش من 150000 إلى 500000 تومان (70 سنتاً-2.1 دولار)، بينما يُباع كيلو اللحم الأحمر بنحو 2.5 مليون تومان (10.4 دولار).
ويقول “الناس قلقون جداً، ويأملون في أن يتم التوصل إلى اتفاق يحسن حياتنا”، لافتاً إلى أنه لاحظ تغييراً آخر منذ توقف القتال، يتمثل في زيادة عدد نقاط التفتيش في الشوارع وظهور مزيد من النساء من دون الحجاب الإلزامي من دون أن يتعرضن لمضايقات.
وتعيد هذه الأزمة تشكيل الإيقاع اليومي للحياة في تفاصيلها الصغيرة، وتروي سيما، وهي خريجة علوم حاسوب تبلغ من العمر 27 سنة وتعيش في طهران، أنها وأصدقاءها تخلوا عن المقاهي التي كانت تشكل جزءاً أساساً من روتينهم الأسبوعي.
وتضيف أن “كل زيارة كانت تكلفنا ملايين التومانات، وواحدة منا تعمل فقط، الآن نذهب إلى الحدائق أو نبحث عن أماكن أقل كلفة، وأحياناً نمزح ونقول إنه يجب أن نتزوج وحسب”.
ثم تضحك، قبل أن تضيف “الأمر صعب، ولا نعرف متى ستتحسن الأوضاع، لذلك نحن فقط نراقب ما يحدث. هذا كل ما يمكننا فعله”.
وتشير إلى أنها باعت سيارتها العام الماضي، لكنها ندمت على ذلك، إذ إن الطراز نفسه أصبح الآن يساوي أربعة أضعاف السعر الذي حصلت عليه، وتردف “كان يمكن أن يكون استثماراً جيداً”.
وفي الوقت الراهن، تبقى الحقيقة الوحيدة المؤكدة هي اللافتة المعلقة على باب المتجر، وما تفرضه من حساب يومي على ملايين الناس، ماذا يشترون اليوم، وماذا يؤجلون إلى الغد، حين سيكون أغلى على الأرجح.



