الدينار الليبي بين ضغوط الإنفاق والسوق السوداء… إلى أين يتجه سعر الصرف؟

يشهد الدينار الليبي انخفاضاً حاداً في قيمته، وتعود أسباب انحدار العملة للوضع الاقتصادي في البلاد، ولم تنجح سياسة المصرف المركزي الليبي في الضغط على تراجع العملة الوطنية بمحاصرة السوق السوداء، أحد أهم الأسباب.
وبقي الدينار الليبي سجين ضغوط السوق الموازية والمصاعب الاقتصادية وغياب موازنة وطنية موحدة، إذ جرى تداول الدولار أحياناً بأكثر من تسعة دنانير في السوق الموازية، ويجري تداوله حالياً بـ6.37 دينار مقابل الدولار الأميركي في البنوك، و8.37 دينار في السوق السوداء.
وكان المصرف المركزي الليبي عمد إلى خفض جديد في قيمة العملة الوطنية في يناير (كانون الثاني) الماضي بنسبة 14.7 في المئة، ليصل الانخفاض التراكمي إلى نحو 28 في المئة خلال عام واحد، ويصبح سعر صرفه نحو 6.37 دينار للدولار، وسط انتقادات محللين اعتبروا الخفض غير مدروس، مشيرين إلى انعكاساته المباشرة العكسية.
ورأى عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا ووكيل وزارة المالية السابق مراجع غيث أن الانقسام السياسي بوجود حكومتين وتنامي النفقات غير المحدودة أديا إلى أسعار الصرف الحالية.
الحلقة المفرغة
وقال خلال تحليله لـ”اندبندنت عربية” إن “الحكومة الليبية سعت دائماً إلى خفض سعر صرف الدينار مقابل الدولار للحصول على عائدات أكبر من موارد النفط، إذ تعتمد الحكومة الليبية على النفط بنسبة 99 في المئة من إيراداتها. وكلما زادت نفقاتها تحتاج إلى مزيد من العملة المحلية، فتعمد إلى الضغط على المركزي للحصول على كميات أكبر من الدينار الليبي، أما موردها الرئيس فهو بيع الدولار المتأتي من مبيعات النفط إلى البنك المركزي. لذلك تضغط لرفع السعر الرسمي للدولار بهدف الحصول على ’دينارات أوفر‘، أو بفرض ضرائب لكي تتوافر لديها الأموال اللازمة لنفقاتها، مما أدى إلى هذه الحلقة المغلقة، فكلما ارتفعت النفقات زاد سعر الدولار مقابل الدينار، بالتالي زيادة أسعار السلع في السوق الليبية”.
وانتقد غيث سياسة المصرف المركزي، معتبراً أن محاولاته محاصرة السوق السوداء غير مجدية، “فهو يحاول جاهداً خفض سعر الصرف للدينار مستهدفاً السوق السوداء، سعياً إلى الاقتراب من أسعارها وقطع الطريق أمامها وجذب روادها إلى القطاع المالي المنظم، لكن تم الاصطدام بنتائج عكسية، وزاد سعر الدولار في السوق السوداء ووصل تداوله إلى 11 ديناراً خلال فترات سابقة”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بينما يظل السعر الرسمي هو المحوري في التعاملات الرسمية مثل التوريد، فالركض للاقتراب من أسعار السوق السوداء بهدف القضاء عليها أدى إلى ضرب القدرة الشرائية للمواطنين، وبحكم انفتاح ليبيا على العالم واستيرادها للسلع، ضرب دخل المواطن في المقتل، وأدى انخفاض سعر الدينار إلى ارتفاع كلفة الواردات وزيادة الأسعار على خلفية استيراد ليبيا لأكثر من 90 في المئة من حاجاتها.
وكل خفض في سعر العملة الليبية يعني رفع أسعار السلع في السوق التي لن تتراجع حتى في حال انخفاض سعر الدولار، وقيام المصرف المركزي بتوجيه جهده للسيطرة على السوق السوداء غير مجدٍ، لأنها سوق تدور بأيدي رواد الاقتصاد غير الرسمي الموازي والمتعاملين في اقتصاد الظل من المضاربين والمهربين والمتاجرين بالمخدرات والبشر، ولا تستطيع مؤسسة الإصدار تقدير حاجاتهم.
و”كان الاهتمام الزائد بالسوق السوداء والمحاولات للضغط على سعر السوق السوداء على حساب قيمة الدينار الليبي، فالسوق السوداء وجبت محاربتها لا تغذيتها”، وفق غيث.
تغذية السوق السوداء
ويضيف عضو مجلس الإدارة السابق أن “المصرف المركزي، عن غير قصد، يسهم في تغذية هذه السوق عن طريق توفير الدولار للمواطن من دون رقابة على كيفية استخدامه”.
وقد ثبت بيع المواطنين للعملات في السوق السوداء، ومن السهل الحصول على الدولار في الشارع في ليبيا، مقابل صعوبة ذلك في دول مجاورة مثل تونس ومصر، وعلى رغم تجريم حيازة الدولار خارج الأطر الرسمية في ليبيا، تتفاقم الظاهرة بسبب توافره.
علاوة على تنامي الإنفاق الحكومي في غياب محاولات الحوكمة، يستحوذ دعم المحروقات على 30 في المئة من موازنة الدعم، وتبلغ الموازنة 9 مليارات دولار، منها 3 مليارات دولار فاتورة المحروقات، في حين تبلغ كميات الوقود المهرب 30 في المئة من مجموع الكميات في الأقل، مما يساوي تهريب 30 في المئة من الدعم الموجه للمحروقات في شكل وقود.
ويشير غيث إلى عوامل إضافية أدت إلى إغراق العملة المحلية، وأهمها ارتفاع مستوى الواردات بالنظر إلى حجم الاستهلاك الداخلي، ويضيف أن “نسق الاستيراد والكميات الموردة من المواد الاستهلاكية يتجاوزان متطلبات السوق الليبية الداخلية، وأثبتت دراسة لمنظمة ’ويتناس غلوب‘ أن كميات المواد الأساسية الموردة تفوق حاجات السوق الليبية وتُهرَّب إلى الخارج، وهو تهريب للعملات بصورة غير مباشرة، كذلك أضحى انخفاض أسعار الوقود في ليبيا أحد أهم أسباب تهريبه إلى الدول المجاورة مثل مصر وإيطاليا والنيجر والسودان وتونس، على خلفية استمرار بيعه بـاثنين وثلاثة سنتات للتر، على رغم الكلفة المرتفعة لاقتنائه ودعمه، بحكم أن ليبيا تستورد معظم استهلاكها من الوقود بسبب محدودية قدرات التكرير لديها، وأدى هذا التبذير والإهدار إلى الوضع الراهن للعملة الوطنية”.
وأشار المدير العام السابق للسياسة النقدية في البنك المركزي التونسي محمد صالح سويلم إلى فشل اعتماد خفض سعر العملات الوطنية في مسعى للضغط على السوق السوداء في كثير من التجارب.
ويواجه ميزان المدفوعات عدداً من المصاعب نتيجة هذه التقنية التي تؤدي إلى الرفع في فاتورة الواردات، إذ يقدم المثال الليبي برهاناً على تغذية خفض العملة للتضخم بصورة مباشرة، ويصبح رفع سعر الدولار للاستجابة للنفقات هو نفسه أحد عوامل إنهاك ميزان المدفوعات.
بالتالي فإن سياسة الخفض ركضاً وراء السوق من شأنها خلق اختلالات عدة في الموازنة، علاوة على انفلات التضخم، وتشير في نهاية المطاف إلى سوء استعمال الموارد المالية المتاحة، مما يمثل إهداراً للثروات.



