هل يقترب الاقتصاد الإيراني من نقطة الانهيار؟

أزمات جديدة تلاحق الاقتصاد الإيراني، فمن المتوقع أن تؤدي استقالة وزير النفط محسن باك نجاد إلى تعميق الاضطرابات الهيكلية في الاقتصاد، وسط ضغوط معيشية حادة وتراجع قياسي لقيمة العملة المحلية.
وهناك أربعة تداعيات اقتصادية مباشرة لهذه الاستقالة، أولها انهيار الإيرادات، إذ تفاقم تراجع عائدات تصدير النفط نتيجة الحصار والضغوط الأميركية، وثانياً تفاقم ضغوط التضخم، فمن المرجح استمرار تصاعد معدلاته التي تجاوزت المستويات القياسية السابقة.
وثالثاً، هناك تراجع العملة، إذ من المتوقع أن تشهد السوق مزيداً من الضغط على سعر صرف الريال الإيراني مقابل العملات الأجنبية. وأخيراً، من المرجح أن تتوسع أزمات شح الطاقة المحلية في ظل تفاقم أزمات نقص الوقود وإنتاج البنزين محلياً.
صعوبات متزايدة في توفير الموارد والخدمات
في تصريحات حديثة، قالت المحللة السياسية تمارا حداد إن استقالة وزير النفط الإيراني تأتي في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة تواجهها إيران، بالتزامن مع استمرار التوترات المرتبطة بمضيق هرمز. وأوضحت أن التطورات الأخيرة تعكس عمق الأزمة الاقتصادية الداخلية، مشيرة إلى أن الحكومة الإيرانية تواجه صعوبات متزايدة في توفير الموارد والخدمات الأساسية وطمأنة المواطنين في شأن قدرة الاقتصاد على تجاوز المرحلة الراهنة، ولفتت إلى أن استقالة وزير النفط في هذا التوقيت تُعد رسالة احتجاج على الخلافات الداخلية المرتبطة بالشؤون الاقتصادية، ولا سيما تأثر الاقتصاد بدرجة كبيرة بنفوذ الحرس الثوري والجهات الأمنية ومراكز القوى داخل النظام.
وأكدت حداد أن وزير النفط يمتلك هامشاً محدوداً من الاستقلالية في ظل سيطرة مراكز قوى أخرى على جانب مهم من الموارد والقرارات الاقتصادية، مما يحد من قدرته على الاستجابة للضغوط الشعبية أو تقديم حلول سريعة لأزمة نقص الموارد والضغوط المالية.
وقالت إن الأزمة الاقتصادية الداخلية والتطورات والضغوط البحرية في مضيق هرمز لا يقتصر تأثيرها في الاقتصاد الإيراني، بل يمتد أيضاً إلى الدول والشركات التي تتعامل مع طهران أو تعتمد على صادراتها النفطية والغازية.
ورجحت أن تستخدم طهران ورقة مضيق هرمز في محاولة لتحسين شروط التفاوض مع الولايات المتحدة، في وقت يسعى كل طرف إلى اختبار قدرة الطرف الآخر على الصمود وتحمل الضغوط، لذلك تراهن الولايات المتحدة على استمرار الضغط الاقتصادي والبحري لإجبار إيران على تقديم تنازلات، بينما تراهن طهران على قدرتها على التأثير في حركة الملاحة والطاقة عبر مضيق هرمز، بما يجعل الأزمة الاقتصادية والملف البحري جزءاً من معركة تفاوضية أوسع بين الطرفين، مما يؤدي إلى تداعيات اقتصادية أوسع، ليس فقط على إيران، وإنما على الأسواق والدول الآسيوية المستوردة للطاقة، في ظل اعتماد الاقتصاد العالمي على استقرار حركة السفن عبر مضيق هرمز.
وفي تعليقه، قال نائب رئيس مكتب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لشؤون الاتصالات مهدي طباطبائي إن باك نجاد استقال لأسباب شخصية قائمة منذ فترة طويلة، مضيفاً أن الرئيس قبل استقالة نجاد بعد إصراره. وقبل إعلان استقالته، نقلت وسائل الإعلام الرسمية عنه قوله “لا تزال عائدات النفط الذي بعناه مستمرة، وستستمر بإذن الله”.
اتجاه إجباري لخفض النفقات الإضافية
وفي سياق الأزمات التي تطارد الاقتصاد الإيراني، حذرت وسائل إعلام محلية من ارتفاع عجز الموازنة بما لا يقل عن 500 تريليون تومان (2.17 مليار دولار)، مشيرة إلى انخفاض الإيرادات النفطية وتراجع الصادرات والواردات، وصعوبة إعادة عائدات الصادرات من العملات الأجنبية.
وبالتزامن مع دخول النصف الثاني من العام الإيراني الحالي الذي ينتهي في مارس (آذار) 2027، حذرت صحيفة “اطلاعات” الإيرانية من ارتفاع عجز الموازنة بما لا يقل عن 500 تريليون تومان (2.17 مليار دولار)، لافتة إلى انخفاض الإيرادات النفطية وتراجع الصادرات والواردات، وصعوبة إعادة عائدات الصادرات من العملات الأجنبية، وتأخر الإيرادات الضريبية عن المستويات المستهدفة، وأكدت الصحيفة أن الحكومة ستضطر إلى خفض النفقات الإضافية من أجل تجاوز الأشهر المقبلة.
ومع بدء النصف الثاني من العام الإيراني الحالي، تزايدت المخاوف في شأن تفاقم عجز الموازنة وتداعيات العقوبات الدولية على الاقتصاد، فحذرت صحيفة “اطلاعات” خلال تقرير تناولت فيه أوضاع الإيرادات النفطية والصادرات غير النفطية والإيرادات الضريبية ومؤشرات الركود، من ازدياد صعوبة الأوضاع الاقتصادية أمام الحكومة خلال الأشهر المقبلة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكتبت أن “من جهة، تراجعت الإيرادات النفطية إلى أقل من خُمس مستواها العام الماضي بسبب الحصار البحري، ومن جهة أخرى تواجه صادرات إيران غير النفطية إلى الأسواق المحيطة قيوداً على التخليص الجمركي في المنافذ البرية والسككية. كما أن النقل الجوي على الخطوط الدولية شبه متوقف، وإرسال الشحنات التصديرية إلى المطارات الدولية غير ممكن”.
أضافت الصحيفة، نقلاً عن بيانات الجمارك، أن حجم صادرات السلع خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي انخفض بنسبة 28.2 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما تراجعت الواردات بنسبة 26.1 في المئة. وأشارت إلى أنه بخلاف مشكلات مسارات النقل، هناك قيود مصرفية ناجمة عن العقوبات، وذكرت أن التعاملات المصرفية مع الدول المستوردة للسلع الإيرانية انخفضت بشدة، وأن إعادة عائدات الصادرات من العملات الأجنبية أصبحت أكثر صعوبة أمام التجار مقارنة بالعام الماضي.
وأوردت الصحيفة أن “تقرير منظمة التفتيش العامة للدولة حول وفاء المصدرين بالتزاماتهم من العملات الأجنبية يظهر أن حجم عائدات العملات الأجنبية الناتجة من الصادرات غير النفطية التي لم تعُد حتى الآن للدورة الرسمية للاقتصاد الوطني بلغ نحو 72.4 مليار يورو (81.812 مليار دولار) حتى نهاية يوليو (تموز) الماضي، من بينها ما لا يقل عن 4 مليارات يورو (4.52 مليار دولار) تتعلق بالتزامات من العملات الأجنبية لم يتم الوفاء بها خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي”.
انهيار الإيرادات وضغوط جديدة على الأسر
وتشير البيانات إلى أن صادرات النفط الخام الإيراني تراجعت إلى الصفر تقريباً خلال سبتمبر (أيلول) الماضي للمرة الأولى نتيجة الحصار البحري والضغوط الأميركية المكثفة. ويعود ذلك لتوقف التحميل، إذ لم تسجل أية عمليات تحميل للخام الإيراني من الموانئ خلال سبتمبر، إضافة إلى أن هناك نحو 15 إلى 38 مليون برميل لا تزال عالقة في البحر وتتكدس من دون تفريغ، مما تسبب في انخفاض الصادرات بنسبة تخطت 70 في المئة خلال الأشهر الأخيرة وصولاً إلى التوقف التام.
وفي سوق الصرف، تجاوز سعر الدولار حاجز 250 إلى 272 ألف تومان (أو ما يقارب 2.5 مليون ريال إيراني) في السوق الحرة تحت وطأة الأزمة. وهناك توقعات بانكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4 في المئة وارتفاع التضخم ليبلغ متوسط 68.9 في المئة خلال عام 2026، وكل ذلك يقود إلى تفاقم أزمة نقص السلع الحيوية والأدوية داخل السوق الإيرانية.
وسجل معدل التضخم في إيران مستوى قياسياً يقترب من 90 في المئة (نحو 89.8 في المئة خلال سبتمبر الماضي)، مدفوعاً بتداعيات الحرب والعقوبات المستمرة. وارتفعت أيضاً أزمة عجز الموازنة في إيران بصورة حادة أخيراً بزيادة تتجاوز 500 تريليون تومان (ما يعادل 2.17 مليار دولار)، وسط ضغوط اقتصادية غير مسبوقة.
ويعود تفاقم العجز لانهيار الإيرادات، إذ إن عائدات النفط تراجعت بنسب حادة بسبب الحصار البحري وتوقف الصادرات، إضافة إلى صعوبة إعادة عائدات الصادرات الأجنبية وانهيار قيمة الريال، مع استمرار تراجع حركة الصادرات والواردات بصورة عامة.



