عالمي

رفع سعر صرف الدولار يغلق أبواب الأسواق التجارية الكبرى في بغداد

جاهز للاستماع
جاهز للاستماع
جاهز للاستماع

قرار من مجلس الوزراء يحمل الرقم 544، الصادر في الجلسة المنعقدة بتاريخ السادس من شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 2026، غير معالم المراكز التجارية في العراق، فالأسواق بدت شبه خالية ومحال الصرافة أغلقت أبوابها أمام المواطنين رافضة بيع الدولار، القرار الحكومي تمحور حول تعديل سعر صرف الدولار في مقابل الدينار العراقي ليصبح 1500 دينار للدولار الواحد، وهو سعر الشراء من وزارة المالية، و1510 دنانير أسعار صرف البيع للمصارف، و1520 ديناراً للدولار الواحد سعر بيع المصارف والمؤسسات المالية غير المصرفية للمستفيد النهائي.

تحليلات اقتصادية وغضب شعبي وبرلماني يقابلها رد حكومي يدافع عن القرار، ويصفه بأنه إجراء وقائي أفضل من الذهاب المباشر نحو الهاوية.  ورأى بعضهم أن الحكومة لجأت إلى حيلة مالية، إذ بدلاً من خفض الرواتب غيرت سعر صرف الدينار أمام الدولار، وبذلك تكون القدرة الشرائية تراجعت بما يقارب 15 في المئة، ليكون المتأثرون الأوائل من ارتفاع سعر الدولار هم أصحاب الرواتب والدخول الثابتة، فالحكومة تبدو عاجزة عن توفير الرواتب التي ترتبط بتصدير النفط، والمرتبط بدوره بالمرور في مضيق هرمز، ولجأت بالتالي إلى استحصال الدينار العراقي عبر رفع سعر صرف الدولار لتغطية النفقات من دون النظر بعواقب القرار على القدرة الشرائية.

 

إعلان

 

عملية تحوطية

في بيان للبنك المركزي بعد ضجة تعديل سعر صرف الدولار، أشار إلى أن قرار تعديل سعر الصرف هو عملية تحوطية استثنائية لاستدامة احتياجات التمويل للموازنة، وأوضح في بيان أن شراء الدولار من السوق الموازية هدفه إدخال مواد من خارج الضوابط الجمركية.

وقال مدير إعلام البنك المركزي حيدر غازي في تصريحات متلفزة “الحكومة لجأت إلى البنك واستهلكت أجزاء غير هينة من الاحتياط النقدي عبر حسم الحوالات لتأمين رواتب أكثر من 9 ملايين موظف، وتثبيت سعر الصرف عند 1500 دينار جاء لمنع الذهاب المباشر نحو الهاوية”، مشيراً إلى أن الأرقام المطروحة وصلت إلى 1900 دينار، لكن البنك المركزي اختار الـ1500 دينار.

في السياق، أوضح المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح أن ما يتعرض له العراق من تداعيات بسبب آثار الحرب والاضطرابات التي قد تؤثر في حركة تصدير النفط عبر مضيق هرمز لها انعكاساتها على الإيرادات النفطية والموازنة العامة وتدفقات النقد الأجنبي التي تستوجب التعامل معها بمنهج احترازي ومدروس، مضيفاً “التدابير التي يجرى اتخاذها لا تعني وجود اختلال في الوضع الاقتصادي، وإنما تأتي في إطار التحوط المسبق وحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي، تحسباً لأي تطورات قد تؤثر في موارد الدولة من العملة الأجنبية، أو في قدرتها على تمويل التجارة الخارجية والإنفاق العام”.

ورأى صالح أن هذه الإجراءات لا تستهدف تغييراً مفاجئاً في سعر الصرف أو تحميل المجتمع كلفة الأزمة، “وإنما تستهدف التحوط وبناء هامش أمان مالي ونقدي يمكن الاقتصاد العراقي من التعامل مع الظروف الاستثنائية، مع استمرار العمل على توفير السلع والخدمات الأساسية والحفاظ على القوة الشرائية والاستقرار الداخلي”، ولفت إلى أن “السياسية المالية تمتلك أدوات تحمي المواطن وتحديداً الفئات الهشة، والموازنة العامة تمتلك أدوات مهمة لحماية الاستقرار الداخلي، من خلال استمرار الإنفاق على الغذاء والدواء والوقود والخدمات الأساسية، بما يجعل السياسة المالية خط حماية أمام انتقال آثار الصدمات الخارجية إلى المستوى المعيشي”.

اعتراضات داخل البرلمان

وقد ألغى مجلس النواب جدول أعماله المقرر لتتحول الجلسة لمناقشة ارتفاع سعر صرف الدولار وسط مطالبات برلمانية للتراجع عن هذا القرار، وشهدت الجلسة تلاسناً واتهامات للحكومة باتخاذها قرارات مصيرية من دون العودة لممثلي الشعب.

وقال النائب عزيز ناصر، في مؤتمر صحافي مشترك عقده مع عدد من النواب، “كان يفترض بالحكومة العراقية أن تطلع أعضاء مجلس النواب على المبررات المنطقية لتغيير سعر صرف الدولار، نحن نتحفظ على طريقة إدارة الدولة هذا الملف”، وطالب ناصر الحكومة بالاستمرار بمحاربة الفساد الذي أوصل العراق لهذا الوضع المالي الصعب على رغم الإمكانات المالية الكبيرة.

أما عضو اللجنة المالية النيابية النائب يوسف الكلابي فقال إن حكومة علي الزيدي استلمت وضعاً مالياً صعباً فحكومة مصطفى الكاظمي سلمت حكومة محمد الشياع السوداني فائضاً نقدياً، بينما حكومة الزيدي تسلمت من حكومة السوداني ديوناً مستحقة تزامناً مع الوضع الدولي المتعلق بصعوبة بيع النفط.

أما النائبة ووزيرة الاتصالات السابقة هيام الياسري فدعت المواطنين إلى الإضراب والاعتصام رفضاً للقرار، قائلة “صوتكم لن يسمعه أحد إلا بالقوة”.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حال من التذبذب

بالتزامن مع بدء تطبيق قرار تعديل سعر الصرف الرسمي، دخلت السوق الموازية حالاً من التذبذب وعدم الاستقرار مع إعادة تسعير العملة، إذ ارتفع  سعر الدولار في بورصتي الكفاح والحارثية إلى 168 ألفاً و500 دينار لكل 100 دولار، مقارنة بـ159 ألفاً و800 دينار، في وقت بلغ سعر البيع في محال الصيرفة 169 ألف دينار والشراء 168 ألفاً لكل 100 دولار. هذه التغيرات أدت إلى أن إغلاق عدد من محال الصيرفة أبوابها، بانتظار ما يطرأ من تغييرات على سعر الصرف.

ورأى خبراء اقتصاديون أن اختبار نجاح هذا القرار الحكومي يقاس في مدى انخفاض الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي خلال الأسابيع المقبلة، وقدرة المستورد الحقيقي على الحصول بسهولة على الدولار بالسعر الرسمي.

قرارات مهمة

واستغرب نائب نقيب الصرافين العراقيين وممثل شركات الصرافة في إقليم كردستان أحمد الجاف من اتخاذ قرارات مهمة بهذه السرعة، لافتاً إلى أن “تغيير سعر الصرف ليس قراراً مالياً بسيطاً، بل هو قرار يمس كل مفاصل الاقتصاد وحياة المواطن، لذلك يفترض أن يسبقه برنامج واضح ومتكامل”، وتخوف الجاف من احتمال اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي إذا بقي الطلب على الدولار خارج القنوات الرسمية، “خصوصاً مع وجود تجارة مع بعض الدول لا تغطيها القنوات الرسمية، إضافة إلى احتياجات مثل التحويلات الخاصة باليد العاملة الأجنبية والعلاج والدراسة”.

تداعيات القرار

وتابع الجاف “كانت هناك أدوات وإجراءات أخرى في السياسة المالية والنقدية كان من الممكن دراستها أو تجربتها قبل الوصول إلى خيار خفض قيمة الدينار”، واستعرض الجاف تجربة تغيير سعر الصرف خلال حكومة  مصطفى الكاظمي، داعياً إلى الاستفادة منها وشارحاً بعضاً من جوانبها قائلاً “تغيير سعر الصرف من نحو 1182 ديناراً إلى 1450 ديناراً للدولار الواحد، في ظل أزمة اقتصادية عالمية وأزمة مالية داخل العراق بسبب جائحة كورونا، لكن ذلك القرار سبقه نقاش واسع ودراسات وإجراءات واجتماعات مع خبراء اقتصاديين وماليين، وارتبط بما عرف حينها بـالورقة البيضاء”، واعتبر الجاف أن الإجراء الحكومي الحالي له تداعيات مباشرة على السوق والمواطن، “إذ سترتفع كلفة الاستيراد، وبالتالي أسعار السلع والمنتجات التي يعتمد عليها المواطن، وستشهد الرواتب انخفاضاً في قيمتها، وستنخفض بالتالي القوة الشرائية للمواطن نتيجة ارتفاع الأسعار مقارنة بالدخل”، وحذر من أن تداعيات هذا القرار ستصيب الأسواق بحال من الركود والانكماش “مما قد يدفع بعض المشاريع والشركات إلى تقليص أعمالها أو إغلاقها، فضلاً عن ارتفاع البطالة في القطاع الخاص، مما قد يدفع مزيد من المواطنين إلى البحث عن وظائف حكومية، مما يزيد مشكلة تضخم الجهاز الحكومي، وهي إحدى المشكلات التي تضغط على الموازنة إلى جانب الهدر والفساد”.

الحل الأكثر سهولة

ورأى نائب نقيب الصرافين العراقيين وممثل شركات الصرافة في إقليم كردستان أن على الحكومة أن تبدأ أولاً بإجراءات إصلاحية  قبل اللجوء إلى تغيير سعر الصرف، “منها مراجعة حجم الجهاز الحكومي، وتقليص المصروفات غير الضرورية، وتحسين جباية الضرائب والجمارك، ومكافحة التهرب والتسرب المالي، فضلاً عن تنويع مصادر الدخل، ومعالجة أسباب العجز والهدر عوضاً عن تحميل جزء كبير من كلفة الأزمة للمواطن من خلال تغيير سعر الصرف”، وشدد على ضرورة متابعة أموال الفساد والصفقات الكبيرة التي تسببت في خسارة مبالغ ضخمة من المال العام بصورة أكثر جدية .

ووصف الباحث في الاقتصاد زياد الهاشمي أن موازنة عام 2027 هي موازنة الرفاهية، “إذ حاولت الحكومة الحالية التوسع في الإنفاق على رغم تدهور الإيرادات، لذلك قدمت موازنة تركز بدرجة أكبر في البحث عن موارد مالية يتحملها المواطن لتمويل مستوى الإنفاق العالي، من دون الاهتمام بخفض حقيقي لحجم هذا الإنفاق وهيكله”.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى