عالمي

كيف تعجز دولة النفط والغاز عن إنارة بيوت الليبيين؟

“ردّوا الضي”، نداء توجه به شاب صيني الجنسية يقيم في ليبيا، لتتحول رسالته إلى ترند على مواقع التواصل الاجتماعي في تصوير لوقع أزمة الكهرباء على المواطنين والمقيمين، فيما طالب من جهته، مقيم مصري، الشركة العامة للكهرباء في ليبيا، بإيجاد “حل سريع لإشكالية الكهرباء التي تسببت في إيقاف مصدر رزقه”.

المواطنون الليبيون أكدوا أن الانقطاعات تمتد إلى ساعات طويلة قد تصل في بعض المناطق منها العاصمة طرابلس إلى 20 ساعة، فتقول الناشطة المدنية حنين الفايدي في تدوينة لها على موقع “فيسبوك”، إن “المواطن الليبي يضطر للخروج بالسيارة لشحن الهواتف النقالة بسبب غياب التيار الكهربائي”.

فيحاء بن حسين، التي تقطن طرابلس تؤكد أن ابنتها الرضيعة تعرضت لنزف قوي من الأنف مع ظهور طفح جلدي على جسمها بسبب حرارة الطقس العالية وغياب الكهرباء، في مفارقة تطرح تساؤلات حول مسببات الفجوة بين حجم الثروات التي يمتلكها بلد نفطي يصنف كصاحب أكبر احتياط نفطي في أفريقيا بنحو 48 مليار برميل، بينما يتجاوز إجمالي احتياط الغاز الطبيعي 53 تريليون قدم مكعبة، في حين تشير تقديرات وزارة النفط والغاز إلى أن الاحتياطات الإجمالية قد تصل إلى ما بين 177 و200 تريليون قدم مكعبة، وهو حجم يضع ليبيا في المرتبة الخامسة أفريقياً والـ 22 عالمياً، ما حول البلد المنقسم إلى مصدر رئيسي لإمدادات الغاز نحو أوروبا، في حين تتخذ البيوت الليبية من الشموع وسيلة للإنارة. 

عوامل متداخلة 

يرجع المتخصص بالشؤون الليبية، سعد الدينالي هذه الأزمة المتكررة منذ عام 2011، إلى عدة عوامل متداخلة منها الفنية وأخرى سياسية وأمنية، ويقول في حديث مع “اندبندنت عربية” إن المعضلة مرتبطة بتراكم المشكلات الفنية والإدارية والمالية منذ مدة طويلة، منوهاً أنه على رغم توافر ليبيا على احتياط نفط وغاز لم تواكب الطلب المتزايد على الكهرباء. 

ويرجع الدينالي ذلك إلى أمور فنية يختزلها في تقادم المعدات وغياب صيانة عدد من محطات التوليد الكهربائي التي خرجت عن الإنتاج منذ انهيار نظام الزعيم الراحل معمر القذافي عام 2011 وما رافقه من أعمال تخريب واشتباكات أمنية أدت إلى تدمير عدد من المحطات. 

ويقول إن الشركة العامة للكهرباء لم تواكب زيادة النمو السكاني (7 ملايين نسمة) الذي رافقه ارتفاع في وجود الأجانب، يُقدّر بنحو 2.5 إلى 3 ملايين شخص وفقاً للتقديرات الرسمية لوزارة داخلية حكومة الوحدة الوطنية، وما يستدعيه من ارتفاع في استهلاك الكهرباء والطلب المتزايد على المكيفات ما تسبب في خلل بين العرض والطلب على الكهرباء.

إدارياً، يرى المتخصص بالشؤون الليبية أن غياب استراتيجية تخطيط طويل الأجل، إضافة إلى استفحال البيروقراطية الإدارية وتأخر تنفيذ المشاريع بسبب الانقسام السياسي الذي ألقى بظلاله هو الآخر على مستوى التمويل لأعمال الصيانة المستمرة للشبكة، مشدداً على أن توفير الكهرباء يتطلب استقراراً مؤسساتياً مثله مثل غيره من المجالات، فكل المشكلات السياسية والأمنية كانت لها أضرار سلبية على شبكة الكهرباء المتهالكة أساساً.

عبء اقتصادي 

الحقوقية مونا توكا، تؤكد أن أزمة الكهرباء في ليبيا أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن بشكل يومي، فالكلفة الحقيقية للأزمة تتجاوز ساعات الانقطاع وتمتد إلى كل تفاصيل الحياة الاقتصادية للأسر الليبية.

وترى أن الخسارة تبدأ من داخل المنزل، إذ يؤدي تذبذب التيار والانقطاعات المتكررة للكهرباء إلى تلف الأجهزة الكهربائية فتتحول الثلاجة أو المكيف أو الغسالة إلى نفقات طارئة تستنزف موازنة الأسرة الليبية، ومع ارتفاع أسعار الأجهزة وقطع الغيار يصبح إصلاح الأعطال أو استبدال الأجهزة عبئاً مالياً متكرراً يقتطع جزءاً من الدخل المخصص للحاجات الأساسية، وفق قولها. 

وتضيف أن آثار الأزمة تنتقل إلى الأسواق عبر ارتفاع كلفة النشاط التجاري فالتاجر يتحمل خسائر في المواد الغذائية التي تحتاج إلى التبريد، إضافة إلى تكلفة الوقود وتشغيل المولدات، ما يعكس هذه النفقات الإضافية على ارتفاع أسعار السلع التي يتحملها المواطن الليبي سواء في الغذاء أو الدواء وغيرها من الحاجات اليومية، على رغم أن دخله لم يشهد زيادة تقابل هذا الارتفاع، إذ يراوح متوسط المرتبات الشهرية ما بين 160 و275 دولاراً.

وتتابع أن الأزمة تفرض أيضاً نمطاً جديداً من الإنفاق على الأسر يشمل شراء المولدات الكهربائية والوقود والزيوت اللازمة لتشغيلها ووسائل حماية الأجهزة من تذبذب التيار إضافة إلى كلفة الصيانة المستمرة، بجانب مصاريف تصفها الحقوقية الليبية بالبند الثابت في موازنة الأسرة على حساب الإنفاق على التعليم أو الصحة أو تحسين مستوى المعيشة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتقول توكا، إن هذه الحلقة تقود إلى تراجع القوة الشرائية للمواطن لأن الدخل يتآكل بالتدرج تحت تأثير نفقات متزايدة لا ترتبط بتحسين جودة الحياة وإنما بالحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار داخل المنزل.

وتواصل حديثها “إذا ما تكلمنا عن حق المواطن في الكهرباء الذي يرتبط بشكل وثيق بالحق في مستوى معيشي لائق، فعندما تؤدي أزمة الكهرباء إلى استنزاف دخل الأسر وارتفاع أسعار السلع وإتلاف الممتلكات فإن آثارها تمتد إلى الأمن الاقتصادي للأسر الليبية وتؤثر في قدرتها على توفير حاجتها الأساسية والعيش بكرامة، لأن الكهرباء ليست رفاهية إنما حق أساس للمواطن في دولة النفط والغاز”.

فساد وإهمال

ووصف رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة الشركة العامة للكهرباء بـ”الفاشلة”، على خلفية تواصل أزمة انقطاع التيار الكهربائي والإظلام التام الذي شهدته أغلب مناطق البلاد، مشدداً على أنه سيلجأ إلى اتخاذ إجراءات “حازمة” وفتح تحقيق مع رئيس الشركة محمد المشاي، قائلاً إن الإنتاج انخفض لتعود بذلك ليبيا إلى المربع الأول من الانقطاعات بعد أن شهدت الشبكة استقراراً. 

الشركة العامة للكهرباء أكدت أنها بصدد تطوير وتحديث محطات التحويل وتعزيز استقرار الشبكة الكهربائية في مختلف مناطق البلاد في إطار خطتها الاستراتيجية لتطوير وتحديث محطات التحويل وتعزيز استقرار الشبكة في مختلف مناطق البلاد، إذ جرى العمل على استكمال أعمال الصب الخرساني لقاعدة المحول، خطتها ضمن المرحلة الأولى بمشروع محطة كهرباء قصر بن غشير بطرابلس بإشراف ومتابعة الإدارة العامة لمشروعات النقل، والتي ستدعم الشبكة بالمنطقة للحفاظ على استقرارها وضمان استمراريتها بالكفاءة المطلوبة، وفق ما جاء على الموقع الرسمي للشركة.

وعزت الشركة العامة للكهرباء الانقطاعات إلى عوامل أمنية أدت إلى تضرر محطات التوليد على غرار ما حدث بوحدة الزاوية بسبب الاشتباكات التي أدت إلى فقدان 700 ميغاواط من القدرة الإنتاجية ومغادرة مهندسين أجانب، مؤكدة أن مسؤولية تأمينهم تقع على عاتق حكومة الدبيبة. 

وفي رده على اتهامات الدبيبة للشركة، قال رئيس مجلس إدارة الشركة العامة للكهرباء، محمد المشاي إن انقطاع التيار الكهربائي لا يدخل ضمن مسؤوليته، منوهاً أن الشركة حذرت رئيس الحكومة والنائب العام رسمياً منذ الرابع من يونيو (حزيران) الماضي من الانهيار الكامل للشبكة.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى