عالمي

العودة إلى أوروبا… شعار انتخابي أم ضرورة اقتصادية في بريطانيا؟

أعادت أزمة حكومة حزب العمال برئاسة كير ستارمر الجدل الواسع في بريطانيا في شأن الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، في وقت يشعر فيه البريطانيون بأضرار الخروج.

وزادت وتيرة الجدل مع تصريح وزير الصحة المستقيل من حكومة ستارمر، ويس ستريتنغ، مطالباً باعتماد بريطانيا “علاقة خاصة جديدة مع الاتحاد الأوروبي، لأن مستقبل بريطانيا هو مع أوروبا، وأن نعود يوماً ما إلى عضوية الاتحاد الأوروبي”.

وعلى الفور توالت التعليقات والتحليلات التي اعتبرت دعوة ستريتنغ للعودة إلى الاتحاد الأوروبي شعاراً انتخابياً، إذ يستعد للمشاركة في تحدي ستارمر على زعامة حزب العمال ورئاسة الوزراء.

منذ الهزيمة الساحقة للحزب الحاكم في الانتخابات المحلية بإنجلترا وانتخابات البرلمان في ويلز واسكتلندا في السابع من مايو (أيار) الجاري، يطالب نواب الحزب ستارمر بالاستقالة، باعتباره مسؤولاً عن تلك الهزيمة، وشهدت الحكومة استقالات عدة، كان أبرزها استقالة ستريتنغ.

تخلى أحد نواب الحزب في دائرة بمانشستر الكبرى عن مقعده لإطلاق انتخابات طارئة يترشح فيها عمدة مانشستر آندي برنهام، الذي يدعمه نواب “العمال” في البرلمان ليحل محل ستارمر في زعامة الحزب ورئاسة الحكومة.

وكي لا يخسر برنهام الناخبين المؤيدين لـ”بريكست” في الدائرة التي ستجرى فيها الانتخابات الشهر المقبل، رد على تصريح ستريتنغ بأنه لن يجعل قضية “بريكست” أولوية له إذا وصل إلى رئاسة الحكومة.

هو بذلك يبعث برسالة طمأنة للجميع باستمرار الحزب الحاكم على موقفه من القضية، وأيضاً لتفادي استفادة حزب “ريفورم” برئاسة نايجل فاراج من شعار العودة إلى أوروبا لاستمالة الناخبين في الشمال المؤيدين لـ”بريكست“.

اتفاق “بريكست” والتجارة

كل هذا الجدل من منافسي كير ستارمر المحتملين قد يعقد جهود رئيس الوزراء، الذي يعمل جاهداً على “إعادة ضبط” اتفاق الخروج مع أوروبا لتقليل الأضرار على الأعمال والاقتصاد البريطاني.

ومن المتوقع عقد قمة الشهر المقبل بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي لبحث تعديل اتفاق “بريكست”، الذي خرجت بموجبه بريطانيا من الاتحاد رسمياً عام 2020.

لكن حزب العمال بقيادة ستارمر ملتزم ما أعلنه في بيانه الانتخابي قبل فوزه بالانتخابات العامة وتشكيل الحكومة عام 2024، ومن تلك الالتزامات عدم العودة للانضمام إلى الاتحاد الجمركي أو السوق الأوروبية المشتركة، لأن ذلك سيعني حرمان بريطانيا من “الحرية التجارية” التي تمكنها من عقد اتفاقات تجارية مع الشركاء من دون القيود التي تفرضها قواعد الاتحاد الأوروبي.

ومع أن الحكومة البريطانية أبرمت اتفاقيات تجارية عدة بعد “بريكست” مع عدد من شركائها، مثل كندا ونيوزيلندا وغيرها، فإنها لم تعوض الخسائر الناتجة من “بريكست”، إذ تظل أوروبا الشريك التجاري الأكبر لبريطانيا بنسبة تزيد على 40 في المئة من صادراتها.

وكان هدف بريطانيا من التحرر من القيود الأوروبية هو إبرام اتفاق تجاري مع الشريك الأميركي، إذ تعد الولايات المتحدة أكبر شريك تجاري لبريطانيا بعد الاتحاد الأوروبي، بنسبة نحو 20 في المئة من تجارتها الخارجية.

لكن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجعل ذلك مستحيلاً بسبب سياساتها التجارية مع جميع الشركاء حول العالم، بما فيهم بريطانيا.

وعلى رغم أن ستارمر وقع اتفاقاً جزئياً مع واشنطن في شأن بعض الصادرات، فإن ذلك لم يحقق ما كان مرجواً من تعزيز التجارة مع أميركا على حساب التجارة مع أوروبا.

وتسعى حكومة ستارمر إلى توقيع اتفاق مبدئي على اتفاق تجارة حرة مع دول مجلس التعاون الخليجي بعد مفاوضات استمرت عامين.

وحسب ما ذكره تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز”، فمن المتوقع أن يتم ذلك الأسبوع المقبل، في محاولة من جانب الحكومة لإبراز فوائد “بريكست” بالنسبة إلى اتفاقات التجارة مع الشركاء بعيداً من القيود الأوروبية. لكن الصحيفة ذكرت في تحليل لها أنه حتى لو كانت بريطانيا ترغب في تعديل العلاقة مع أوروبا، فإن الاتحاد الأوروبي قد لا يكون متحمساً لذلك من دون تنازلات بريطانية كبيرة.

ومع أن اتفاق “بريكست” يضمن أن تنظر بروكسل في أي طلب مستقبلي من لندن للعودة إلى الانضمام للاتحاد، فإن ذلك البند صيغ بطريقة تجعل الموافقة مشروطة بإجماع جميع أعضاء الاتحاد.

أضرار وخسائر

كل تلك “الفوائد” التجارية لا تعوض ما يشعر به المواطن البريطاني من أضرار وخسائر نتيجة “بريكست”، حتى أولئك الذين صوتوا للخروج في استفتاء عام 2016.

وتشير غالبية استطلاعات الرأي إلى أن 60 في المئة من البريطانيين يرون الآن أن “بريكست” كان “خطأ” كبيراً، مما يعني تراجع نسبة المؤيدين للخروج بنحو 10 في المئة مقارنة بما كانت عليه قبل 10 أعوام.

وفضلاً عن الخسائر على الاقتصاد الكلي، يعاني البريطانيون الآن مشكلات السفر والحركة داخل دول الاتحاد الأوروبي، بعدما كانوا يُعاملون على أنهم “مواطنون أوروبيون”.

وينطبق ذلك على تأشيرات السفر ومدة الإقامة وكلفة الاتصالات وغيرها، إذ بدأت بعض شبكات الهاتف المحمول البريطانية تلغي حرية استخدام التجوال في أوروبا من دون كلفة إضافية.

وتعاني الشركات والأعمال القيود الجديدة على حركة الشاحنات والبضائع والسلع بين بريطانيا وأوروبا، وهو ما تسعى الحكومة العمالية الحالية إلى التفاوض في شأنه مع بروكسل، لكن النتائج ليست مضمونة، كما يشير غالبية المحللين والمعلقين.

على رغم أنه لا توجد أرقام رسمية محددة عن الأضرار والخسائر التي مني بها الاقتصاد البريطاني نتيجة “بريكست”، فإن كثيراً من الدراسات الصادرة عن مراكز أبحاث، وحتى عن هيئات حكومية مثل “مكتب مراقبة الميزانية” البريطاني، تعطي فكرة عن حجم تلك الخسائر.

ويخلص تقرير لشبكة “سكاي نيوز”، مدعوم بأرقام من صندوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات، إلى أن أضرار وخسائر “بريكست” لا يمكن إنكارها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحسب بيانات من وكالة “بلومبيرغ” نهاية العام الماضي، وأرقام محدثة من جماعات بريطانية مناوئة لـ”بريكست” مثل “بريطانيا وأوروبا المتغيرة” وجماعة “كلفة بريكست”، فإن الاقتصاد البريطاني يخسر سنوياً ما بين 100 و200 مليار جنيه استرليني (ما بين 134 و268 مليار دولار) بسبب “بريكست”.

وكلف الخروج من أوروبا الاقتصاد البريطاني تراجع معدلات نموه بما بين ستة وثمانية في المئة، وأدى ذلك بالتبعية إلى خسارة الخزانة العامة عائدات ضريبية تراوح ما بين 65 و90 مليار جنيه استرليني (ما بين 87 و120 مليار دولار) سنوياً.

وتشير بعض الدراسات إلى أن أصولاً مصرفية تقدر بنحو 900 مليار جنيه استرليني (1.2 تريليون دولار) خرجت من بريطانيا بعد “بريكست”.

ونتيجة القيود التجارية على التعامل بين أوروبا وبريطانيا، تراجع الاستثمار في بريطانيا بنسبة تراوح ما بين 12 و18 في المئة.

وطبقاً لأكثر من مسح للأعمال والشركات البريطانية، فإن 70 في المئة منها ذكرت ارتفاع كلفة سلاسل الإمداد بسبب نظام التعرفة الجمركية وقواعد التجارة مع بريطانيا بعد “بريكست”.

وتراجعت صادرات السلع الزراعية والمنتجات الغذائية البريطانية إلى دول الاتحاد الأوروبي بنسبة 37 في المئة، وفي الوقت ذاته، يتراجع مستوى معيشة البريطانيين مقارنة بنظرائهم في دول الاتحاد الأوروبي، وارتفعت كلفة توفير الغذاء للأسرة البريطانية سنوياً بنحو 250 جنيهاً استرلينياً (335 دولاراً).

موقف أوروبا من الاضطراب في بريطانيا

بالطبع، هناك أسباب محلية لارتفاع كلفة المعيشة على البريطانيين وتراجع أداء الاقتصاد البريطاني مقارنة بأقرانه في أوروبا أو ضمن مجموعة السبع (G7) ومجموعة العشرين (G20) ومنها العجز الدائم في الموازنة وارتفاع معدلات الدين العام وكلفة خدمته السنوية، إضافة إلى ضعف نمو الإنتاجية. إلا أن بعض الدراسات ترجع انخفاض معدلات الإنتاجية في القطاع الصناعي البريطاني بنسبة 2.3 في المئة إلى “بريكست”، وهناك قائمة طويلة من الأضرار والخسائر التي لحقت بالقطاعات المختلفة في الاقتصاد البريطاني نتيجة “بريكست”.

ويدرك البريطانيون، بمن فيهم من صوتوا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، تلك الخسائر والأضرار.

لكن إعادة ضبط العلاقات التجارية والاقتصادية بين لندن وبروكسل لا تتوقف فقط على موقف الحكومة البريطانية، أياً كان من يقودها، بل أيضاً على موقف المفوضية الأوروبية، وحتى مواقف دول الاتحاد الأوروبي دولةً دولة، بخاصة أن بعض تلك الدول لن تنسى مرارة الخروج البريطاني من الاتحاد، ولا ترغب في حصول لندن على أي ميزات أوروبية.

لا ترغب بروكسل في إعادة النظر في اتفاق الخروج، بينما يتصاعد دور اليمين المتطرف بقيادة حزب “ريفورم” الذي يتزعمه نايجل فاراج، والذي يتمثل شعاره الأبرز في رفض العلاقات مع أوروبا.

ولا شك في أن الأوروبيين، خلال القمة المتوقعة الشهر المقبل مع بريطانيا، سيكون في خلفية أذهانهم أن أي اتفاق مع حكومة ستارمر قد لا يكون مستداماً، فالاضطراب السياسي الحالي في بريطانيا يعني أنه ربما يكون على الأوروبيين التعامل مع رئيس حكومة عمالية غير ستارمر، سواء كان ستريتنغ أو برنهام، بعد أشهر.

قد تعني مشكلات حزب العمال الحاكم، واستمرار تراجع شعبية حزب المحافظين المعارض، احتمال فوز اليمين المتشدد في انتخابات عامة مقبلة، ليجد الأوروبيون أنفسهم مضطرين إلى التعامل مع فاراج رئيساً لحكومة معادية لأوروبا.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى