صندوق النقد الدولي يحذر من 3 أخطار تهدد الاستقرار المالي العالمي

قال تقرير “الاستقرار المالي العالمي”، الذي أطلقه صندوق النقد الدولي في اليوم الثاني من اجتماعاته السنوية مع البنك الدولي في العاصمة التايلاندية بانكوك، إن الأسواق المالية ظلت قادرة على الصمود في ظل نمو اقتصادي قوي وأرباح متينة للشركات، فيما بقيت الأوضاع المالية ميسرة نسبياً.
لكن صندوق النقد الدولي حذر من أن هذه الظروف لا تبرر الشعور بالاطمئنان المفرط، وأوضح أن ثلاثة أخطار رئيسة تتزايد، ويمكن لكل منها أن تترك تداعيات أوسع على النظام المالي، وهي حدوث تصحيح في الأسواق مدفوع بالذكاء الاصطناعي، وارتفاع أكثر حدة في عوائد السندات السيادية، والتعرض لهجمات إلكترونية.
حذر الصندوق من أن ارتفاع عوائد السندات الحكومية وتصاعد الهجمات الإلكترونية وتنامي الاقتراض، قد تحول مواطن الضعف في الأسواق إلى أزمات مالية أوسع.
وأشار إلى أن بنوكاً تمثل 22 في المئة من أصول القطاع المصرفي العالمي قد تهبط نسب رأسمالها من دون الحدود التنظيمية في سيناريو ضاغط، مقارنة بـ18 في المئة قبل عام.
ودعا الحكومات إلى وضع الدين على مسار مستدام، والحد من أخطار الرافعة المالية والسيولة، وتعزيز الحماية السيبرانية، خصوصاً مع تراجع قدرة الدول على مواجهة الصدمات.
وأشار إلى أن مواطن الضعف الكامنة في النظام المالي قد تحدد حجم الأضرار الناجمة عن تحقق هذه الأخطار، فقد يؤدي تصحيح أسواق الذكاء الاصطناعي إلى تقليص واسع للمديونية عبر فئات الأصول المختلفة، بينما قد تتسبب صدمة ارتفاع عوائد السندات في إعادة تسعير الأصول وخفض قيمة السندات المستخدمة ضمانات في المعاملات المالية، أما الهجمات الإلكترونية، فقد تعطل العمليات الحيوية وتضعف الثقة.
وحذر الصندوق من أن ارتفاع مستويات الاقتراض وشح السيولة وتزايد الترابط بين الأسواق قد تضخم آثار هذه الأخطار، وتحولها إلى ضغوط مالية أوسع نطاقاً.
أخطار الديون الحكومية
وفقاً للصندوق، ارتفعت عوائد السندات السيادية في ظل تجدد الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة، والمخاوف المالية، وفي بعض الحالات، تجاوز النمو الاقتصادي التوقعات.
ويرى أن عوائد السندات قد تعود لمستويات ما قبل الأزمة المالية العالمية، عندما كان النمو والتضخم أعلى مما كانا عليه خلال العقد الثاني من القرن الحالي.
في المقابل، يتحدث الصندوق عن تزايد أخطار نشوء حلقات متبادلة من الضغوط نتيجة اتساع الاختلالات المالية وزيادة الاعتماد على الرافعة المالية في تداولات السندات، إذ يقول إنه مع مواصلة البنوك المركزية تقليص موازناتها العمومية، قد يؤدي الاعتماد بصورة أكبر على المستثمرين الأكثر حساسية لتغيرات الأسعار إلى مزيد من التقلبات في العوائد.
ووفقاً للصندوق تشكل السندات الحكومية ركيزة أساسية للنظام المالي العالمي، لذلك قد تتجاوز تداعيات ارتفاع عوائدها حدود الدين العام، فالعوائد الأعلى قد تزيد معدلات الخصم وتضغط على تقييمات أصول أخرى، بما فيها الأصول المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، فضلاً عن خفض قيمة السندات المستخدمة ضمانات في المعاملات المالية.
الهجمات الإلكترونية تهدد النظام المالي
قال صندوق النقد الدولي إنه مع تزايد رقمنة الخدمات المالية وترابطها، أصبحت الهجمات الإلكترونية مصدراً متنامياً للأخطار النظامية، وقد يؤدي هجوم كبير إلى تعطيل المدفوعات والتداولات والوصول إلى الودائع أو غيرها من الخدمات المالية الحيوية.
وتشتد الأخطار إذا استهدف الهجوم مؤسسة مالية كبرى أو نظاماً للمدفوعات أو مزوداً للخدمات السحابية أو منصة برمجية، بما يسمح بانتقال الاضطراب عبر النظام المالي الذي تزداد روابطه وتشابكاته.
وتكمن إحدى المشكلات الرئيسة في صعوبة احتواء هذه التهديدات، ففي أكثر من 70 في المئة من الحالات المبلغ عنها منذ بداية عام 2026، لم يتوفر لمزودي البرمجيات سوى وقت ضئيل للغاية لمعالجة الثغرات قبل استغلالها من جانب المهاجمين، أو لم يتوفر لهم وقت على الإطلاق.
وتزيد هذه النسبة على مثلي مستواها في عام 2021، عندما كان أمام مزودي البرمجيات عادة ما يقارب 300 يوم لإصلاح الثغرات، وقد تسهم نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة في تسريع الهجمات الإلكترونية ووسائل التصدي لها على حد سواء، مما يزيد أهمية تعزيز القدرة على الصمود السيبراني، والإبلاغ عن الحوادث، والاستعداد للأزمات، وتشديد الرقابة على مزودي الخدمات الخارجيين الحيويين.
اعتماد متزايد على الذكاء الاصطناعي
وفقاً للصندوق، أصبح الذكاء الاصطناعي عاملاً مهماً في دعم الاقتصاد العالمي والأسواق المالية، وأسهمت الاستثمارات في مراكز البيانات وأشباه الموصلات والبنية التحتية المرتبطة بها في تنشيط النشاط الاقتصادي، فيما سجلت الشركات التي تقود طفرة الذكاء الاصطناعي نمواً استثنائياً في الأرباح.
وحذر الصندوق من أن تراجع الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي أو انخفاض ربحيتها قد يقوض التوقعات المتفائلة، ويؤدي إلى تصحيح في أسعار الأصول المرتبطة بهذه الصناعة.
في حين قد يشكل تنامي الاقتراض أحد العوامل المحفزة لمثل هذا التصحيح، فالشركات الكبرى المشغلة لمراكز البيانات، المعروفة باسم “هايبرسكيلرز”، تعتمد بصورة متزايدة على الاقتراض، في حين يلجأ مستثمرون إلى استخدام الرافعة المالية لزيادة استثماراتهم في أسهم الذكاء الاصطناعي.
تشير ترتيبات التمويل المتشابكة في هذا القطاع، التي تشمل تدفقات للأسهم والديون بين شركات الذكاء الاصطناعي، إلى أن تعرض الشركات الرئيسة المستقبلة للاستثمارات لضغوط قد يؤدي إلى خفض توقعات الإيرادات وتقييمات الاستثمارات، ومن شأن ذلك أن يقلص بدوره قيمة الديون المتراكمة ضمن هذه الصفقات.
ووجدت مراجعة أجراها الصندوق لـ14 صفقة من هذا النوع منذ عام 2023 نحو 300 مليار دولار من الاستثمارات في الأسهم و650 مليار دولار من الديون، في مقابل التزامات بإيرادات مستقبلية تبلغ 1.4 تريليون دولار.
الاستعداد لمواجهة هجوم إلكتروني
دعا صندوق النقد الدولي إلى ضرورة رفع مستوى الاستعداد لمواجهة هجوم إلكتروني مدعوم بالذكاء الاصطناعي، قد يؤدي إلى توقف واسع في النظام المالي العالمي.
وقال في تقرير “الاستقرار المالي العالمي” إن حادثاً إلكترونياً خطراً يمكن أن يعطل خدمات حيوية، من بينها أنظمة المدفوعات، فضلاً عن إمكان الوصول إلى الحسابات المصرفية الشخصية.
وأشار إلى أن القطاع المالي يمثل مصدراً متزايداً للأخطار النظامية الناجمة عن الهجمات الإلكترونية، في تحذير يتوافق مع مخاوف سبق أن عبر عنها علناً محافظ بنك إنجلترا (البنك المركزي البريطاني) أندرو بيلي.
وحذر خبراء الصندوق من أن احتواء الهجمات الإلكترونية المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد يكون صعباً، مشيرين إلى أن شركات البرمجيات المعنية لم تتمكن في70 في المئة من الحالات المسجلة من إصلاح الثغرات الأمنية قبل استغلالها من جانب القراصنة.
الذكاء الاصطناعي يهدد الوظائف والأمن المالي
جاءت تحذيرات الصندوق بعد يوم واحد من وصف المديرة العامة للصندوق كريستالينا غورغييفا الذكاء الاصطناعي بأنه “تسونامي بطيء الحركة”، متوقعة أن يؤدي إلى تغييرات واسعة في سوق العمل حول العالم.
وخلال افتتاح الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك بتايلاند، قالت غورغييفا إن نحو 40 في المئة من الوظائف ستتأثر في نهاية المطاف بالذكاء الاصطناعي، سواء من خلال تعزيز قدرات العاملين أم تراجع قيمة بعض الوظائف أم اختفائها.
وأضافت أن الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا تحولية تغير بصورة جذرية طريقة العمل والحياة، مشيرة إلى أن آثارها الأولى بدأت تظهر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن الأخطار لا تقتصر على سوق العمل، إذ تشكل الهجمات الإلكترونية المدعومة بالذكاء الاصطناعي وغيرها من عمليات الاختراق تهديداً كبيراً للشركات والنظام المالي الأوسع.
وفي بريطانيا، تعرضت شركات كبرى لاضطرابات إلكترونية خطرة، من بينها متاجر “ماركس أند سبنسر” و”كو-أوب” وشركة صناعة السيارات “جاغوار لاند روفر”، مما تسبب في خسائر للمساهمين ومخاوف لدى العملاء.
وتعرضت شركة تجارة الأزياء عبر الإنترنت “أسوس” لهجوم إلكتروني، وأقرت لاحقاً باحتمال تعرض بيانات مهمة للعملاء للسرقة.
وفي فرنسا رفع قراصنة إلكترونيون درجات حرارة الثلاجات والمجمدات في مئات المتاجر الفرنسية لتصل إلى 50 درجة مئوية (122 درجة فهرنهايت) خلال الليل، مما تسبب في اندلاع حرائق وتلف الأغذية.
وصرح مكتب المدعي العام في باريس، بأن هجوماً “واسع النطاق” استهدف “ثلاجات متصلة بالشبكة في عدد من سلاسل بيع المواد الغذائية الكبرى بجميع أنحاء فرنسا”، مما أدى إلى خسائر في الأغذية واندلاع حرائق.
ويشير تحليل نشره مسؤولون في صندوق النقد إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة قد تزيد سرعة الهجمات الإلكترونية، لكنها قد تعزز أيضاً قدرات الدفاع والحماية منها.
وفي الوقت نفسه، يركز التقرير على أخطار حدوث تصحيح حاد في أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، بعد الارتفاعات السريعة التي سجلتها أسهم الشركات الرائدة في هذا المجال، وما قد يترتب على ذلك من هبوط أوسع في الأسواق المالية.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تواجه فيه الجهات المقترضة، بما فيها الحكومة البريطانية والأسر التي تسدد قروضاً عقارية، اضطرابات متزايدة في سوق السندات.
نقاط ضعف كامنة قد تضخم الصدمات
حذر الصندوق من أنه يمكن لمواطن الضعف الكامنة في النظام المالي أن تضخم تأثير الأخطار الثلاثة التي أوردها، وتحولها إلى أزمات نظامية.
وقال إنه على رغم استمرار قدرة البنوك العالمية، التي تشكل جوهر النظام المالي، على الصمود عموماً في ظل سيناريو الضغوط المعاكس الذي وضعه الصندوق، فإن بعض المؤسسات قد تمثل حلقات ضعيفة.
ووفقاً للتقرير، قد تهبط نسب رأس المال لدى بنوك تمثل22 في المئة من إجمالي أصول القطاع المصرفي العالمي من دون الحدود التنظيمية بعد اختبار الضغوط، مقارنة بـ18 في المئة قبل عام.
وتتعمق كذلك الروابط بين هذه البنوك والوسطاء الماليين من غير المصارف، مما يفتح قنوات إضافية لانتقال الضغوط عبر النظام المالي.
وخارج القطاع المصرفي، زادت صناديق التقاعد وشركات التأمين تدريجياً استثماراتها في الأصول غير السائلة والمشتقات المالية، مع اعتماد أكبر على مديري الأصول أنفسهم.
وقد يرفع ذلك أخطار مواجهتها احتياجات مفاجئة للسيولة خلال فترات الاضطراب، نتيجة طلبات تغطية الهامش، واستجابتها بطرق متشابهة، مثل بيع الأصول نفسها، بما يفاقم تحركات الأسواق.
وتحتفظ بعض هذه المؤسسات أيضاً بأصول ائتمانية خاصة غير سائلة، مما يشكل قناة إضافية يمكن أن تنتقل عبرها الضغوط وتتضخم.
وفي الوقت نفسه، ومع ارتفاع مديونية المقترضين، التزمت بعض صناديق الإقراض المباشر بتوفير التمويل عند الطلب، وإذا تشددت الأوضاع المالية، فقد يلجأ المقترضون إلى السحب من هذه التسهيلات، في وقت تواجه فيه الصناديق الممولة ضغوطاً خاصة بها على السيولة.
وقد تؤدي هذه الديناميات إلى مزيد من التراجع في الائتمان المتاح للشركات الأكثر احتياجاً إليه، مع انعكاسات محتملة على الاقتصاد الأوسع.
أما في الاقتصادات الناشئة والنامية، فقد ارتفعت عوائد السندات أيضاً، على رغم أن الفوارق بينها وبين عوائد السندات في الاقتصادات المتقدمة لا تزال محدودة نسبياً، لكن الصدمات العالمية الأخيرة أضعفت الهوامش الوقائية لهذه الاقتصادات، وزادت تعرضها للأخطار الخارجية، وقلصت قدرتها على امتصاص الضغوط.
ثلاث أولويات لحماية الاستقرار المالي
يرى صندوق النقد الدولي أن ارتفاع الدين الحكومي وتجدد الضغوط التضخمية وزيادة تكاليف الاقتراض قلصت قدرة صناع السياسات على دعم الاقتصادات بعد وقوع الصدمات، مقارنة بما كانت عليه في الماضي.
وحدد الصندوق ثلاث أولويات للتحرك تتضمن: إعادة الدين لمسار مستدام عبر سياسات مالية تحد من الأخطار المرتبطة بتراكم المديونية وتدعم قدرة الحكومات على مواجهة الصدمات، والحد من أخطار الرافعة المالية والسيولة، خصوصاً في قطاعات الذكاء الاصطناعي والائتمان الخاص والوسطاء الماليين من غير المصارف، بما يشمل فرض متطلبات رأسمالية قطاعية وقيود على تركز انكشافات البنوك على هذه القطاعات.
وكذلك تعزيز الدفاعات السيبرانية، من خلال تحسين الإبلاغ عن الحوادث، وإجراء اختبارات لقياس قدرة المؤسسات المالية على الصمود أمام الهجمات الإلكترونية.
وشدد الصندوق على ضرورة أن تعيد الاقتصادات الناشئة والنامية بناء هوامشها الوقائية ما دامت الأوضاع المالية ميسرة نسبياً، مؤكداً أن التحرك الاستباقي هو السبيل الأفضل للاستعداد في وقت تتزايد فيه الأخطار.



