صناعة الدواجن المصرية في مواجهة أزمة الفائض

يواجه مُربو الدواجن في مصر معضلة ارتفاع الإنتاج فوق حاجة السوق المحلية بنحو 25 في المئة، بحسب تقديرات اتحاد منتجي الدواجن، ما من شأنه خلق مزيد من الضغوط على الأسعار، بما يجعلها أقل من الكلفة الفعلية للإنتاج، مهددة استمرار المربين في صناعة تمثل مورداً غنياً بالبروتين.
لكن حلولاً من قبيل التوسع في التصدير وإنشاء المجازر وتغيير أنماط استهلاك السوق وتبني الاتجاه صوب تجميد الدواجن قد يوفر مخرجاً من الخسارة لما يزيد على 45 ألف منتج في السوق. وبحسب تقرير حديث لوزارة الزراعة الأميركية، بلغ إنتاج مصر من الدواجن اللاحمة نحو 1.92 مليار طائر خلال موسم 2025 – 2026، من بينها 1.6 مليار طائر من الإنتاج التجاري و320 مليوناً من الإنتاج الريفي.
تخوفات لدى المستهلكين
وثمة اتفاق بين المنتجين والتجار على أن التصدير لا يشكل تهديداً للسوق المحلية، خصوصاً مع وجود فائض معتبر من الإنتاج، لكن مع ذلك ثمة تخوفات لدى المستهلكين من أن تؤدي عوائد التصدير المغرية إلى التأثير في المعروض المحلي، مما يقود إلى ارتفاع الأسعار.
واستأنفت مصر تصدير الدواجن العام الحالي بعد توقف منذ 2006، إذ تقول وزارة الزراعة المصرية إن صادرات القطاع الإنتاجي وصلت إلى نحو 35 دولة، بعد استيفاء شروط سلامة الغذاء الصارمة.
وفي حديث إلى “اندبندنت عربية” قال نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن ثروت الزيني إن صناعة الدواجن في مصر تُعد من الصناعات الكبرى التي أثبتت نجاحها على مدى عقود، وأن القطاع الخاص قام بدور كبير في استكمال مسيرة الصناعة، بخاصة مع تراجع دور القطاع العام والمؤسسة العامة للدواجن والشركة المتحدة، لافتاً إلى أن جميع سلالات الأمهات والقطاعات الرئيسة لصناعة الدواجن أصبحت موجودة في مصر، سواء أمهات التسمين أو البياض أو التفريخ أو غيرها من حلقات الصناعة.
أزمة إنفلونزا الطيور عام 2006
ويوضح أن الصناعة بلغت مرحلة الاكتفاء الذاتي، قبل أن تتعرض الصناعة لأزمة إنفلونزا الطيور عام 2006 التي استمرت لفترة محدودة، ثم استعادت الصناعة عافيتها واستأنفت نموها، مؤكداً أن وجود قطاع يحقق الاكتفاء الذاتي في أوقات الأزمات والحروب والتحديات يمثل نجاحاً مهماً بكل المقاييس.
وبلغت استثمارات صناعة الدواجن 200 مليار جنيه (4 مليارات دولار)، فيما يوفر القطاع نحو 3.5 مليون فرصة عمل، بما يغطي حاجات نحو 3.5 مليون أسرة، بحسب الزيني الذي يشير إلى أن القطاع شهد خلال الأعوام الأخيرة تطوراً كبيراً وانتقالاً تدريجياً من مناطق الدلتا إلى الظهير الصحراوي، بسبب التوسع العمراني واقتراب المباني السكنية من مزارع الدواجن والطرق، فضلاً عن الحاجة إلى الحد من حركة الطيور والسبلة عبر المناطق السكنية.
وتمتلك الصناعة مزايا تنافسية تدعم نموها في مواجهة اللحوم الحمراء والأسماك، وفق الزيني، فإنتاج كيلو من الدواجن يحتاج إلى أقل من كيلو ونصف الكيلو من العلف، في حين تحتاج اللحوم الحمراء إلى نحو ستة أو 6.5 كيلوغرام من العلف لإنتاج كيلو من اللحم، وهو فارق كبير في كفاءة استخدام الموارد.
إنتاج مصر من الدواجن
أيضاً، حاجات الدواجن من المياه أقل بكثير من حاجات إنتاج اللحوم الحمراء، كما أن الأثر البيئي لصناعة الدواجن أقل، مما يمنحها ميزة نسبية مهمة، وفق الزيني الذي لفت إلى أن إنتاج مصر من الدواجن سجل نحو 1.65 مليار طائر سنوياً، فيما يتجاوز إنتاج البيض 50 مليون بيضة يومياً، ويصل إلى نحو 16.5 مليار بيضة سنوياً.
ويؤكد أن مصانع الأعلاف القائمة لديها طاقات إنتاجية تتجاوز حاجات القطاع، موضحاً أن حاجات صناعة الدواجن من الأعلاف تبلغ نحو 9 ملايين طن سنوياً، في حين أن المصانع المرخصة لديها طاقات يمكن أن تصل إلى نحو 20 أو 22 مليون طن. ويشير إلى أن معامل التفريخ والمجازر ومحطات الجدود وغيرها من حلقات الصناعة موجودة بالفعل، لكن التحدي يتمثل في تشغيل هذه الطاقات بكفاءة أكبر وربط جميع حلقات الصناعة بخطة واحدة.
وعلى رغم ذلك، يرى الزيني أن الصناعة في مواجهة تحديات كبيرة، في مقدمتها حاجتها إلى التوسع في تصدير الفوائض الإنتاجية وإنشاء المجازر والاتجاه إلى نمط التجميد بدلاً من تفضيل المستهلك لـ”الحي”، فالتصدير يمثل اتجاهاً أساساً بالنسبة إلى مصر يمكن تعظيم عوائده، بخاصة مع اتجاه بعض الدول الأوروبية إلى خفض مستويات تربية الدواجن، مما يمكن أن يمثل فرصة أمام مصر لتعويض جزء من هذا التراجع.
سعر الكيلو في المزرعة
وقال الزيني إن الأشهر السبعة أو الثمانية الماضية شهدت انخفاضاً حاداً في أسعار الدواجن نتيجة زيادة الإنتاج عن القوة الشرائية، ووصل سعر الكيلو في المزرعة إلى نحو 55 أو 56 جنيهاً (1 دولار تقريباً)، واستمر تدنّي الأسعار لفترة طويلة، قبل أن تبدأ السوق بالتحسن خلال الفترة الأخيرة.
ويحذر من أن المربي إذا اضطر إلى بيع إنتاجه بأقل من الكلفة فلن يستطيع الاستمرار، مشيراً إلى أن المربي قد يتحمل خسارة دورة إنتاج واحدة ويدخل إلى دورة ثانية على أمل تحسن السوق، لكن إذا تكررت الخسارة فلن يدخل إلى دورة ثالثة.
لكن الزيني يرى الحلول في تقليل حلقات التداول بين المزرعة والمستهلك، خصوصاً أن الفارق بين سعر المزرعة وسعر البيع للمستهلك للدواجن والبيض يراوح عادة ما بين 20 و25 في المئة، وهو فارق لا يستفيد منه المنتج، وفي الوقت نفسه يتحمله المستهلك.
طاقة تشغيلية مفقودة
ويدعو إلى تفعيل المجازر الآلية ونصف الآلية، مع امتلاك بلاده طاقة ذبح تتجاوز 3 ملايين طائر، إلا أن نسبة التشغيل لا تتجاوز نحو 20 في المئة، مما يعني وجود استثمارات وطاقات إنتاجية معطلة، فضلاً عن أن استمرار تداول الدواجن الحية لا يتناسب مع المعايير الصحية والحضارية، فيما يمكن للذبح داخل المجازر أن يوفر شكلاً أكثر صحة وتنظيماً.
وتسجل أسعار الدواجن في مصر 76 جنيهاً (1.45 دولار) للكيلوغرام الواحد من الدواجن البيضاء داخل المزرعة، و87 جنيهاً (1.66 دولار) للمستهلك، في حين يسجل سعر الكيلو “البلدي” 115 جنيهاً (2.19 دولار) للمستهلك مقابل 105 جنيهات (دولاران) داخل المزرعة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
والتخوف من خروج المُربين من القطاع هاجس يراود أيضاً رئيس شعبة الثروة الداجنة في الغرف التجارية عبدالعزيز السيد الذي يرى أن ارتفاع أسعار الدواجن خلال الأشهر الأخيرة لا يمكن فصله عن سياق عام يتمثل في خروج عدد من المنتجين من القطاع بفعل ارتفاع كلفة الإنتاج عن أسعار البيع التي تحددها بورصة الدواجن بصورة يومية.
تراجع المعروض وارتفاع الأسعار
ويتفق السيد مع الرأي السابق في شأن أهمية التوسع في التصدير، واستبعاد تأثيره سلباً في حجم المعروض المحلي من الدواجن والبيض، ويدعو إلى إيلاء اهتمام أكبر بالمنتجين خصوصاً صغارهم، تجنباً لخروجهم من المنظومة الإنتاجية، بالتالي تراجع المعروض وارتفاع الأسعار.
ويقول إن لا معنى للبيع بأسعار تقل عن الكلفة الفعلية، لما يحمله ذلك من خسائر كبيرة للمنتجين، مع ضرورة العمل على حماية المستهلك وتوفير المنتج بأسعار عادلة، وهما مساران لا يتعارضان، مشيراً إلى أن وضع منظومة لحماية الطرفين يمكن أن يحقق هذا الهدف.
وثمة تحديات إضافية يواجهها مربو الدواجن في مصر، تتنوع ما بين التغيرات المناخية والطقس الحار والبارد والوضع الوبائي، وفق ما يقول الزيني لـ”اندبندنت عربية” وهي تحديات تستدعي من الدولة توفير التمويلات الميسرة للمنتجين، وتفعيل قانون الجمعيات والتجمعات الإنتاجية، على أن تعمل المزارع في المنطقة الواحدة وفق نظام موحد، بخاصة في ما يتعلق بدورات التسمين والتحصينات.
السيطرة على الوضع الوبائي
ومن بين الحلول الأخرى المقترحة، يشير الزيني إلى تقسيم المناطق وفقاً للخريطة الوبائية، فيتوقف النشاط في المناطق التي ترتفع فيها معدلات الإصابة، ويُعاد تشغيلها بعد السيطرة على الوضع الوبائي، وتطبيق نظام “All in, All out”، فتدخل الطيور إلى المنطقة في توقيت واحد وتخرج في توقيت واحد، بدلاً من وجود أعمار مختلفة للطيور في المنطقة نفسها، مما يساعد في الحد من انتقال الأمراض.
وعلى رغم المنجزات التي تحققت على صعيد الاكتفاء الذاتي من الثروة الداجنة، تبدو الصناعة اليوم أمام تعقيدات تستدعي تدخل الجهات المعنية برسم السياسات وتنظيم السوق الإنتاجية، بما يكفل أسعار عادلة لكل أطراف المنظومة.



