ارتفاع عائد السندات يثقل كاهل مجموعة الـ7 بخدمة الديون

تركز عناوين الأخبار في شأن التبعات الاقتصادية للحرب على إيران في معظمها على تطورات سوق النفط، مع أن التبعات الاقتصادية تتجاوز ذلك إلى جوانب كثيرة من الاقتصاد العالمي.
ومع أن الأسواق، في الأغلب الأعم، تتجاوز الأضرار الناجمة عن الحرب، مع ما نشهده من استمرار ارتفاع المؤشرات في كبرى الأسواق، إلا أن جانباً آخر من السوق يشهد اضطرابات ربما لا تحظى بالاهتمام الإعلامي.
تلك هي سوق السندات التي تشهد اضطرابات متكررة منذ بداية حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي، إذ تكرر ارتفاع العائد على سندات الدين وانهيار قيمتها نتيجة عمليات البيع الكثيف. والارتباط بين سوق السندات ومشكلة الديون والحرب ارتباط غير مباشر، إذ يلجأ المستثمرون في الديون للتخلص من السندات، فيهوي سعرها ويرتفع العائد عليها مع كل توقع بأن البنوك المركزية سترفع أسعار الفائدة.
والمخاوف من رفع أسعار الفائدة سببها ارتفاع معدلات التضخم نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وغيرها بسبب الحرب وإغلاق مضيق هرمز.
وفتحت الأسواق صباح أمس الثلاثاء على خبر مهم من آسيا، إذ ارتفع العائد على سندات الدين اليابانية طويلة الأجل لمدة 30 عاماً إلى أعلى مستوى له منذ ثلاثة عقود.
وذلك وسط عمليات بيع مكثفة للسندات اليابانية هوت بأسهمها، إثر توقعات بأن البنك المركزي الياباني سيرفع أسعار الفائدة. ووصل معدل العائد على تلك السندات إلى نسبة ثلاثة في المئة، التي لم يصل إليها منذ عام 1996.
السندات وأزمة الدين العالمي
لم تكن السندات اليابانية وحدها التي ارتفع معدل العائد عليها وانخفضت أسعارها، إذ يتناسب سعر السند عكسياً مع نسبة العائد عليه، فقد ارتفع العائد على سندات الخزانة الأميركية متوسطة الأجل لمدة 10 سنوات ليقترب من خمسة في المئة (نسبة 4.87 في المئة)، بينما تجاوز العائد على السندات الأميركية طويلة الأجل لمدة 30 عاماً هذا الحاجز ليصل إلى نسبة 5.27 في المئة.
تعد سندات الخزانة، أي سندات الدين الحكومي، الأداة الأهم والأكبر نصيباً في الديون الحكومية عالمياً.
ومن قبل حرب إيران، هناك أزمة دين عالمية بالفعل حذر منها صندوق النقد الدولي مع اقترابها وربما تجاوزها، لحجم الناتج المحلي الإجمالي العالمي، هذا بالنسبة إلى الديون الحكومية أو العامة، فحسب.
يتجاوز حجم الدين في العالم 350 تريليون دولار، وهو يشمل الديون الحكومية وديون الشركات والديون الشخصية.
أما الديون الحكومية أو العامة فتجاوز حجمها 100 تريليون دولار، وفي ظل تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، تزيد الشكوك حول إمكانية تسديد تلك الديون، مما يدفع المستثمرين في أسواق السندات إلى القلق وأحياناً عمليات البيع الكثيف المدفوعة بالمخاوف من إمكانية تسديد الدين.
لكن مشكلة الديون العالمية ليست فحسب في مخاوف الأسواق والمستثمرين في السندات، إنما هناك أزمات حادة متكررة تتعلق بتفاقم كلفة خدمة الدين، خصوصاً في ظل أسعار الفائدة المرتفعة حالياً .
وبحسب تحليل أجرته صحيفة “فايننشال تايمز” ونشرته هذا الأسبوع، فإن ارتفاع معدل العائد على السندات منذ بداية حرب إيران يكلف دول مجموعة السبع الكبرى عشرات مليارات الدولارات من المدفوعات الإضافية نتيجة زيادة كلفة خدمة الدين العام.
ومع ما تشهده الأسواق هذا الأسبوع من استمرار الاضطراب في سوق السندات وارتفاع نسبة العائد، يتوقع أن تزيد كلفة خدمة الدين لترهق ليس فحسب ميزانيات الدول الفقيرة والنامية، بل والاقتصادات الكبرى المتقدمة أيضاً.
زيادة كلفة خدمة الدين
بحسب تحليل الصحيفة، تكبدت دول مجموعة السبع الكبرى ما يصل إلى 16 مليار دولار ككلفة إضافية لخدمة الديون السيادية منذ نهاية فبراير 2026، مع توقع أن يصل الرقم إلى 34 مليار دولار من المدفوعات الإضافية لخدمة الدين بنهاية الربع الأول من العام المقبل 2027.
ومن متابعة سندات الدين السيادي التي تصدرها الدول المتقدمة اقتصادياً، يتضح أن الارتفاع في معدلات العائد في الأشهر الأخيرة هو السمة السائدة في كل دول الاقتصادات الكبرى المتقدمة، بمعنى أن كل دول مجموعة السبع أصبحت تدفع لخدمة ديونها أكثر مما كانت تدفع قبل حرب إيران.
بما أن الولايات المتحدة هي أكبر دولة مدينة بين مجموعة السبع، والأكبر عالمياً، فهي صاحبة النصيب الأكبر من تلك المدفوعات الإضافية لخدمة الدين مع زيادة نسبة العائد على سندات الخزانة. كما أن دولاً كبرى مثل بريطانيا وإيطاليا وألمانيا واليابان أصبحت تتحمل مدفوعات خدمة دين أعلى بكثير مما كان عليه الوضع قبل الحرب.
ويحذر كبير الاقتصاديين في شركة “جيفريز” موهيت كومار، من أن “ارتفاع معدلات الفائدة هو من أكبر الأخطار التي تواجه أسواق الأسهم وأسواق الائتمان.. ونحن على وشك الدخول في منطقة تصبح فيها أي زيادة في نسبة الفائدة خطراً سلبياً على كل من الأسهم والسندات”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويضيف أنه إذا ارتفعت معدلات الفائدة والعائد على السندات ليتجاوزا حاجز نسبة خمسة في المئة على سندات الخزانة متوسطة الأجل لمدة 10 سنوات، فإن “التأثير السلبي سيمتد إلى أسواق الأسهم كذلك”.
إذ إن ارتفاع العائد على السندات سيؤدي إلى فقدان الأسهم ميزتها، بينما سيؤدي ارتفاع كلفة الاقتراض نتيجة زيادة سعر الفائدة إلى تدهور الأرباح. كما أن ارتفاع كلفة خدمة الدين نتيجة زيادة العائد على السندات سيضر بشدة بالسياسات المالية للحكومات.
ويقول كومار إن “نسب العجز ترتفع عالمياً مع السياسات التوسعية للحكومات… كما يتوقع أن نشهد المزيد من السياسات الشعبوية على أعتاب انتخابات التجديد النصفي (للكونغرس) في أميركا وانتخابات برلمانية في أوروبا”.
ويعني ذلك أن قدرة الحكومات على خفض عجز الموازنة ستصبح أكثر صعوبة.
توقعات متشائمة
ويرى كثير من الاقتصاديين أن معدلات العائد على السندات ستواصل الارتفاع وسط احتمالات رفع أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية في الاقتصادات الكبرى.
وهناك عوامل عدة تدفع نحو التوقعات المتشائمة بارتفاع العائد على السندات، وبالتالي زيادة مدفوعات خدمة الديون.
ويقول رئيس معهد “بيترسون” آدم بوسن، إنه “إلى جانب أخطار ارتفاع معدلات التضخم، هناك أخطار حقيقية في شأن عدم الاستقرار السياسي في الولايات المتحدة وفرنسا واليابان وبصورة متقطعة في بريطانيا وربما ألمانيا”.
وغير العوامل الاقتصادية المباشرة كالتضخم واحتمالات رفع أسعار الفائدة والعوامل السياسية، فهناك عوامل تشترك فيها السياسة مع الاقتصاد. يضيف بوسن أن “ارتفاع الإنفاق العسكري وزيادة الاحتياجات السكانية والزيادة في الإنفاق على البنية التحتية، كل ذلك يزيد الضغوط التي تدفع المعدلات إلى الأعلى”.
هناك مشكلة أخرى تتعلق بتكثيف الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، مما يعزز توقعات المستثمرين في أسواق الدين في شأن النمو، فيزيد الضغط على عائد السندات ارتفاعاً.
ويقول كبير الاقتصاديين في شركة “آي أن جي” الاستثمارية جيمس نايتلي، إن ارتفاع كلفة الاقتراض “ليس فحسب مشكلة للاستدامة المالية (أي ضبط ارتفاع عجز الموازنة)، بل إنه في الولايات المتحدة مثلاً يضر بالنشاط الاقتصادي ككل مع ارتفاع كلفة الاقتراض على الأسر والشركات”.
يضيف نايتلي، كمثال على تعطل النشاط الاقتصادي نتيجة ارتفاع كلفة الاقتراض، مشيراً إلى أن “سوق العقار الأميركية في حالة ركود بالفعل، وإن منحنى مؤشر العائد على السندات يعني أن علينا الاستعداد لنسبة فائدة على قروض الرهن العقاري تتجاوز سبعة في المئة”.
على رغم أن الزيادة في كلفة خدمة الدين لدول مجموعة السبع التي أظهرها تحليل “فايننشال تايمز” لا تبدو مبلغاً كبيراً، بالقياس إلى حجم اقتصادات تلك الدول الكبرى المتقدمة، إلا أنها تشكل ضغطاً على السياسات المالية للحكومات المطالبة بضبط الزيادة في عجز الموازنة.



