عالمي

جمود مفاوضات واشنطن وطهران يربك الاقتصاد العالمي

مع جمود المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، تتصاعد المخاوف في شأن هشاشة وقف إطلاق النار وتأثير عودة الحرب مجدداً على الاقتصاد العالمي.

وما يقلق الأسواق والمحللين بصورة عامة هو استمرار الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز وتعطل إمدادات الطاقة من الخليج، فكلما حدث تفاؤل بإمكانية التوصل إلى صفقة بين طهران وواشنطن، تتعثر المحادثات وتعود الشكوك والمخاوف من اشتعال القتال مجدداً.

تلك الحال الضبابية تجعل الاقتصاديين والمحللين ومؤسسات عالمية كثيرة في وضع لا يحسدون عليه، مع صعوبة التكهن بمسار الاقتصاد العالمي، لذا تتوالى التقارير التي تحدث وتعدل التقديرات والتوقعات السابقة خلال فترات زمنية قصيرة على غير المعتاد.

هذا الأسبوع، أصدرت مؤسسة “موديز” للتصنيف الائتماني تقارير عدة في هذا السياق لتحديث تقديراتها التي تستند إليها في تصنيف الدين السيادي للدول والوضع المالي لها، وكذلك للشركات والمؤسسات التي تصنفها.

من بينها تقرير بعنوان “الضغط على سوق الطاقة العالمية يؤثر في آفاق النمو الاقتصادي”، وكتب محللو المؤسسة في مقدمة التقرير أنه “لا تزال النظرة المستقبلية العالمية تتسم بعدم اليقين في ظل المواجهة التي يطول أمدها بصورة متزايدة واتفاق وقف إطلاق النار الهش بين أميركا وإيران، فالمفاوضات المضنية والحصار الجاري على الشحن البحري وخطر التصعيد العسكري، كلها عوامل تشكل خطراً على استمرار الهدنة، وفي ظل هذه الخلفية غير المستقرة يواجه الاقتصاد العالمي صدمة محتملة أخرى في الطاقة وأسعار المواد الغذائية، لا سيما في حال استمرار تقييد تدفقات العبور من الخليج وإليه”.

سيناريوهات محتملة

يعتمد التأثير في النمو الاقتصادي العالمي ومعدلات التضخم على مدى استمرار إغلاق مضيق هرمز وتعطل الملاحة التجارية العالمية عبر الخليج، الذي يمر عبره خُمس صادرات الطاقة العالمية (بنسبة 20 في المئة). ووضع تقرير “موديز” سيناريوهات محتملة عدة في تعديل على توقعاتها السابقة قبل فترة قصيرة منذ بدء الحرب على إيران.

فبحسب السيناريو الأساس للمؤسسة العالمية للتصنيف الائتماني، يتوقع صمود وقف إطلاق النار وتحسن حركة المرور تدريجاً (في الخليج وعبر مضيق هرمز)، في ظل تفاوض مستوردي النفط على اتفاقات عبور ثنائية.

وعلى رغم ذلك “من غير المحتمل العودة إلى حجم حركة المرور عام 2026 مقارنة بفترة ما قبل النزاع، ولا نتوقع استعادة إمدادات النفط بصورة كاملة إلا بعد الربع الأول من العام المقبل 2027”.

بالتالي، يقدر التقرير أن يكون تداول خام “برنت” في الغالب ضمن نطاق يراوح بين 90 و110 دولارات للبرميل، “مع استثناءات عرضية خارج هذا النطاق”. وسيؤدي الارتفاع المستمر لكلف الطاقة، على الأرجح، إلى “الحفاظ على استمرار ارتفاع معدلات التضخم والضغط على الأرباح وتراجع الاستثمار، وإجهاد المالية العامة” حول العالم.

ويتوقع التقرير تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي في مجموعة الـ20 (G-20) على الأرجح إلى نسبة 2.4 في المئة كمتوسط لعام 2026، “وهي نسبة أقل بكثير من توقعاتنا في فترة ما قبل النزاع التي بلغت 2.8 في المئة، في حين سيظل النمو عام 2027 غير متغير في حدود 2.6 في المئة”.

أما السيناريوهات الأخرى التي يعرض لها التقرير، فإنها تراعي توسع نطاق الاحتمالات المختلفة. ففي السيناريو المتفائل، يمكن أن “تؤدي المفاوضات المطولة إلى إعادة فتح المضيق (هرمز)، وإن كانت الثقة الهشة ونقاط الاختناق اللوجيستية وإعادة بناء المخزونات كلها عوامل تبقي الأسعار مرتفعة”.

أما السيناريو المتشائم، فيشير إلى احتمال “استمرار الاضطرابات والإضرار بالبنية التحتية للطاقة، مما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز بصورة حادة، إضافة إلى صدمة تضخم مصحوب بالركود، وتشديد الظروف المالية، ونشوء أخطار سلبية كبيرة بالنسبة إلى الاقتصادات المستوردة للطاقة، لا سيما في آسيا”.

تباين في الأداء والأضرار

وعلى رغم أن التقرير يستعرض تأثير أزمة الصراع في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز في الاقتصاد العالمي ككل، فإن هناك تبايناً في الضرر على اقتصاد الدول والكتل التجارية المختلفة حسب أدائها.

فهناك اقتصادات تملك من المرونة وإمكانات النمو ما يجعلها أكثر قدرة على تحمل الأضرار. وبحسب التقرير، فإن “الاحتياطات الاستراتيجية تمنح بعضاً حماية على المدى القصير فحسب، إذ ستصبح حالات النقص المادي في الطاقة العالمية حادة بصورة متزايدة في غضون أشهر معدودة”.

ويشير التقرير إلى أن “آسيا والمحيط الهادئ تشكلان أكثر المناطق تعرضاً للأضرار والتداعيات الناجمة عن الصراع، وتحظى الصين بحماية جزئية نظراً إلى اعتمادها على الفحم والطاقة المتجددة، في حين تظل الهند معرضة للأضرار”.

وفي سياق التباين، حتى داخل منطقة آسيا، تواجه اليابان وكوريا أيضاً أخطاراً مرتفعة نظراً إلى اعتمادهما الكبير على واردات النفط والغاز، خصوصاً من منطقة الخليج.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتواجه أوروبا احتمال تجدد ارتفاع معدلات التضخم المصحوب بالركود الاقتصادي، مما يشكل خطراً على الانتعاش الصناعي في دول منطقة اليورو ويعزز تشديد السياسة النقدية (رفع أسعار الفائدة والحد من شراء البنك المركزي الأوروبي للسندات).

أما الولايات المتحدة الأميركية، وإن كانت تملك اكتفاءً ذاتياً في مجال الطاقة، إذ إنها الآن أكبر منتج للنفط في العالم، فإنها تواجه ارتفاع معدلات التضخم إضافة إلى ارتفاع كلفة الإنتاج والكلف المالية.

وتحظى أميركا اللاتينية بحماية نسبية من تداعيات الأزمة، وإن كانت لا تزال تواجه ارتفاع معدلات التضخم وتشديد السياسة النقدية والآثار المتباينة في اقتصاداتها الكبيرة.

في ضوء تلك التقديرات والتوقعات المعدلة لتأثير الحرب داخل الشرق الأوسط في الاقتصاد العالمي، أصدرت مؤسسة “موديز” تقريراً آخر بعنوان “الاضطراب الممتد في مضيق هرمز لما بعد الصيف يزيد الضغوط الائتمانية”.

التأثير في التقييم الائتماني

بما أن الوظيفة الأساس للمؤسسة هي التصنيف الائتماني للدول والشركات والمؤسسات والهيئات، فإن تقديراتها وتوقعاتها للاقتصاد العالمي ومؤشراته الكلية، مثل معدلات التضخم وأسعار الفائدة وغيرها، هي الأرضية التي تستند إليها في تقييم التصنيف الائتماني.

وفي التقرير الآخر عن هذا الأمر، تعتمد “موديز” على سيناريو أساس يتوقع استمرار الاضطراب في مضيق هرمز لمدة طويلة وحتى فصل الخريف هذا العام.

وفي التقديم لهذا التقرير، كتب محللو المؤسسة أنه “أصبح الاضطراب في حركة الشحن البحري عبر المضيق (هرمز) يشكل عائقاً هيكلياً أمام تدفقات الطاقة العالمية، وليس صدمة موقتة في الإمدادات، ونتيجة لذلك راجعنا تقييمنا الائتماني ليعكس هذا الواقع وتداعياته على الجودة الائتمانية في القطاعات والمناطق المختلفة حول العالم”.

وبحسب ذلك السيناريو المركزي، يتوقع “عدم حدوث أي أضرار كبيرة بالمنشآت أو البنية التحتية الرئيسة الخاصة بالإنتاج، وإن كنا نتوقع استمرار الاضطرابات في الشحن البحري، بما في ذلك المتعلقة بإمدادات الطاقة والمنتجات ذات الصلة، حتى خريف 2026”.

إذ يفترض السيناريو تحسن حركة المرور عبر مضيق هرمز تدريجاً مقارنة بالمستويات الحالية، في ظل تفاوض مستوردي النفط بصورة ثنائية على المرور، “وإن كان من غير المحتمل العودة إلى حجم حركة المرور قبل النزاع”.

حتى في أفضل الحالات، مثل التوصل المبكر إلى الاتفاقات أو تحسن أسرع من المتوقع في حركة المرور أو ارتفاع الإمدادات من البلدان غير المنتمية لمنظمة “أوبك”، فإن “أي تحسن في الظروف الائتمانية سيكون تدريجاً، كما أن العودة إلى الوضع الطبيعي ستستغرق عدة أشهر”.

وذلك في ظل استمرار حال عدم اليقين الجيوسياسية خلال معظم فترات العام الحالي، إضافة إلى أوجه الضعف الحالية التي تشوب أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.

فحتى إذا استؤنفت حركة المرور في مضيق هرمز خلال الأشهر الستة المقبلة، فإن سوق النفط سيظل مضغوطاً على الأرجح من حيث الإمدادات، في ظل “استمرار ارتفاع أسعار الطاقة وتقلبها بصورة أكبر، والآثار الجانبية الأوسع نطاقاً المتعلقة بالكلف والطلب وظروف التمويل بالنسبة إلى المقترضين المعرضين لذلك”. ويمكن أن تؤدي تلك الضغوط المستمرة على الإمدادات، إضافة إلى الأخطار الجيوسياسية، إلى استمرار ارتفاع أسعار الطاقة.

ويتوقع التقرير أن “يتراوح متوسط سعر خام ’برنت‘ ما بين 90 و110 دولارات للبرميل خلال معظم فترات العام، وهو رقم يفوق توقعاتنا السابقة”.

وسيؤدي استمرار ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة التضخم وكلف الإنتاج، مما سيحد من القوة الشرائية للأسر المعيشية، ويعقد مسار السياسة النقدية في الاقتصادات الكبرى، ويشدد ظروف التمويل.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى