عالمي

السكر المصري… مرارة المحصول تطغى على حلاوة الطعم

خلف أرقام إنتاج السكر في مصر تتوارى أزمة تسعير صامتة تضغط على المزارعين وتربك السوق، فمع تقلص الإنتاج تتصاعد الضغوط وتتعثر حسابات تحقيق الاكتفاء الذاتي والتوقف عن الاستيراد على رغم الطفرة الإنتاجية غير المسبوقة، وسط استهلاك شره، وكلفة إنتاجية مرتفعة وعائد زهيد.

في منتصف عام 2025، توقع المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، إعلان القاهرة الاكتفاء الذاتي من السكر بحلول عام 2026، مع تأكيد عدم الحاجة إلى الاستيراد اعتباراً من العام الحالي، لكن قبل أيام، صدر قرار وزير الاستثمار والتجارة الخارجية محمد فريد صالح بمد العمل بحظر تصدير السكر بأنواعه ثلاثة أشهر إضافية، في مسعى إلى تأمين حاجات السوق المحلية والحفاظ على المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية، فهل تواجه السوق ضغوطاً ما على جانبي العرض والطلب، وتنذر بوجود أزمة؟

طفرة استثمارية متصاعدة

في البداية، يثني تقرير حديث لـ”نولدج سورسينغ إنتليجينس” على الطفرة الاستثمارية المتصاعدة في قطاع إنتاج السكر المصري، مقدراً ارتفاع حجم الاستثمارات في القطاع من 5.431 مليار دولار عام 2025، إلى 6.354 مليار دولار بحلول عام 2030، لكن مع ذلك يعترف التقرير بمواجهة القفزات الإنتاجية تحدياً ديموغرافياً مستمراً، مع مواصلة نمو الاستهلاك المحلي مدفوعاً بزيادة سكانية تبلغ 2.4 في المئة سنوياً، ما يعادل مليوني نسمة جديداً كل عام.

وتتركز زراعة قصب السكر في مصر بصورة كبيرة حول مصافي السكر في صعيد مصر، والتي تشكل 77 في المئة من مساحة زراعة القصب في البلاد، ويشكل وسط مصر 15 في المئة إضافية من مساحة زراعة قصب السكر، يليه الدلتا بنسبة 8 في المئة.

تقرير آخر قبل أيام لوزارة الزراعة الأميركية، توقع انخفاض إنتاج مصر من السكر خلال الموسم التسويقي 2026-2027 إلى 3 ملايين طن، مقارنة بـ3.18 مليون طن في الموسم التسويقي السابق، نتيجة لانخفاض طفيف في إنتاج قصب السكر وانخفاض أكبر في إنتاج بنجر السكر.

التحدي الأكثر تهديداً

ويشمل إجمال الإنتاج المتوقع البالغ 3 ملايين طن، نحو 2.3 مليون طن من بنجر السكر (نحو 77 في المئة من إجمال الإنتاج) و0.7 مليون طن من قصب السكر (نحو 23 في المئة من إجمال الإنتاج).

مع ذلك يبدو أن التحدي الديموغرافي هو الأكثر تهديداً للمنجزات التي حققتها البلاد في ملف إنتاج السكر، إذ يتوقع ارتفاع إجمال استهلاك السكر المحلي في مصر خلال الموسم التسويقي 2026-2026 بنسبة تقارب 1.3 في المئة، ليصل إلى 3.9 مليون طن.

ويعزى هذا الارتفاع في استهلاك السكر إلى النمو السكاني، إذ بلغ عدد سكان مصر نحو 109 ملايين نسمة، ومن المتوقع أن يصل إلى 124 مليون نسمة بحلول عام 2030، وفقاً للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إلى جانب ما تستضيفه البلاد بما يقدر بنحو 10 ملايين مهاجر غير مدرجين في الإحصاءات السكانية الرسمية.

ويتطلب توسع قطاع منتجات الحلويات في مصر كميات أكبر من السكر كمدخل إنتاجي، وباعتباره سلعة أساسية، يؤدي السكر دوراً حيوياً في عديد من عمليات تصنيع الأغذية والسلع الاستهلاكية.

فاتورة استيراد السكر

وتشهد أسعار السكر في الآونة الأخيرة استقراراً لافتاً في السوق المصرية، إذ تراوح أسعار التجزئة ما بين 28 و38 جنيهاً مصرياً للكيلوغرام (0.53-0.72 دولار)، وتعتمد اختلافات الأسعار على عوامل عدة، منها نوع السكر (أبيض، ممتاز، أو سكر دايت)، والعلامة التجارية، ومتجر البيع بالتجزئة، والتغليف.

وتتوقع وزارة الزراعة الأميركية أن يبلغ إجمال واردات السكر في الموسم التسويقي 2026- 2027 نحو 1.06 مليون طن، وهو رقم مماثل للموسم التسويقي السابق، نتيجة لزيادة المخزونات المتبقية.

كانت البرازيل المورد الرئيس للسكر الخام إلى مصر خلال الأعوام الخمسة الماضية، ومن المرجح أن تبقى كذلك، بينما يعد الاتحاد الأوروبي المورد الرئيس للسكر المكرر إلى السوق المصرية.

ارتفاع كلفة الإنتاج

وفي مارس (آذار) الماضي أصدرت وزارة الاستثمار والتجارة المصرية قراراً ينظم واردات السكر الخام والمكرر وإخضاعها لموافقة وزير التموين ووزير الاستثمار بعد تقديم طلب ترخيص استيراد يحدد حجم الواردات، بهدف تحقيق التوازن بين العرض والطلب في السوق المحلية.

وواجهت مصانع السكر المصرية ضغوطاً مالية شديدة نتيجة ارتفاع كلفة الإنتاج والمنافسة مع المستوردين الذين يكررون المواد الخام الأقل سعراً محلياً.

وتتوقع وزارة الزراعة الأميركية أن تصل مخزونات السكر في نهاية الموسم التسويقي 2026-2027 إلى نحو 1.1 مليون طن، بانخفاض قدره 11.2 في المئة تقريباً عن الموسم التسويقي السابق، نتيجة لانخفاض متوقع في الإنتاج المحلي وزيادة في الاستهلاك.

انخفاض المساحة المزروعة

تتوقع خدمة الزراعة الخارجية بالقاهرة أن يبلغ إنتاج مصر من بنجر السكر في الموسم التسويقي 2026-2027 نحو 16 مليون طن متري، بانخفاض قدره 7.5 في المئة عن الموسم التسويقي السابق. ويعود هذا الانخفاض إلى انخفاض المساحة المزروعة بنسبة 7.7 في المئة تقريباً، لتصل إلى 300 ألف هكتار، نتيجة لانخفاض سعر الشراء.

في عام 2026، خفضت الحكومة المصرية السعر المضمون لبنجر السكر بنسبة 16.6 في المئة إلى 2000 جنيه (38 دولاراً) للطن، بعدما كان 2400 جنيه (47.30 دولار) للطن في موسم 2025. ويعد السعر المضمون عاملاً رئيساً يؤثر في قرارات المزارعين الإنتاجية، فعندما تحدد الحكومة سعراً مضموناً منخفضاً، يتجه المزارعون إلى محاصيل بديلة أكثر ربحية، ودفع هذا الانخفاض في الأسعار عديداً من المزارعين إلى تقليص مساحة زراعة بنجر السكر والتحول إلى زراعة القمح.

وتشير التقارير إلى انخفاض اتفاقات الزراعة التعاقدية بين مصنعي بنجر السكر والمزارعين بنسبة 16 في المئة منذ العام الماضي.

إنتاج مصر من قصب السكر

وأفادت مصادر مطلعة في القطاع بأن الموسم السابق شهد زيادة كبيرة في المعروض بعدما أخل المزارعون بالتزاماتهم التعاقدية، مما أدى إلى تجاوز الكميات قدرة المصانع على معالجتها. ومثل قصب السكر، يشترى بنجر السكر من المزارعين بسعر تضمنه الحكومة. إلا أنه نتيجة للمنافسة بين الشركات الخاصة في قطاع معالجة بنجر السكر، والتي تسعى إلى الاستحواذ على حصة كبيرة من إنتاج المزارعين، تتجاوز أسعار الشراء أحياناً السعر الذي تحدده الحكومة.

وتتوقع وزارة الزراعية الأميركية بلوغ إنتاج مصر من قصب السكر في الموسم التسويقي القادم نحو 12.2 مليون طن، بانخفاض قدره 13.8 في المئة تقريباً عن الموسم التسويقي السابق، ويعود هذا الانخفاض إلى تقليص المساحة المحصودة بمقدار 2000 هكتار مقارنة بالموسم السابق.

وعبر مزارعو قصب السكر في صعيد مصر خلال الأسابيع الأخيرة عن استيائهم المتزايد من تأخر دفع مستحقاتهم عن المحاصيل المسلمة، حيث انتظر بعضهم أكثر من شهرين.

ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية

وأدى هذا التأخير إلى تعطيل التخطيط المالي للمزارعين وقدرتهم على تغطية كلفة الإنتاج والنفقات الأخرى، لا سيما مع استمرار ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية، وبخاصة الوقود والأسمدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشير مزارعون إلى أن كلفة زراعة فدان واحد من قصب السكر ارتفعت بصورة ملحوظة، مع ارتفاع كلفة الوقود والنقل والعمالة، في حين أن سعر الشراء الرسمي البالغ 2500 جنيه (47.40 دولار) للطن لا يزال غير كافٍ.

ويطالب المزارعون الحكومة، بتسريع صرف المدفوعات المتأخرة ورفع سعر الشراء إلى 4000 جنيه (76 دولاراً) للطن، محذرين من أن عديداً منهم قد يتحولون إلى محاصيل أكثر ربحية في حال عدم إجراء تعديلات.

الاكتفاء الذاتي من السكر

وفي تصريحات، حذر نقيب الفلاحين في مصر حسين عبدالرحمن أبو صدام من أن استمرار الأزمة من دون حلول سريعة قد يؤدي إلى تراجع المساحات المزروعة بالقصب في المواسم المقبلة، مما يمثل تحدياً أمام جهود تحقيق الاكتفاء الذاتي من السكر.

وطالب أبو صدام بوضع آلية تسعير مرنة تراعي تغيرات كلفة الإنتاج، مع الالتزام بمواعيد صرف المستحقات لضمان استقرار القطاع الزراعي.

أما أمين صندوق نقابة الفلاحين النوبي أبو اللوز فقال إن تأخر المستحقات هذا العام سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ توريد المحصول، وأن النقابة تلقت شكاوى في شأن عدم الحصول على المستحقات من 40 في المئة من مزارعي القصب، بينما حصل 60 في المئة من المزارعين على دفعات جزئية فقط.

هذا الوضع يضع المزارعين في مواجهة مباشرة مع الديون البنكية والتزامات شركات الأسمدة، وسط حال من التخبط لعدم معرفة المتسبب المباشر في هذا التأخير، بحسب أبو اللوز.

طلب إحاطة في مجلس النواب

الخسائر دفعت عضو مجلس النواب أحمد السنجيدي إلى تقديم طلب إحاطة موجه إلى وزيري التموين والتجارة الداخلية والزراعة واستصلاح الأراضي، في شأن ما يعانيه مزارعو بنجر السكر من خسائر فادحة نتيجة ارتفاع كلفة الإنتاج بصورة غير مسبوقة، في مقابل تدني أسعار التوريد التي تحددها الشركات والمصانع.

السنجيدي شدد في بيان الإحاطة، على ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي من تقاوي وأسمدة ومبيدات، إلى جانب ارتفاع كلفة العمالة والري والنقل، وهو ما أدى إلى تضاعف كلفة زراعة فدان البنجر، بينما لم تشهد أسعار التوريد زيادة عادلة تتناسب مع هذه الزيادات، مما يضع الفلاح في دائرة الخسارة المؤكدة، مما يهدد بتراجع الإنتاج المحلي من السكر، وزيادة الاعتماد على الاستيراد، بما يمثل عبئاً إضافياً على الاقتصاد القومي.

وطالب البرلماني الحكومة بدعم مستلزمات الإنتاج الزراعي الخاصة بمحصول البنجر، خصوصاً الأسمدة والتقاوي، ووضع حد أدنى لسعر التوريد يضمن عدم تعرض الفلاح للخسارة، والرقابة على شركات السكر لضمان عدم استغلال الفلاحين في عمليات التسلم أو التقييم.

في المحصلة، تبدو أزمة السكر في مصر أبعد من مجرد تراجع موقت في الإنتاج، إذ تكشف عن خلل هيكلي في منظومة التسعير والحوافز الزراعية. وبينما تستمر الاستثمارات وتتوسع المصانع، يبقى تحقيق الاكتفاء الذاتي مرهوناً بإعادة صياغة سياسات التسعير ودعم المزارعين، بما يضمن الحفاظ على المساحات المزروعة وتحقيق توازن مستدام بين الإنتاج والاستهلاك.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى