أوروبا ترتمي في شباك حقول الغاز الروسي

سجلت مشتريات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي من أكبر مشروع روسي (يامال) رقماً قياسياً خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي. ويأتي هذا خلال وقت تدفع فيه الحرب مع إيران أوروبا مجدداً نحو الوقود الذي كانت تسعى إلى التخلص التدريجي منه.
ووفقاً لتحليل جديد لبيانات الشحن نشرته مجموعة “أورغيفالد “البيئية الخميس الماضي، استقبل الاتحاد الأوروبي 91 شحنة من مشروع “يامال” للغاز الطبيعي المسال خلال الفترة بين يناير (كانون الثاني) وأبريل (نيسان) الماضيين، بإجمالي 6.69 مليون طن. وتعد هذه الكمية الأعلى المسجلة لهذه الفترة منذ انطلاق المشروع خلال ديسمبر (كانون الأول) 2017.
ودفع التكتل ما يقدر بـ3.88 مليار يورو (3.25 مليار جنيه استرليني) مقابل هذا الغاز خلال الأشهر الأربعة المذكورة، بناءً على أسعار السوق المرجعية.
وشهد الطلب العالمي على النفط والغاز الروسي ارتفاعاً هائلاً منذ اندلاع الحرب مع إيران. فقد أدى إغلاق مضيق هرمز منذ أواخر فبراير (شباط) إلى حجب كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال عن الأسواق العالمية، إذ ينقل المضيق عادة نحو خُمس تدفقات الغاز المسال العالمية، مما قلص الخيارات المتاحة أمام أوروبا ودفع أسعار الغاز المرجعية إلى الارتفاع بصورة حادة.
وقفز سعرTTF””، وهو السعر المرجعي للغاز في أوروبا، من نحو 35 يورو لكل ميغاوات/ساعة (29.30 جنيه استرليني) خلال يناير وفبراير الماضيين إلى 52.87 يورو (44.25 جنيه استرليني) خلال مارس (آذار) الماضي، مما رفع قيمة كل شحنة روسية كانت أوروبا تشتريها. وبلغ متوسط أسعار أبريل الماضي 45.21 يورو لكل ميغاوات/ساعة (37.82 جنيه استرليني). والنتيجة هي أن أوروبا لا تشتري مزيداً من الغاز الروسي فحسب، بل تدفع أيضاً مبالغ أكبر بكثير مقابل كل شحنة مقارنة ببداية العام.
وصرح المتخصص بملف العقوبات لدى مجموعة “أورغيفالد” سيباستيان روترز: “لم يسبق لأوروبا أن استوردت هذا القدر من الغاز الطبيعي المسال من مشروع ’يامال‘ خلال الأشهر الأربعة الأولى من أي عام منذ إطلاق المشروع خلال عام 2017″. وأضاف: “على مدى ثلاثة أشهر متتالية، كانت الوجهة النهائية لجميع شحنات ’يامال‘ هي أوروبا، بما يظهر أن القارة لا تزال توفر شرياناً أساساً لاستمرار تجارة الغاز الطبيعي المسال الروسية في القطب الشمالي”.
وتظهر البيانات أن اعتماد أوروبا على مشروع “يامال” يتزايد، إذ استحوذ الاتحاد الأوروبي على 98 في المئة من إجمال صادرات المشروع بين يناير وأبريل الماضيين. ووفقاً لتحليل “أورغيفالد”، كان الاتحاد الأوروبي الوجهة النهائية لكل شحنة وصلت خلال ثلاثة أشهر متتالية.
وأفادت التقارير أن الصين، التي أمضت روسيا أعواماً في استقطابها كعميل بديل، لم تستقبل سوى شحنتين فقط خلال الربع الأول، ولم تستقبل أي شحنة على الإطلاق في فبراير أو مارس الماضيين.
ولا يعتمد مشروع “يامال” على أوروبا اعتماداً عابراً، بل يقوم جزء أساس من نموذجه التشغيلي على هذا الارتباط، إذ يستند إلى أسطول صغير من ناقلات “Arc7” المخصصة للإبحار في الجليد، والقادرة على اجتياز الجليد البحري الكثيف في القطب الشمالي، غير أن كفاءتها تبقى رهناً بسرعة دورانها في الموانئ الأوروبية خلال أكثر الفترات التشغيلية صعوبة.
وكانت محطة “زيبروغه” في بلجيكا أكثر محطات الاستقبال نشاطاً، إذ تلقت 25 شحنة خلال الأشهر الأربعة الأولى، أي بمعدل ناقلة واحدة كل 4.8 يوم تقريباً. ويرى محللون أن شحنات “يامال” السنوية كانت ستنخفض من نحو 270 شحنة إلى ما بين 120 و130 فقط، لولا الاعتماد على الموانئ الأوروبية.
وزادت الواردات كذلك مع سعي الأوروبيين إلى تعزيز مخزوناتهم قبل بدء سريان عقوبات جديدة، إذ دخلت القيود على عقود الغاز الطبيعي المسال الروسي قصيرة الأجل حيز التنفيذ خلال الـ25 من أبريل الماضي، مما دفع المتعاملين الأوروبيين إلى تنفيذ أكبر مشتريات شهرية مسجلة من الغاز الطبيعي المسال الروسي خلال مارس الماضي.
ومن المقرر أن يبدأ سريان الحظر الكامل على العقود طويلة الأجل خلال يناير 2027. غير أن تحليل مجموعة “أورغيفالد” يظهر أنه، على رغم هذه الإجراءات، تظل العقود طويلة الأجل الثغرة الرئيسة التي تسمح باستمرار تدفق الغاز الروسي بكميات كبيرة إلى أوروبا.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقال روترز: “إن حظر الاتحاد الأوروبي واردات الغاز الطبيعي المسال بموجب العقود قصيرة الأجل يمثل خطوة إلى الأمام، لكن العقود طويلة الأجل تظل المشكلة الأساس. وما دامت هذه العقود قائمة، ستواصل أوروبا ضخ الأموال في مشروع غاز روسي لا يملك مستقبلاً مربحاً من دون السوق الأوروبية”.
وقال الرئيس المشارك لمجموعة “إيكوديفينس” البيئية الروسية Ecodefense فلاديمير سليفياك، إن استمرار هذه المشتريات في هذا التوقيت يقوض الجهود الرامية إلى الضغط على موسكو.
وأضاف: “تواجه روسيا ضغوطاً اقتصادية هائلة، وتكشف الهجمات الأوكرانية على قطاع النفط الروسي عن مكامن ضعف حقيقية في اقتصاد الحرب الذي يديره الكرملين. وفي هذه اللحظة الحرجة، لا يزال الاتحاد الأوروبي يتحكم في أحد المصادر الرئيسة لإيرادات موسكو”.
وتابع: “لكن بدلاً من قطع هذا المصدر المالي والتسبب في خسائر اقتصادية وسياسية كبيرة لبوتين، يواصل الاتحاد الأوروبي استيراد كميات قياسية من الغاز الطبيعي المسال من ’يامال‘”.
وقال أيضاً: “إذا كانت أوروبا تريد لهذه الحرب المروعة أن تنتهي في أسرع وقت، فعليها دعم الجهود الأوكرانية الرامية إلى قطع أبرز مصادر الدخل الروسية بأسرع ما يمكن”.
وكان مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي دان يورغنسن استبعد إعادة النظر في الجدول الزمني للحظر على رغم أزمة الطاقة، إذ قال لمجلة “بوليتيكو” خلال مارس الماضي: “لا ينبغي لنا أبداً أن نعود إلى استيراد ولو جزيء واحد”.
لكن محللين يرون أن الجزء الأكبر من الغاز الطبيعي المسال الروسي المقبل من القطب الشمالي سيواصل التدفق إلى أوروبا ما لم تغلق ثغرة العقود طويلة الأجل خلال وقت أقرب. ويستعد التكتل هذا الصيف لموسم أكثر كلفة لإعادة ملء مخزونات الغاز، في ظل تقلبات سعرية تغذيها اضطرابات مضيق هرمز المستمرة، إلى جانب القيود الجزئية المفروضة حالياً على المشتريات الفورية من روسيا.



