عالميمنتجات بترولية

أزمة الوقود تضع البنوك المركزية أمام اختبار التضخم

جاهز للاستماع
جاهز للاستماع
جاهز للاستماع

لم تكن هوامش أرباح تكرير النفط الخام تحظى عادةً باهتمام كبير من البنوك المركزية عند اتخاذ قرارات أسعار الفائدة. لكن الوضع تغير مع عودة أسواق الطاقة إلى إرسال إشارات قوية بشأن اضطرابات الإمدادات.

فقد تجاوزت العقود الآجلة لخام برنت مستوى 100 دولار للبرميل هذا الأسبوع. وفي المقابل، تصاعدت المخاوف بشأن أسعار الوقود المستخدم في تدفئة المنازل وتشغيل المصانع وتحريك شاحنات النقل حول العالم.

ولا تقتصر الضغوط على أسعار الخام. بل تتزايد أسعار الوقود بوتيرة أسرع، ما قد يترك أثرًا أوسع على الاقتصاد العالمي.

وخلال معظم فترة الحرب مع إيران، تمكن محافظو البنوك المركزية من تجاهل صدمة إمدادات الطاقة. وكان السبب هو تجنب أسوأ السيناريوهات المتوقعة.

إعلان

لكن مع عودة أسعار النفط إلى الارتفاع، بدأت أسعار الديزل والغاز الطبيعي في الصعود بوتيرة أسرع. ويأتي ذلك مع غياب مؤشرات واضحة على قرب انتهاء الحرب في إيران.

وفي الوقت نفسه، تظهر تحركات من طرفي الصراع تشير إلى احتمال الاستعداد لمواجهة طويلة الأمد.

أسعار النفط والغاز تثير مخاوف البنك المركزي الأوروبي

سلّط البنك المركزي الأوروبي الضوء على ارتفاع أسعار النفط والغاز. واعتبر أن هذه الزيادة تمثل أحد المخاطر التي قد تدفع توقعات التضخم إلى مستويات أعلى خلال الأشهر المقبلة.

وقالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، يوم الخميس، عقب الإعلان عن زيادة كانت متوقعة على نطاق واسع في تكلفة الاقتراض، إن الحديث عن هوامش التكرير قبل ستة أشهر لم يكن واضحًا بهذا القدر.

وأوضحت أن المصطلح، سواء أُطلق عليه «فارق التكسير» أو «هامش التكرير»، أصبح مفهومًا الآن عند الحديث عن سوق الوقود السائل.

وفي السياق نفسه، قدم محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي، في وقت سابق من الأسبوع، شرحًا للمشرعين البريطانيين حول اقتصاديات سوق النفط.

وأشار بيلي إلى أن هوامش التكسير، وهي العلاوات التي تحققها شركات التكرير عند تحويل الخام إلى منتجات قابلة للاستهلاك مثل البنزين والديزل، تضيف مزيدًا من الضغوط على الأسعار.

وبناءً على ذلك، تتوقع الأسواق حاليًا زيادتين في أسعار الفائدة بحلول فبراير، بهدف المساعدة في مواجهة التضخم.

أسواق الطاقة تواجه ضغوطًا قبل الشتاء

وتزداد الضغوط مع اقتراب فصل الشتاء. فقد تجاوزت العقود الآجلة للديزل في بعض مناطق العالم 200 دولار للبرميل.

ومع إضافة الضرائب، يدفع بعض المستهلكين أكثر من 300 دولار.

كذلك صعدت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا إلى أعلى مستوياتها منذ أواخر عام 2022. وهو العام الذي شهد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا.

وتأتي هذه الزيادة في وقت لا تزال فيه مخزونات الغاز منخفضة قبل دخول الطقس الأكثر برودة. كما سجلت أسعار الديزل في الولايات المتحدة مستوى قياسيًا.

ومع ذلك، لا يزال الوضع بعيدًا عن سيناريوهات الكارثة التي طُرحت عند اندلاع الصراع الإيراني في نهاية فبراير.

وكانت الصين أحد المحركات الرئيسية لموجة الصعود خلال الأسابيع الأخيرة. لذلك، يبقى السؤال هو ما إذا كانت مصافي الدولة الآسيوية ستواصل العمل بالمستويات الحالية، رغم ارتفاع التكاليف.

لكن الاتجاه العام أصبح أكثر وضوحًا. فالمتعاملون والمنتجون يرون أن العالم يحتاج إلى النفط مع اقتراب الشتاء.

وفي المقابل، تظل طاقة التكرير محدودة. وبالتالي، يستمر الضغط على تكاليف الوقود.

وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن أسواق المنتجات النفطية أصبحت أكثر تشددًا، مع بقاء هوامش التكرير عند مستويات تاريخية مرتفعة، خصوصًا مع قوة هوامش نواتج التقطير المتوسطة.

هجمات المصافي تضغط على إمدادات الديزل

وأدت الهجمات الأوكرانية على مصافي التكرير الروسية إلى تراجع صادرات موسكو من الديزل إلى مستوى قياسي.

وفي الوقت نفسه، لا تزال منشآت التكرير في الشرق الأوسط تتعافى من الهجمات التي تعرضت لها خلال المراحل الأولى من حرب إيران.

كما لا تزال هناك فجوة بين التدفقات الحالية عبر مضيق هرمز والمستويات التي كانت مسجلة قبل الحرب.

وكان المضيق يستحوذ، قبل اندلاع الحرب، على نحو خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا.

ومع استمرار اضطرابات الإمدادات، بدأت الوسائل التي استخدمتها أسواق الطاقة لتعويض النقص تتراجع.

فقد تباطأت عمليات السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية. وفي الوقت نفسه، رفعت الصين مشترياتها من النفط، بينما بدأت المخزونات في الانخفاض تدريجيًا.

كذلك شن مسلحو الحوثيين في اليمن هجمات متكررة على السعودية، إحدى أكبر الدول المنتجة للنفط والغاز في العالم.

وبعد عدة هجمات يوم الخميس، أوقفت المملكة، بصورة احترازية، خط أنابيب شرق-غرب. ويُعد هذا الخط مسارًا رئيسيًا بديلًا لمضيق هرمز بالنسبة إلى صادرات السعودية.

وتؤكد بيانات وكالة الطاقة الدولية أن المخزونات العالمية تعرضت لسحوبات كبيرة منذ بداية الحرب، مع استمرار الضغط على منظومة التكرير العالمية.

ناقلات النفط تواجه تكاليف قياسية

وترسل سوق النفط في الوقت الحالي إشارات على اضطرابات حادة.

فقد تتجاوز تكلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة لمدة يوم واحد مليون دولار. كذلك تُدفع علاوات ضخمة للحصول على الإمدادات الفورية.

وفي الوقت نفسه، تقفز عقود المشتقات التي تتحرك عادة ببضعة سنتات في كل مرة إلى مستويات قياسية.

وسجلت هذه العقود مكاسب بعدة دولارات خلال جلسات تداول منفردة.

وقال الشيخ خالد الصباح، العضو المنتدب للتسويق العالمي في مؤسسة البترول الكويتية، خلال مؤتمر عُقد هذا الأسبوع، إن شمال أوروبا مقبل على شتاء بالغ الصعوبة.

وأضاف أن ما يحدث حاليًا ليس سوى البداية.

أوروبا تستعد لشتاء صعب بسبب الغاز

وفي سوق الغاز، ظل جزء كبير من الإمدادات عالقًا في منطقة الخليج.

لذلك، يشعر المتعاملون الأوروبيون بالقلق بشأن الكميات التي يمكن تأمينها خلال الشتاء. ويزداد القلق مع وجود المخزونات عند مستوى قياسي منخفض بالنسبة إلى هذا الوقت من العام.

وخلال الصيف، أحجمت الحكومات والشركات عن الشراء.

لكن بنوكًا كبرى وشركات استشارية حذرت من أن حجم الغاز الذي تحتاج أوروبا إلى شرائه قد يدفع الأسعار مجددًا إلى أكثر من 100 يورو لكل ميغاواط/ساعة.

ويمثل ذلك مستوى أعلى بنحو 25% من الأسعار الحالية.

وفي النهاية، تنعكس أسعار الغاز المرتفعة على الإنتاج الصناعي.

وقال إيفانغيلوس ميتيلينيوس، الرئيس التنفيذي لمجلس إدارة شركة «ميتلين» اليونانية، إن الفترة الحالية صعبة.

وتُعد «ميتلين» أكبر منتج متكامل للبوكسيت والألومينا والألمنيوم الأولي في الاتحاد الأوروبي.

وأشار إلى أن أسعار الكهرباء تصل إلى مستويات تجعل الشركات غير المستعدة بشكل كافٍ غير قادرة على إنتاج الألمنيوم.

الديزل يتحول إلى عنق زجاجة في سوق الوقود

وفي أسواق الخام، بلغ المؤشر الرئيسي العالمي لأسعار البراميل الفعلية 120 دولارًا للمرة الأولى منذ يونيو.

ويشير ذلك إلى أن المصافي تدفع أسعارًا مرتفعة للحصول على أي براميل تستطيع تأمينها.

وفي المقابل، لا تزال أرباح إنتاج الوقود، خاصة الديزل، عند مستويات مرتفعة تاريخيًا.

ولهذا السبب، تتزايد التحذيرات بشأن سوق الديزل تحديدًا.

فالهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية أدت إلى تقليص أحد أكبر مصادر صادرات الديزل في العالم إلى مستويات ضئيلة للغاية.

وقالت لاغارد، خلال مؤتمرها الصحفي هذا الأسبوع، إن الديزل يستخدمه عدد كبير من الفاعلين الاقتصاديين.

وأشارت إلى أنه أصبح يمثل الآن «عنق زجاجة إضافيًا»، في وقت قد تحتاج فيه السياسة النقدية إلى تشديد أكبر للحد من مخاطر التضخم.

وخلال مؤتمر للنفط في سنغافورة هذا الأسبوع، أشار المتعاملون مرارًا إلى أن أسواق الوقود العالمية تواجه مشكلات كبيرة.

وفي بعض الدول الأوروبية، ومنها إيطاليا، دخلت تخفيضات ضريبية حيز التنفيذ بالفعل لحماية المستهلكين.

ومع ذلك، ستستمر الضغوط إذا واصلت أسعار الديزل الصعود.

صدمة الطاقة تعيد مخاوف التضخم وتكاليف المعيشة

وقالت وكالة الطاقة الدولية يوم الجمعة إن عام 2026 سيشهد أكبر انخفاض في الطلب على النفط منذ جائحة كورونا، مع تأثير ارتفاع أسعار الديزل، بصورة خاصة، على الاستهلاك.

وأضافت الوكالة أن المخزونات لعبت حتى الآن دورًا أساسيًا في كبح الأسعار.

لكن هذه الهوامش الاحتياطية تتراجع تدريجيًا. وفي الوقت نفسه، تعمل منظومة التكرير العالمية عند حدود طاقتها القصوى.

وحذرت الوكالة من أنه في حال عدم إحراز تقدم في الحرب الإيرانية أو الحرب الروسية الأوكرانية، فقد تصبح أسواق النفط أكثر شحًا.

وتتفق أحدث بيانات وكالة الطاقة الدولية مع هذا الاتجاه، إذ تتوقع الوكالة انخفاض الطلب العالمي على النفط في 2026 بنحو 2.5 مليون برميل يوميًا، مع استمرار تأثير ارتفاع أسعار الوقود واضطرابات إمدادات المنتجات النفطية. كما أشارت إلى انخفاض المخزونات العالمية المرصودة بنحو 507 ملايين برميل منذ بداية الحرب.

وبالتالي، يلوح خطر شتاء أكثر صعوبة. وقد تضطر الحكومات إلى اتخاذ إجراءات لتخفيف أعباء تكاليف المعيشة.

ويحدث ذلك في الوقت نفسه الذي ترفع فيه البنوك المركزية أسعار الفائدة لمواجهة التضخم.

ولا تقتصر الضغوط على الطاقة. فقد ساعدت الهجمات على موانئ البحر الأسود أيضًا في دفع أسعار الغذاء إلى أعلى مستوياتها في نحو أربع سنوات.

وفي هذا الإطار، أعلنت المجر يوم الجمعة أنها ستساعد مالكي السيارات في تحمل تكاليف الوقود.

وقالت آن-صوفي كوربو، الباحثة في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، إن هناك مخاوف واسعة من ارتفاع الأسعار بصورة أكبر.

وأضافت أن من المرجح ظهور دعوات للحكومات للتدخل وحماية المستهلكين. لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن قدرة كل دولة على التحرك ستعتمد على وضعها المالي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى