عالمي

نهاية “إهراءات روما”… قمح لبنان حاجة مهددة بالانقراض

جاهز للاستماع
جاهز للاستماع
جاهز للاستماع

“سأستمر في زراعة القمح حتى لو لم يتبق عندي سوى 10 بذور”، هكذا يعبر قاسم أبو محمود عن إصراره وتمسكه بزراعة أرضه في بلدة البيرة في محافظة عكار بشمال لبنان، على رغم الغياب التام للدعم من قبل الدولة وصعوبة تصريف المحصول، إذ يؤكد أن “كثيراً من الناس هجروا أراضيهم وتوقفوا عن زراعتها بسبب الخسائر التي تلحق بهم، ولكن لا بد للبعض من أن يستمر بحراثة وزرع الأرض التي تشكل إرث الأجداد”. ويلفت قاسم إلى أنه “يستثمر أرضه ليزرع أنواعاً مختلفة من المحاصيل والحبوب كالقمح والشعير والشوفان والبيقية، إضافة إلى الفصة لإطعام الدواب”، مشيراً إلى أنه يكفيه تأمين العلف للبهائم والخيول والأغنام التي يربيها، لكي يشعر بأنه ربح الرهان على العمل في الزراعة، وهو مستمر في مهمة البحث عن “الاكتفاء الذاتي” منذ عقد من الزمن. وتعكس هذه التجربة محاولة بعض المزارعين اللبنانيين الحفاظ على زراعة القمح والحبوب بوصفها إرثاً وعملاً رسالياً، في محاولة لاستعادة ذاكرة منتجة عمرها أكثر من 2000 عام، عندما كان يوصف سهل البقاع في شرق لبنان بأنه “إهراءات روما”، التي تغذي بفضل جهود أبنائه إمبراطورية مترامية الأطراف، ولكن على الضفة الأخرى نجد كثرة من المزارعين هجرت أرضها أو حولتها إلى زراعة البطاطا أو التنباك أو غطتها بالخيم البلاستيكية لزراعة الموسم الشتوي من الخضراوات.

 

حقبة تاريخية

يستعيد اللبنانيون ذكرى التاريخ المجيد عندما كانت “إهراءات روما” تعتمد على حبوب القمح الذهبية القادمة من سهل البقاع لتأمين حاجاتها الأساسية. ويؤكد الباحث في مجال التاريخ، سعيد عبدالرحمن، أن “منطقة البقاع كانت تعد من أهم المناطق الزراعية على مر التاريخ، وتحديداً خلال العصر الروماني، حين كانت تنتج القمح والحبوب بوفرة”، و”كان الاعتماد على البقاع لتأمين حاجات المدن الكبرى في المشرق وعلى امتداد الإمبراطورية الرومانية من القمح”، ولكن، ينبه عبدالرحمن من أن عبارة “إهراءات روما” تستخدم غالباً “للدلالة على الأهمية الزراعية والغذائية للبقاع، ولكنها لا تعني بالضرورة لقباً رسمياً رومانياً موثقاً بهذه الصيغة”.

وينوه عبدالرحمن أن “خصوبة سهل البقاع ووفرة المياه والمساحة الزراعية الواسعة جعلت من المنطقة مكاناً مناسباً لزراعة القمح والشعير وسائر أنواع الحبوب، وبات مصدراً أساساً وخزاناً وصوامع لروما”، مضيفاً أن “روما اعتمدت على محاصيل مدن البقاع مثل زحلة وبعلبك ومحيطهما، وعملت على تأمين نقلها، لإطعام جيوشها ومدنها”، وأضاف “وكان قمح سوريا وبلاد الشام من الموارد المهمة للإمبراطورية الرومانية”.

 

وحيدون في الساحة

أما اليوم فيشعر مزارعو القمح في لبنان بأنهم “محاربون عزل” لا أحد يلتفت لهم ولمصالحهم، إذ يشكو نقيب مزارعي القمح في لبنان، خالد شومان، “غياباً حكومياً عن ساحة الحماية والدعم للمزارعين”، مشيراً إلى “استعداد المزارعين لحصاد ما بين 50 و60 ألف طن من القمح من الأراضي المزروعة، والموزعة على مناطق بعلبك الهرمل، والبقاع الأوسط، والبقاع الغربي، والجنوب”، ويعبر عن أسفه لعدم القدرة على استخراج موسم الجنوب بسبب الوضع الأمني واستمرار الحرب والاعتداءات.

يؤكد شومان أن “إنتاج القمح للموسم الحالي جيد، ولكن الأسعار ضئيلة للغاية ولا تكافئ جهد المزارع اللبناني وإنفاقه”، متسائلاً “ما قيمة الإنتاج الوفير في ظل عدم تحقيق سعر جيد؟”، ويقارن بين “سعر القمح في السوق العالمية والسوق اللبنانية، إذ يبلغ سعر طن القمح في الخارج 350 دولاراً أميركياً، أما في لبنان فيكابد المزارع الأمرين لتصريفه عند عتبة 280 دولاراً بسبب تحكم المحتكرين وأصحاب المطاحن الكبرى في الأسعار في ظل غياب قرار رسمي لحماية المزارع ومساعدته في تصريف الإنتاج”.

ويشير شومان إلى أن الإنتاج المحلي يؤمن جزءاً من حاجات لبنان الاستهلاكية، فيما تستورد الكميات الإضافية من الخارج، إذ “يستهلك لبنان 500 ألف طن سنوياً من القمح، فيما يراوح الإنتاج المحلي ما بين 50 و60 ألف معظمها من القمح القاسي المستخدم في صناعة الباستا والمعكرونة والسميد، أي إن الإنتاج المحلي يشكل نحو 10 في المئة من إجمال الاستهلاك العام في البلاد”.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من هذا المنطلق يؤكد شومان “عدم وجود منافس أجنبي للإنتاج المحلي، لكن هناك سوء إدارة بسبب محدودية الإنتاج الزراعي المحلي الذي يحتاج إلى الدعم لتمكين المزارعين من الحفاظ على أرضهم وإحيائها عوضاً من تحويلها إلى أراض بوار”، مذكراً بأن “الدولة دعمت المطاحن بملياري دولار أميركي خلال موجة الدعم ولكن لم تنفق شيئاً لمساعدة المزارعين الصامدين، إذ يمكن لمليوني دولار فقط أن تصنع فرقاً على مستوى زراعة القمح في لبنان”.

ويوضح شومان أنه “في حال قرر لبنان دعم زراعة القمح، يمكن بلوغ مستوى 200 ألف دونم التي يمكن أن تعطي 100 ألف طن من القمح، وهي كمية غير كافية لتأمين كل الحاجات وتبلغ مستوى 20 في المئة، ولكنها قد تخفف من الاعتماد على الاستيراد”. وينتقد “نقيب مزارعي القمح” طرح “الزراعات البديلة” الذي يفتقر في رأيه إلى “الرؤية والمعرفة في أساسات الزراعة”، إذ يدعو البعض إلى زراعة أغراس تحتاج إلى الماء، فيما القمح يزرع في مناطق جافة، متطرقاً إلى “اعتماد المزارع اللبناني لنهج الدورة الزراعية، إذ يستأجرون أراضي، ويزرعونها على دورات متلاحقة، إذ لا يمكن المواظبة على زراعة البطاطا والخضراوات في بقعة معينة منعاً لتعفن التربة أو تعقيرها، ومن ثم يزرعون موسماً صيفياً كالخضراوات وموسماً شتوياً كالقمح والشعير”.

ويأسف شومان “كنا في يوم من الأيام إهراءات لروما، ولكننا اليوم نجاهد للاستمرار، ولم نشهد على الدعم الحقيقي إلا في عهد رئيس الحكومة السابق، رفيق الحريري، وقد تبعه في ذلك النهج من خلفوه في المنصب، قبل أن يتوقف الأمر نهائياً بعد حكومة رئيس الوزراء تمام سلام”.  

 

القمح المحاصر

خلال الأعوام القليلة الماضية، شهدت زراعة القمح تراجعاً ملحوظاً في لبنان، ويشكل سهل عكار شاهداً على تلك الظاهرة، حيث بدأت الخيام البلاستيكية وزراعة الخضراوات تنتشر على حساب الحبوب. ويلفت نقيب مزارعي الحبوب في عكار، خضر المايدا، إلى أن “زراعة القمح شهدت حقبة ذهبية وكانت السنابل تمتد إلى الأفق على مد البصر، ولكن المقادير انقلبت وباتت قطاعاً مهدداً فعلياً بالانقراض”، موضحاً أن “لا وجود لأي صورة من صور الدعم للقمح اللبناني، كذلك فإنه غير قادر على منافسة المنتج السوري الذي كان يدخل بكميات كبيرة من دون أي وازع، وهو ما أوقع المزارع العكاري تحت وطأة الخسارة الكبيرة”.

وينطلق المايدا من تجربة شخصية ويقول “في مرحلة من المراحل كان الواحد منا يزرع 20 هكتاراً، ولكن اضطر إلى تقليص المساحة إلى 5 هكتارات للحفاظ على استمرارية القطاع، ولكن بسبب الخسائر الفادحة اضطر كثر منا إلى التوقف عن الزراعة أو زرع هكتار أو اثنين من أجل إراحة الأرض”، ويشير إلى أن “ضمان هكتار الأرض (أي الاستئجار) يراوح ما بين 4 و5 آلاف دولار أميركي، ومردوده من القمح لا يتجاوز خمسة أطنان، وهي كمية لا تصل قيمتها إلى مستوى تسكير العجز، من هنا بات المزارع يبحث عن زراعة بديلة، ولجأ إلى الخيام البلاستيكية التي اجتاحت سهل عكار”.

يستعيد المايدا تجربة الماضي، ويروي أن عكار كانت تزرع آلاف الهكتارات من القمح وكانت تصل في بعض المواسم إلى 10 آلاف هكتار وعلى مساحات عظيمة من وادي خالد إلى سهل عكار، وكان مردود كل هكتار 6 أطنان من حبوب القمح خلال عقد السبعينيات من القرن الماضي، عندما بدأ هو مسيرته الزراعية إلى جانب والده، وتراجع الإنتاج حالياً إلى 5 آلاف طن فحسب، وهو رقم قليل مقارنة بما سبق.

ويرى أن “نقطة التحول كانت بانتقال المزارعين تدريجاً إلى البطاطا والبصل إلى جانب الحمضيات التي شغلت معظم أراضي سهل عكار التي تعتمد على تأجير الأراضي بصورة موسمية، ويتعاقب عليها مختلف أنواع الثمار والتنباك والخضراوات لقاء 4 آلاف دولار أميركي للهكتار. وباتت المساحة المزروعة بالقمح محدودة ولا تتجاوز الـ100 هكتار فقط بكامل السهل بعدما كانت 10 آلاف هكتار في بعض الأزمنة، ولولا أن تلك الأراضي قليلة المياه أو ذات ملوحة مرتفعة بسبب قربها للبحر، أو لوجودها في منطقة جبلية واستثمارها في الموسم الشتوي صعب، لما كان أصحابها لجأوا إلى زراعة القمح، وانتقلوا على غرار غيرهم إلى البيوت البلاستيكية أو حتى قاموا بزراعة الأفوكادو كما يفعل كثر من مزارعي السهل بسبب زيادة الطلب عليه”.

ويتطرق المايدا إلى توريد إنتاج القمح، ففي عقد التسعينيات كانت الدولة تتسلم غالبية إنتاج القمح القاسي والطري وتدعمه حفاظاً على البذور، وكانت بدورها تزود المطاحن والمخابز بالقمح المدعوم قبل أن يتلاشى الدعم، داعياً إلى إنصاف القمح مقارنة ببقية المزروعات على غرار ما يحصل مع التبغ، وهو ما يستغربه، “إذ إن الدولة تدعم ما يضر الإنسان وتحارب ما يفيده ويغذيه ويؤمن له الخبز”.

ويعتبر أن “هناك ضرورة للزراعة في ظل الحروب التي تحاصر العالم من كل الأطراف”، متأسفاً لأن “لبنان لا يعمل على قاعدة الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي، وإنما يستهدف خدمة المصالح الخاصة وكبار التجار والمحتكرين”، ويشير إلى أن “ما يصح على القمح ينسحب على كل الخضراوات، إذ تتخلف الدولة عن وضع أي رزنامة زراعية حمائية، وتسمح باستيراد السلع المنافسة في عز موسم الحصاد”. ويعتقد أن “المزارع لن يعود إلى زراعة القمح ما لم يتم تصريف كيلو القمح بدولارين، وما لم يحصل على دعم أكيد من الدولة لتغطية مصاريفه وأجرة هكتار الأرض، لأن المزارع على غرار كل التجار يحرص على تحقيق الربح ودفع الخسارة”، معولاً على “توجه وزير الزراعة نزار هاني لوضع رزنامة زراعية ودعم البذور”.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى