عالمي

لماذا لا يشعر المصريون بانخفاض التضخم؟

لماذا لا يشعر المصري بانخفاض التضخم، على رغم أن البيانات الرسمية تشير إلى تراجع حدته مقارنة بالمستويات القياسية التي سجلها خلال الأعوام الماضية؟ السؤال يبدو للوهلة الأولى متناقضاً، لكنه يكشف واحدة من أكثر النقاط حساسية في الاقتصاد المصري حالياً، انخفاض معدل التضخم لا يعني انخفاض الأسعار.

فالأسعار قد تستمر في الارتفاع، لكن بوتيرة أبطأ من السابق، وإذا ارتفع سعر سلعة من 100 جنيه إلى 120 جنيهاً، ثم ارتفع في العام التالي إلى 135 جنيهاً، فإن التضخم يتراجع من 20 في المئة إلى 12.5 في المئة، لكن المستهلك لا يعود إلى دفع 100 جنيه، السعر الجديد أصبح 135 جنيهاً، وهذا هو السبب الأساس في الفجوة ما بين ما تقوله مؤشرات التضخم وما يشعر به المواطن في حياته اليومية.

وفي مصر، تبدو هذه الفجوة أكثر وضوحاً بسبب موجة ارتفاع الأسعار الكبيرة التي مرت بها البلاد خلال الأعوام الماضية، والتي رفعت مستوى أسعار الغذاء والسكن والنقل والخدمات إلى مستويات أعلى بكثير من السابق.

إعلان

التضخم يتباطأ… لكن الأسعار لا تتراجع

أحدث البيانات تشير إلى أن التضخم الحضري السنوي ارتفع إلى 14.9 في المئة خلال يوليو (تموز) الماضي، مقابل 14.3 في المئة في يونيو (حزيران) الماضي، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

وهنا تظهر المفارقة: حتى مع تسجيل التضخم معدلات أقل كثيراً من ذروة الأزمة التي شهدتها مصر، فإن ذلك لا يعني أن الأسعار بدأت رحلة هبوط واسعة.

وكان البنك المركزي المصري قد أعلن أن التضخم الحضري السنوي سجل 14.3 في المئة في يونيو الماضي، بينما بلغ التضخم الأساس، الذي يستبعد بعض العناصر شديدة التقلب، 14.3 في المئة أيضاً، وفي الوقت نفسه انخفض التضخم الحضري الشهري 0.4 في المئة خلال يونيو الماضي.

لكن انخفاض الأسعار في شهر واحد، أو تباطؤ معدل الزيادة السنوية، لا يمحو الارتفاعات التي تراكمت في الأعوام السابقة.

انخفاض التضخم لا يمحو خسائر القوة الشرائية

وهذا يعني أن المواطن قد يسمع أن التضخم انخفض، ثم يذهب إلى السوق ليجد أن سعر الطعام أو النقل أو الإيجار لم يعد إلى ما كان عليه قبل عامين أو ثلاثة أعوام.

ولتوضيح الصورة أكثر توجهت “اندبندنت عربية” إلى محللين ومتخصصين لتفسير هذا الأمر، فيرى رئيس لجنة الخطة والموازنة بالبرلمان المصري الدكتور فخري الفقي أن تفسير استمرار شعور المصريين بارتفاع كلفة المعيشة على رغم تراجع معدلات التضخم يرتبط بتراكم موجات الغلاء خلال الأعوام الماضية، إذ إن تباطؤ التضخم يعني انخفاض سرعة ارتفاع الأسعار، وليس عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة.

وقال الفقي إن “متوسط التضخم خلال الأعوام الثلاثة الماضية بلغ نحو 34 في المئة، مقابل زيادات في الدخول بمتوسط يقارب 15 في المئة، مما أدى إلى تآكل القوة الشرائية بنحو 37 في المئة”.

بالتالي، فإن المواطن يقارن دخله الحالي بأسعار السلع والخدمات التي أصبحت أعلى بكثير من مستويات ما قبل موجة التضخم، وليس بمعدل التضخم الحالي فحسب.

ومن هذه الزاوية، فإن تحسن المؤشر الرسمي يحتاج إلى فترة أطول حتى يتحول إلى تحسن ملموس في مستوى المعيشة، خصوصاً لدى الأسر التي تذهب النسبة الأكبر من دخلها إلى الغذاء والسكن والنقل.

المؤشرات تتحسن لكن الإحساس بها يحتاج إلى وقت

في المقابل، يرى أستاذ الإدارة والاستثمار الدكتور محمد الشوادفي أن تراجع التضخم يمثل مؤشراً إيجاباً على تحسن القوة الشرائية، لكنه أشار إلى أن شعور المواطن بهذا التحسن يرتبط بحجم الانخفاض في معدلات التضخم وسرعة انتقال أثره إلى الأسواق.

وتدعم البيانات الرسمية جانباً من هذا الطرح، فقد سجل التضخم السنوي لحضر مصر 14.3 في المئة خلال يونيو الماضي، مقابل 14.6 في المئة خلال مايو (أيار) الماضي، بينما انخفضت الأسعار على أساس شهري 0.4 في المئة، لكن البنك المركزي يتوقع ارتفاع التضخم مجدداً خلال الربع الثالث قبل أن يستأنف مساره النزولي تدريجاً.

والخلاف هنا ليس حول ما إذا كان التضخم يتراجع، بل حول متى يشعر المواطن بنتائج هذا التراجع، فالمؤشرات الكلية قد تتحسن قبل أن تستعيد الأسر قدرتها الشرائية التي فقدتها خلال أعوام ارتفاع الأسعار.أأألأأ

الفرق بين التضخم ومستوى الأسعار

يمكن تبسيط المسألة في ثلاثة مفاهيم، هي التضخم ومستوى الأسعار والقوة الشرائية.

فالتضخم هو معدل التغير في الأسعار، بينما مستوى الأسعار هو القيمة الفعلية التي يدفعها المستهلك للحصول على السلعة أو الخدمة، أما القوة الشرائية فهي كمية السلع والخدمات التي يستطيع الدخل نفسه شراءها.

بالتالي، يمكن أن ينخفض التضخم من 30 إلى 15 في المئة، ويكون ذلك تطوراً إيجاباً من الناحية الاقتصادية، لكن المواطن يظل يعاني إذا كانت الأسعار ارتفعت بالفعل إلى مستويات أعلى بكثير من دخله السابق.

وهذه النقطة مهمة للغاية في قراءة الاقتصاد المصري، لأن المواطن لا يشتري “معدل التضخم”، وإنما يشتري الطعام ويدفع الإيجار والكهرباء والمواصلات والدواء والتعليم، لذلك فإن إحساسه بالاقتصاد يرتبط بمستوى الأسعار مقارنة بدخله، وليس بمؤشر التضخم وحده.

لماذا يبدو الغذاء أكثر تأثيراً؟

هناك سبب آخر يجعل المصري يشعر بغلاء أكبر من الرقم الرسمي أحياناً، وهو اختلاف سلة الاستهلاك بين الأسر.

فالأسرة محدودة الدخل تنفق نسبة كبيرة من دخلها على الغذاء والسكن والنقل، بينما قد ينفق أصحاب الدخول المرتفعة نسبة أكبر على الخدمات والترفيه والاستثمار.

ومن ثم، فإن ارتفاع أسعار سلعة أساس مثل الغذاء أو الكهرباء قد يكون تأثيره في أسرة محدودة الدخل أكبر بكثير من تأثير ارتفاع سلعة أخرى ذات وزن أقل في موازنتها.

وتظهر البيانات الرسمية أن الضغوط التضخمية لم تختفِ تماماً، حتى مع التراجع الكبير الذي شهدته معدلات التضخم مقارنة بذروة الأزمة.

وفي يونيو الماضي، على سبيل المثال، أسهم انخفاض أسعار عدد من مكونات الغذاء في دفع التضخم الشهري إلى المنطقة السالبة، إذ تراجعت أسعار الغذاء والمشروبات 3.7 في المئة، وانخفضت أسعار الخضراوات 12.1 في المئة، واللحوم والدواجن 6.4 في المئة.

لكن هذه الانخفاضات الشهرية لا تعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستوياتها القديمة، بل تعني أن بعض الأسعار انخفضت من مستوى مرتفع إلى مستوى أقل قليلاً.

ذاكرة الأسعار أقوى من الأرقام

هناك عامل نفسي واقتصادي مهم أيضاً، (ذاكرة الأسعار)، فالمستهلك الذي كان يشتري سلعة بسعر معين قبل أعوام عدة يتذكر السعر القديم، حتى إذا ارتفع التضخم لاحقاً ثم تباطأ.

فعلى سبيل المثال، إذا ارتفع سعر سلعة من 50 جنيهاً إلى 100 جنيه، ثم استقر عند 110 جنيهات، فإن التضخم قد يصبح منخفضاً للغاية بعد ذلك، لكن المستهلك سيظل يشعر بأن السلعة “غالية”، لأن السعر لم يعد إلى 50 جنيهاً.

وهذا يفسر جزئياً لماذا يمكن أن تتحدث الحكومة والبنك المركزي عن تحسن مسار التضخم، بينما تستمر الشكوى الشعبية من غلاء المعيشة، المؤشر يقيس سرعة الارتفاع، بينما المواطن يقارن السعر الحالي بالسعر الذي اعتاد دفعه.

الدخل هو النصف الآخر من المعادلة

لا يمكن تحليل شعور المصري بالغلاء من دون النظر إلى تطور دخله، فحتى إذا ارتفعت الأجور اسمياً، فإن السؤال الأهم هو هل ارتفعت القوة الشرائية لهذه الأجور بالقدر نفسه؟

إذا ارتفع راتب الموظف 20 في المئة، بينما ارتفعت كلفة السلع والخدمات التي يشتريها بأكثر من ذلك، فإن الزيادة الاسمية في الراتب لا تعني بالضرورة تحسناً في مستوى المعيشة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولهذا، فإن التضخم الحقيقي بالنسبة إلى الأسرة ليس دائماً الرقم المنشور في العناوين، وإنما الفارق بين نمو دخلها ونمو كلفة سلة مشترياتها.

وهنا تتضح أهمية التضخم الأساس أيضاً، إذ بلغ 14.7 في المئة في يوليو الماضي وفق بيانات البنك المركزي، مقارنة بـ14.3 في المئة في يونيو من العام نفسه.

لماذا لا يكفي خفض التضخم؟

الاقتصاد يحتاج في النهاية إلى الانتقال من مرحلة إبطاء ارتفاع الأسعار إلى مرحلة أكثر عمقاً تتمثل في زيادة الدخول الحقيقية وتحسين الإنتاجية وزيادة المعروض من السلع والخدمات.

فإذا نجحت السياسة النقدية في خفض التضخم، فهذا يعني أن الاقتصاد بدأ يتخلص تدريجاً من موجة ارتفاع الأسعار السريعة، لكنه لا يعني تلقائياً أن القوة الشرائية عادت إلى مستويات ما قبل الأزمة.

وهنا تكمن صعوبة المرحلة المقبلة بالنسبة إلى صانع السياسة الاقتصادية، فالبنك المركزي المصري يتبع سياسة نقدية لا تزال مقيدة، وقد أبقت لجنة السياسة النقدية في يوليو الماضي أسعار الفائدة عند 19 في المئة للإيداع و20 في المئة للإقراض و19.5 في المئة لسعر العملية الرئيسة.

ويرى البنك المركزي أن الضغوط التضخمية الناتجة من الطلب تظل محدودة على المدى القصير، ويتوقع أن يتراجع التضخم تدريجاً بعد موجة ارتفاع خلال الربع الثالث من العام، وصولاً إلى معدلات أحادية الرقم، مع الاقتراب من الهدف البالغ سبعة في المئة، بهامش زائد أو ناقص نقطتين مئويتين، خلال النصف الثاني من عام 2027.

الاقتصاد يتحسن… لكن الطريق إلى جيب المواطن أطول

المفارقة الأخرى أن تحسن المؤشرات الكلية لا ينتقل بالسرعة نفسها إلى حياة الأسر، فصندوق النقد الدولي يتوقع نمو الاقتصاد المصري 4.6 في المئة في عام 2026، لكنه يشير أيضاً إلى أن تأثير الصراع الإقليمي يظهر بصورة أكبر في النشاط الاقتصادي في العام المالي 2026/2027 من خلال ضعف الاستثمار وارتفاع كلفة التمويل وزيادة حال عدم اليقين.

وفي الوقت نفسه، يؤكد الصندوق أن الاقتصاد المصري شهد تحسناً في العام المالي 2024/2025، عندما نما الناتج المحلي الإجمالي 4.4 في المئة، مقارنة بـ2.4 في المئة في العام السابق، مدعوماً بأداء قطاعات التصنيع والنقل والتمويل والسياحة.

لكن نمو الناتج المحلي لا يعني تلقائياً أن كل الأسر أصبحت أكثر قدرة على شراء حاجاتها، فالنمو يقيس توسع النشاط الاقتصادي، بينما القوة الشرائية تقيس ما يستطيع الفرد أو الأسرة شراءه فعلياً من هذا النشاط.

المشكلة ليست في التضخم وحده

لذلك، فإن الإجابة عن سؤال “لماذا لا يشعر المصري بانخفاض التضخم؟” لا تكمن في اتهام الأرقام الرسمية بعدم التعبير عن الواقع، ولا في القول إن المواطن لا يفهم معنى التضخم.

فالرقم الرسمي يقيس تغيراً في سلة واسعة من السلع والخدمات وفق منهجية محددة، بينما الأسرة تعيش تجربة اقتصادية شخصية تختلف بحسب دخلها ومكان إقامتها وحجم إنفاقها ونمط استهلاكها.

ولهذا يمكن أن يكون التضخم في طريقه إلى الانخفاض، وفي الوقت نفسه يشعر ملايين المصريين بأن المعيشة لا تزال صعبة.

فالاقتصاد لا يحتاج فحسب إلى تضخم أقل، وإنما إلى فترة طويلة من استقرار الأسعار، ونمو حقيقي في الدخول، وزيادة الإنتاج، وتحسن فرص العمل، وانخفاض كلفة الخدمات الأساس، وعندها فحسب يبدأ المواطن في ملاحظة التحسن في المؤشرات الاقتصادية داخل موازنة أسرته.

الخلاصة أن انخفاض التضخم هو بداية الطريق وليس نهايته، فالمطلوب ليس فحسب أن ترتفع الأسعار ببطء، وإنما أن تتوقف موجة ارتفاعها، ثم تنمو الدخول بوتيرة أسرع من كلفة المعيشة، حتى تتحول “المؤشرات الجيدة” من أرقام في التقارير إلى تحسن ملموس في حياة المصريين.

وفي هذا السياق، تظل مهمة السياسة الاقتصادية المصرية مزدوجة، تثبيت توقعات التضخم والحفاظ على الاستقرار النقدي من جهة، وخلق الظروف التي تسمح بزيادة الإنتاج والدخول الحقيقية من جهة أخرى.

وهذه هي النقطة التي ستحسم في النهاية ما إذا كان المواطن سيبدأ بالفعل في الشعور بانخفاض التضخم، لا مجرد قراءة انخفاضه في البيانات.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى