عالمي

على رغم التشاؤم… الاقتصاد البريطاني يبدي صمودا لافتا

جاهز للاستماع
جاهز للاستماع
جاهز للاستماع

قولوا ذلك همساً، لكن الاقتصاد البريطاني يسير… على نحو جيد إلى حد ما. المشكلة أن الواقع لا يبدو كذلك.

قد تكفي نظرة سريعة إلى الأخبار لترسيخ هذا الانطباع القاتم. أسواق السندات تضطرب، وتدفع كلفة اقتراض بريطانيا إلى أعلى مستوى لها منذ 19 عاماً. وتبدو معدلات الرهن العقاري في طريقها إلى بلوغ سبعة في المئة. والجميع قلق مما قد تتضمنه أول موازنة يقدمها جون هيلي، ولا سيما آندي بورنهام.

لكن المؤشرات الاقتصادية ترسم في الواقع صورة أكثر تفاؤلاً بكثير: الاقتصاد ينمو.

إعلان

أصدرت وكالة “ستاندرد أند بورز” للتو آخر تحديثاتها لمؤشرات مديري المشتريات (PMI) عن أغسطس (آب) الماضي، وهي سلسلة من المؤشرات التي تراقب اتجاه الاقتصاد وتقدم إشارات مبكرة إلى ما قد يحدث فيه. وتستند هذه المؤشرات إلى ردود مسؤولي سلاسل الإمداد ومديري المشتريات والتنفيذيين المعنيين بالشراء في القطاع الخاص. وتنقسم إلى ثلاثة مؤشرات، أحدها للخدمات وآخر للتصنيع وثالث للبناء. وباستثناء قطاع البناء، وهو الأصغر بين القطاعات الثلاثة الذي ظل عالقاً في حال ركود منذ أشهر، فإن المؤشرين الآخرين يشيران إلى نمو.

وسجل قطاع الخدمات، وهو بفارق كبير القطاع الأكبر والأهم في الاقتصاد، ويشمل كل شيء من مصارف حي المال في لندن إلى متجر البقالة في الأحياء الصغيرة، 52.5 نقطة، علماً أن أي قراءة تتجاوز 50 نقطة تعني نمو القطاع. وهذه أفضل قراءة له منذ أبريل (نيسان) الماضي، كذلك تمثل تحسناً عن مستوى يوليو (تموز) الماضي البالغ 52.1 نقطة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإذا تعمقنا في تفاصيل تقرير “ستاندرد أند بورز”، سنجد مستوى مفاجئاً من التفاؤل لدى الشركات، بلغ أعلى مستوياته منذ فبراير (شباط) الماضي. وفي الوقت نفسه أسهم تحسن المبيعات في تخفيف خطط المديرين لخفض أعداد الموظفين.

أما قطاع التصنيع، فيواصل النمو منذ خمسة أشهر. لقد تراجعت قراءته قليلاً في أغسطس، من 51.9 نقطة في يوليو إلى 51.7 نقطة، لكن التعمق في الأرقام يكشف مجدداً ارتفاع مستويات الإنتاج مدفوعة بتلقي طلبيات جديدة.

وأشارت “ستاندرد أند بورز” أيضاً إلى تحسن طلب العملاء المحليين والخارجيين. وازداد عدد الوظائف بأسرع وتيرة له منذ عامين، فيما بلغ التفاؤل بالعام المقبل أعلى مستوياته في ستة أشهر.

وما لبث أن أعقب ذلك ورود نبأ أفاد بارتفاع وتيرة تسجيل السيارات الجديدة بنسبة 13.7 في المئة، إلى 94236 في أغسطس، وفق بيانات جمعية مصنعي وتجار السيارات. وعادة ما يكون أغسطس شهراً هادئاً في سوق السيارات، إذ يفضل كثير من المشترين الانتظار حتى سبتمبر (أيلول) الجاري، موعد صدور أرقام تسجيل جديدة للسيارات.

فمن يعتقد أن وضعه المالي على وشك الانهيار لن يسارع إلى شراء سيارة جديدة، وهذا ينطبق على الشركات والأفراد على حد سواء.

ويمكنني أن أضيف إلى ذلك مسحين اقتصاديين مهمين آخرين، أحدهما عن ثقة المستهلكين أجرته مؤسسة “جي أف كي” GfK، والآخر عن ثقة الشركات أجراه “معهد المديرين” Institute of Directors. وظل المؤشران في المنطقة السلبية بوضوح لما يبدو أنه دهر كامل، لكنهما بدآ يتحسنان.

سجل مؤشر “جي أف كي” سالب 14 نقطة، وهي أفضل قراءة له منذ عامين، على رغم الأخبار القاتمة المتعلقة بالرهون العقارية وأزمة غلاء المعيشة. أما قراءة معهد المديرين، التي لا تزال محبطة عند سالب 49 نقطة، فمثلت مع ذلك تحسناً ملحوظاً مقارنة بسالب 63 نقطة في يوليو. كذلك أظهرت معظم المؤشرات الفرعية، ومنها توقعات الاستثمار وتقديرات الإيرادات وغيرها، تحسناً وإن كان محدوداً.

تحمل النتائج أيضاً رسالة إلى رئيس الوزراء بيرنهام ووزير المالية هيلي. عندما سئل قادة الأعمال عن أبرز العوامل التي تعوق النمو، وضعوا عدم اليقين الضريبي في المرتبة الأولى بنسبة 58 في المئة، وعدم اليقين حيال السياسات عموماً في المرتبة الثانية بنسبة 55 في المئة. وسنعود إلى ذلك بعد قليل.

ما تخبرنا به هذه البيانات هو أن قطاع الأعمال البريطاني أكثر قدرة على الصمود مما توقعه أي شخص تقريباً، في مواجهة الرياح المعاكسة القوية التي يواجهها. ومن الواضح أن هذه الرواية المتفائلة نسبياً ليست الرواية التي اعتدنا سماعها، لكن لا ينبغي أن ننخدع بها، فاستمرار هذا الأداء ليس مضموناً.

تثير معظم المسوح التي ذكرتها مسألة ارتفاع الكلف وتحذر من زيادة الأسعار. وهذا تحديداً مما يوليه أعضاء لجنة السياسة النقدية في بنك إنجلترا، المسؤولة عن تحديد معدلات الفائدة، اهتماماً وثيقاً. فأي رفع للفائدة يمكن أن يخرج الاقتصاد سريعاً عن مساره الحالي، وهو ليس في وضع من القوة يسمح له بتحمل مثل هذه الضربة بسهولة.

ويستطيع وزير الخزانة جون هيلي أن يضر بفرص استمرار هذا التحسن. وكما أشرنا، يكشف استطلاع معهد المديرين مدى حساسية الشركات تجاه زيادات الضرائب. فقد سبق أن تحملت الشركات عبئاً ضريبياً ثقيلاً في عهد رايتشل ريفز، التي اختارت سد فجوة في المالية العامة من خلال فرض مزيد من الضرائب على الوظائف. وأضر الارتفاع الحاد في الحد الأدنى للأجور بسوق العمل، وقد يتكرر هذا الضرر، فضلاً عن أنه يزيد من صعوبة دخول الشباب إلى سوق العمل، بعدما دفعتهم بالفعل سياسات حكومية حسنة النية لكنها مضللة إلى خارجها عملياً.

من الطبيعي أن يرغب حزب العمال في تصوير هذه الأرقام الاقتصادية المشجعة، التي تحققت في ظل ظروف صعبة، باعتبارها دليلاً على أن ارتداد بيرنهام بدأ يكتسب زخماً. لست متأكداً من أن هذا التوصيف دقيق تماماً، لكن هكذا يتصرف السياسيون.

ومع ذلك، سيستحق بيرنهام وهيلي الإشادة فعلاً إذا تمكنا من الحفاظ على هذا الزخم. نعم، في وسعهما إلحاق الضرر بالاقتصاد، لكن في وسعهما أيضاً المساعدة في رعاية هذه البراعم الخضراء الهشة للنمو حتى تترسخ. ومع ترجيح أن يبدأ بنك إنجلترا، عاجلاً أم آجلاً، في الضغط على المكابح، يتعين عليهما التركيز على تحقيق ذلك.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى