عالمي

صندوق النقد الدولي يدعو الحكومات إلى التخلي عن الدعم

جاهز للاستماع
جاهز للاستماع
جاهز للاستماع

قال صندوق النقد الدولي إن الارتفاعات المفاجئة في أسعار الغذاء والطاقة والاحتياجات الأساسية الأخرى أصبحت مصدراً متكرراً للضغوط الاقتصادية والاجتماعية في مختلف البلدان، في ظل تعرض الاقتصاد العالمي بصورة متزايدة للتوترات الجيوسياسية والاضطرابات المرتبطة بالمناخ وصدمات الإمدادات الأخرى.

وأشار الصندوق إلى أن صانعي السياسات يواجهون اليوم معضلة متنامية تتمثل في كيفية حماية الأسر الأكثر ضعفاً، مع الحفاظ على قدرة الأسعار على عكس أوضاع العرض والطلب، وضمان استدامة المالية العامة، وصون الاستقرار الاقتصادي الكلي.

ويشير الفصل الثاني، الذي حمل عنوان “التعامل مع عالم عرضة للصدمات”، وهو جزء من تقرير “آفاق الاقتصاد العالمي”، الذي يستعد  الصندوق للإطلاقه بالكامل يوم غد الثلاثاء في اليوم الثاني للاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لعام 2026 في العاصمة التايلاندية بانكوك، إلى أن ارتفاع كلفة المعيشة أصبح مصدر قلق رئيساً للأسر في أنحاء واسعة من العالم خلال الأعوام الأخيرة، خصوصاً بعد الزيادات الحادة في أسعار الاحتياجات الأساسية، بما يشمل الغذاء والنقل ونفقات السكن والمرافق المرتبطة بالطاقة.

إعلان

وأشار الصندوق  إلى أن هذه الزيادات جاءت عقب اضطرابات كبيرة في أسواق السلع العالمية، من بينها التداعيات التي أعقبت الحرب الروسية في أوكرانيا عام 2022، والتوترات المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط هذا العام.

وقال إنه على رغم أن الأزمات التي تشهد قفزات حادة في أسعار الاحتياجات الأساسية ليست متكررة على نحو دائم، فإنها ليست غير مسبوقة، إذ شكلت أزمة الغذاء العالمية في عامي 2007 و2008 إحدى أبرز الحالات السابقة.

الأسر محدودة الدخل الأكثر تضرراً

أوضح الصندوق أن الطلب على السلع والخدمات الأساسية، التي لا تستطيع الأسر الاستغناء عنها بسهولة، يتسم بمرونة محدودة تجاه الأسعار، ولذلك فإن الارتفاعات المفاجئة، حتى إن كانت موقتة، قد تتسبب في خسائر كبيرة في مستوى معيشة الأسر، خصوصاً عندما لا تتمكن من الاقتراض أو استخدام مدخراتها السائلة لتعويض الزيادة في النفقات.

وقال إن الأسر منخفضة الدخل هي من تتحمل الحصة الأكبر من هذه الأعباء، لأنها تخصص نسبة أعلى من إنفاقها لتلبية الاحتياجات الأساسية، مما يجعلها أكثر عرضة لضغوط غلاء المعيشة مقارنة بالأسر الأعلى دخلاً.

وحذر الصندوق من أن هذه التداعيات لا تقتصر التداعيات على مستويات المعيشة، إذ يمكن لهذه الأزمات أن تهدد الاستقرار الاقتصادي الكلي من خلال تأثيرها في التضخم العام وتوقعات التضخم وثقة المستهلكين.

ومع إمكان أن تتحول في كثير من الأحيان إلى أحداث اجتماعية وسياسية بارزة، تدفع الحكومات إلى اتخاذ تدابير طارئة ومكلفة، حتى عندما تكون مواردها المالية محدودة.

الدعم وتحديد الأسعار يخضعان لضغوط سياسية

أشار الصندوق إلى أنه خلال أزمة غلاء المعيشة في عامي 2022 و2023، لجأت دول كثيرة إلى مجموعة من التدابير بالتوازي مع تشديد السياسات النقدية، شملت التحويلات المالية للأسر، وتحديد سقوف للأسعار، وتقديم الدعم، وخفض الضرائب، وفرض قيود على الصادرات.

وقال إن هذه الإجراءات اتخذت في كثير من الأحيان بسرعة، وسط ضغوط سياسية متزايدة واحتجاجات شعبية، واعتمدت إلى حد كبير على تدابير واسعة النطاق لا تستهدف الفئات الأكثر تضرراً بصورة دقيقة، خلافاً للتوصيات التقليدية للسياسات الاقتصادية.

وتشير التدابير المتخذة خلال عام 2026 إلى نمط مماثل، في وقت تسعى الحكومات إلى احتواء التداعيات الاجتماعية للارتفاعات الحادة في الأسعار.

وقال الصندوق إن دوافع التدخل الحكومي لا تقتصر على الاعتبارات السياسية والتوزيعية، بل تشمل أيضاً مخاوف اقتصادية، إذ قد تؤدي الزيادات الكبيرة في الأسعار الأساسية إلى زعزعة استقرار توقعات التضخم، وإطلاق موجات إضافية من ارتفاع الأسعار، والتأثير سلباً في ثقة المستهلكين.

التحويلات النقدية الموجهة الخيار الأكثر فاعلية

مع تزايد تعرض الاقتصاد العالمي للصدمات، شدد صندوق النقد على أهمية فهم كيفية استجابة الحكومات لأزمات غلاء المعيشة، من خلال الموازنة بين حماية الأسر الأكثر ضعفاً على استقرار الاقتصاد والمالية العامة.

وأوضح أن التحويلات النقدية الموقتة والموجهة إلى الفئات الأكثر تضرراً هي الوسيلة الأكثر فاعلية لحمايتها من القفزات في أسعار الاحتياجات الأساسية، مع إتاحة المجال للتكيف الضروري في الطلب والحفاظ على الموارد المالية الحكومية.

وفي المقابل، أشار الصندوق إلى أن توفير المستوى نفسه من الحماية عبر تدابير كبح الأسعار قد يتطلب موارد مالية تراوح ما بين ثلاثة أضعاف و22 ضعفاً مقارنة بالتحويلات النقدية الموجهة.

وحذر من إمكان أن تفقد هذه التدابير فاعليتها عندما تكون الحيز المالي المتاح للحكومات محدوداً، أو عندما تلجأ دول كثيرة إلى تقديم الدعم في الوقت نفسه.

وشدد على أن الاستجابة الفاعلة لا تقتصر على اختيار أداة واحدة، بل تستلزم تقييم الظروف التي تستدعي التدخل، وكلفة كل إجراء، ومدى وصوله إلى الأسر المتضررة، وتأثيره في الطلب والأسعار والموازنة العامة.

اختلاف سياسات الدعم بين الاقتصادات

أشار الصندوق إلى أن صانعي السياسات في الماضي اعتمدوا على نطاق واسع على تدابير شاملة لا تستهدف الفئات الأكثر احتياجاً تحديداً، لكن طبيعة هذه التدخلات اختلفت بين الدول.

ووفق دراسة الصندوق في هذا الفصل، مالت الاقتصادات المتقدمة إلى استخدام تدابير مرتبطة بالأسعار في مراحل قريبة من المستهلك النهائي، مثل الخفوض الموقتة في ضريبة القيمة المضافة أو الضرائب الانتقائية، إلى جانب تقديم دعم مباشر للدخل من خلال التحويلات النقدية والإجراءات الضريبية.

في المقابل، اعتمدت اقتصادات الأسواق الناشئة والبلدان النامية منخفضة الدخل بدرجة أكبر على إعانات المنتجين، وضوابط الأسعار، وخفض الرسوم الجمركية، فضلاً عن الزيادات العامة في الأجور والمعاشات التقاعدية.

ويرجح الصندوق أن تعكس هذه الاختلافات محدودية قدرة المجموعة الثانية من الدول على تحديد الأسر الهشة، والوصول إليها عبر أنظمة التحويلات النقدية الموجهة.

خيارات أصعب أمام الاقتصادات الناشئة والنامية

قال صندوق النقد الدولي إن اقتصادات الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية تواجه اليوم مفاضلات أكثر صعوبة في السياسات مقارنة بالاقتصادات المتقدمة، فبسبب ارتفاع حصة الغذاء والاحتياجات الأساسية الأخرى من إنفاق الأسر، قد تكون كلفة تقديم الدعم للفئات الهشة أعلى بصورة ملاحظة في هذه الاقتصادات، مما يعزز أهمية التدخلات الموجهة.

وأضاف “عندما تكون قدرة الحكومات على الإنفاق محدودة، تزداد الميزة النسبية للتحويلات النقدية الموجهة من حيث الكفاءة، في حين قد تتجاوز الأعباء المالية الناجمة عن الإعانات واسعة النطاق منافعها قصيرة الأجل للفئات الأكثر هشاشة”.

وأشار إلى أن هذه الاقتصادات، لا سيما البلدان النامية منخفضة الدخل، اعتمدت في الأزمات السابقة على نطاق واسع على التدخلات الشاملة، وهو ما يرجح أن يعكس محدودية البنية التحتية لأنظمة الحماية الاجتماعية لديها.

وقال إن التحدي الأساس أمام الحكومات يتمثل في الاستعداد لصدمات أكثر تكراراً، من دون اللجوء تلقائياً إلى إجراءات واسعة ومكلفة قد تستنزف الموارد العامة أو تعطل إشارات الأسعار الضرورية لإعادة التوازن للأسواق.

وأضاف أن أزمات غلاء المعيشة تتمتعان  بخاصيتين تجعلان آثارها أشد من تداعيات موجات التضخم الأخرى، إذ يتسم الطلب على الاحتياجات الأساسية بمرونة منخفضة للغاية، ولا يستطيع المستهلكون بسهولة استبدال هذه السلع والخدمات ببدائل أخرى أو تأجيل شرائها إلى حين انخفاض أسعارها، في حين تستحوذ الاحتياجات الأساسية على حصة كبيرة من إنفاق الأسر، خصوصاً الأسر منخفضة الدخل.

في الاقتصاد المتقدم الوسيط، تمثل هذه الاحتياجات نحو50  في المئة من إجمال استهلاك الأسر مرتفعة الدخل، في مقابل 70 في المئة لدى الأسر منخفضة الدخل.

أما في البلد النامي منخفض الدخل الوسيط، فتبلغ النسبتان نحو 70 في المئة للأسر مرتفعة الدخل و80 في المئة للأسر منخفضة الدخل.

وتشير هذه الخصائص مجتمعة، وفقاً للصندوق، إلى أن أزمات غلاء المعيشة قد تخلف تداعيات أشد على الرفاه والتوزيع الاقتصادي من الصدمات التي تؤدي إلى ارتفاع الأسعار بصورة عامة.

توصيات لتصميم إجراءات الدعم

رصد الصندوق تداعيات واضحة في تصميم إجراءات التدخل وتسلسل تطبيقها عندما ترى الحكومات ضرورة حماية الأسر الأكثر هشاشة.

وأشار إلى أنه عندما تواجه الدول صدمة كبيرة في جانب العرض تؤدي إلى ارتفاع ملاحظ في أسعار الغذاء أو الطاقة، ينبغي لصانعي السياسات السعي إلى الحفاظ على الإشارات السعرية، بما يشجع التكيف المطلوب في الطلب لاستعادة التوازن في الأسواق.

أما عندما تكون المساعدة ضرورية، فشدد صندوق النقد على ضرورة أن تكون موقتة، وأن تقدم أساساً من خلال إجراءات دعم الدخل الموجهة إلى الأسر الأكثر هشاشة، ويفضل الاستفادة من أنظمة الحماية الاجتماعية القائمة التي يمكن توسيع نطاقها بسرعة.

وقال إنه نظراً إلى أن التدابير الشاملة أعلى كلفة بكثير من الدعم الموجه، ينبغي حصر استخدامها في الظروف الاستثنائية التي تصبح فيها الصدمات شديدة ومزعزعة للاستقرار، وبشرط توافر حيز مالي يسمح بذلك.

قد تستدعي المخاوف الحادة المتعلقة بالأمن الغذائي وأخطار الاضطرابات الاجتماعية توسيع نطاق الدعم ليشمل فئات تتجاوز الأسر الأشد فقراً، خصوصاً عندما يصعب تحديد الأسر المستحقة، أو عندما تجعل القيود الإدارية تطبيق الدعم الموجه غير ممكن أو باهظ الكلفة.

لكن حتى في هذه الحالات، ينبغي أن تظل المساعدات موجهة قدر الإمكان، وأن تحدد قيمتها على أساس الجزء الموقت من الزيادة في الأسعار، لا على أساس الأسعار التي ارتفعت بصورة دائمة.

شدد الصندوق على ضرورة أن تستند سخاء المساعدات إلى متوسط أثر الصدمة في الأسر منخفضة الدخل، وقال عندما يصبح التدخل في الأسعار أمراً لا مفر منه، يجب أن يقتصر على السلع والخدمات التي تستهلكها الفئات الهشة بنسبة أكبر، مع الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الإشارات السعرية الأساسية.

وفي جميع الحالات، شدد الصندوق مجدداً على ضرورة أن تكون التدخلات موقتة، وأن تقترن بإعلان واضح ومسبق عن موعد انتهائها.

الاستثمار في الحماية الاجتماعية

في عالم تزداد فيه احتمالات التعرض للصدمات، وقد تصبح أزمات غلاء المعيشة أكثر تكراراً واتساعاً، تؤكد نتائج الصندوق أهمية الاستثمار في البنية المالية والإدارية اللازمة لتقديم الدعم الموجه.

وأشار الصندوق إلى أنه يمكن لأنظمة الحماية الاجتماعية الأقوى أن تعزز فاعلية الاستجابة للأزمات، وتقلل الاعتماد على التدابير الطارئة مرتفعة الكلفة وضعيفة الاستهداف، وتحافظ على الحيز المالي الضروري لمواجهة الأزمات المستقبلية.

وخلص الصندوق إلى أن بناء هذه القدرات لا يقتصر على تحسين الاستجابة الفورية لارتفاع الأسعار، بل يساعد أيضاً في الحد من الأعباء المالية طويلة الأجل، مع ضمان وصول المساعدات إلى الأسر التي تحتاج إليها فعلاً.

تأثير خفض الضرائب الممول بالديون

أطلق الصندوق الفصل الثالث من تقرير “آفاق الاقتصاد العالمي”، الذي يرصد تداعيات السياسات الضريبية عبر الحدود، محذراً من تأثير خفض الضرائب الممول بالديون في الاقتصادات الأخرى والاستثمار العام.

وحمل الفصل الثالث من التقرير عنوان “غير ملموسة لكنها حقيقية: التداعيات العابرة للحدود لضرائب دخل الشركات”، وتناول كيف غيرت العولمة وتوسع الشركات متعددة الجنسيات وتزايد أهمية الأصول غير الملموسة مشهد الضرائب على الشركات.

وقال الصندوق إن تشديد قواعد مكافحة التجنب الضريبي يحد من نقل الأرباح إلى الدول منخفضة الضرائب، بينما أصبحت الاستثمارات الفعلية أكثر حساسية للفروق في معدلات الضرائب، محذراً من أن آثار خفض الضرائب تعتمد على طريقة تمويله.

تراجع الحوافز لنقل الأرباح

وفقاً لصندوق النقد، أدى توسع الإنتاج عبر الحدود، وصعود الشركات متعددة الجنسيات، وتزايد أهمية الأصول غير الملموسة، إلى إحداث تحولات في المشهد العالمي لضرائب دخل الشركات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى رغم استمرار الحكومات في الاستجابة بصورة استراتيجية للسياسات الضريبية التي تتبناها الدول الأخرى، فإن قواعد مكافحة التجنب الضريبي أضعفت الحوافز لنقل الأرباح إلى ولايات قضائية ذات معدلات ضريبية منخفضة.

في المقابل، أصبحت الاستثمارات الفعلية أكثر حساسية للاختلافات في معدلات الضرائب بين الدول، وهو ما يشير إلى أن الأرباح والنشاط الاقتصادي الفعلي يتجهان مجدداً نحو مزيد من التوافق.

خفض الضرائب قد ينعكس على الاقتصادات الأخرى

يوضح  الصندوق كيف أن الآثار العالمية للتغييرات في سياسات ضرائب الشركات تعتمد على كيفية تمويلها، فالخفوض الضريبية الممولة بالديون تدعم النشاط الاقتصادي المحلي، لكنها قد تحدث تداعيات سلبية على اقتصادات الدول الأخرى على المدى القصير.

ومع مرور الوقت، يمكن أن تتحول هذه التداعيات إلى إيجابية بفضل انتقال المعرفة عبر الحدود، بما يعزز استفادة اقتصادات أخرى من المعارف والخبرات المرتبطة بالنشاط الاقتصادي والاستثمار.

الإيرادات العامة والاستثمار في الاقتصادات النامية

حذر المقرض الدولي من أن انخفاض الإيرادات الضريبية قد يقيد قدرة الحكومات على تمويل الاستثمار العام داخل اقتصاداتها، خصوصاً في اقتصادات الأسواق الناشئة والبلدان النامية.

ويؤكد أن تعزيز الأطر والقواعد الرامية إلى مكافحة التجنب الضريبي يمكن أن يساعد في الحد من هذه المفاضلات، بما يتيح للحكومات تقليل نقل الأرباح بصورة مصطنعة، مع التعامل مع الآثار المحلية والدولية للسياسات الضريبية على الشركات.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى