روسيا تطور شبكة مالية للالتفاف على العقوبات الغربية

في الوقت الذي تواصل فيه العقوبات الأميركية والأوروبية الضغط على الاقتصاد الروسي بسبب الحرب في أوكرانيا، تعمل موسكو على تطوير منظومة مالية موازية تهدف إلى تقليل اعتمادها على النظام المصرفي العالمي الخاضع بدرجة كبيرة للنفوذ الغربي.
وتبرز شبكة “إيه7” للمدفوعات باعتبارها أحد أبرز هذه المشاريع، إذ تقول الشركة الناشئة، المدعومة من الدولة الروسية، إنها تتعامل مع ما يقرب من 20 في المئة من المدفوعات المرتبطة بالتجارة الخارجية الروسية، بما يزيد على 100 مليار دولار سنوياً.
وتستخدم الشبكة مزيجاً من التحويلات المصرفية التقليدية والعملات المشفرة وشركات الواجهة لتحويل الأموال من روسيا وإليها، بما يسمح للشركات الروسية بالحصول على السلع والخدمات من الخارج رغم القيود المفروضة على موسكو.
وتأسست “إيه7” قبل أقل من عامين، لكنها تحولت سريعاً إلى لاعب رئيس في جهود روسيا لإنشاء قنوات مالية بديلة عن النظام الغربي. وفي العام الماضي، شارك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عبر تقنية الاتصال المرئي في افتتاح أحد فروع الشبكة، في إشارة إلى الدعم السياسي الذي تحظى به.
ووفقاً لصحيفة “وول ستريت جورنال” يقف وراء تأسيس الشبكة رجل الأعمال إيلان شور، الذي اشتهر في مولدوفا بدوره في واحدة من أكبر عمليات الاحتيال المصرفي في تاريخ البلاد، عندما اختفى نحو مليار دولار من ثلاثة بنوك عام 2014.
وأدين شور في مولدوفا بتهم تتعلق بالاحتيال وغسل الأموال، لكنه غادر البلاد أثناء خضوعه للإقامة الجبرية. وينفي رجل الأعمال الاتهامات الموجهة إليه ويقول إنها ذات دوافع سياسية، ويقيم حالياً بالقرب من موسكو.
وفي عام 2024، تعاون شور مع “بنك برومسفياز”، وهو مصرف روسي مملوك للدولة ويركز بدرجة كبيرة على قطاع الدفاع، لإطلاق “إيه7 “.
وكان المصرف من أوائل البنوك الروسية التي فرض الغرب عليها عقوبات، كما جرى فصله عن شبكة “سويفت” بعد بدء الحرب الروسية على أوكرانيا.
وتكشف بيانات سجل الشركات الروسي أن شور كان يمتلك في البداية 51 في المئة من “إيه7″، مقابل 49 في المئة للمصرف، ولا يزال المصرف مسجلاً باعتباره مالكاً لحصته، بينما أُخفي اسم المالك الأكبر، في خطوة تسمح بها القوانين الروسية للشركات بهدف تقليل أخطار العقوبات الأجنبية.
توسع الشبكة خارج روسيا
تعمل الشبكة على توسيع حضورها خارج روسيا، إذ افتتحت مكاتب في نيجيريا وزيمبابوي، وتقول إنها تدرس التوسع في أميركا اللاتينية والشرق الأوسط، في وقت تسعى فيه إلى تقديم نفسها كبديل عن النظام المالي الغربي للدول والشركات التي تواجه العقوبات.
ويقول شور إن النظام المالي الغربي كان يمنح الولايات المتحدة والدول الأوروبية القدرة على وقف المدفوعات عن أي دولة في أي وقت، بينما تقدم “إيه7” نظاماً يقول إنه محصن أمام العقوبات.
لكن قدرة الشبكة على العمل لا تعتمد فقط على التحويلات المصرفية، فبحسب أبحاث مركز المصادر المفتوحة، وهو مركز أبحاث بريطاني متخصص في تتبع المعلومات، تستخدم “إيه7” شبكة من شركات الواجهة في دول من بينها قيرغيزستان وهونغ كونغ.
استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء فواتير مزيفة
تشير الأبحاث إلى أن هذه الشركات تبدو في الظاهر كيانات تجارية مستقلة، ولديها مواقع إلكترونية وحسابات مصرفية محلية، لكنها تخضع فعلياً لإدارة موظفين تابعين للشبكة في موسكو.
ومن خلال هذه الشركات، تستطيع “إيه7” استخدام النظام المصرفي المحلي لتنفيذ مدفوعات نيابة عن عملائها الروس.
أشارت الأبحاث إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنشاء فواتير مزيفة تخفي الغرض الحقيقي من بعض التحويلات المالية. وفي إحدى الحالات، دفعت شركة واجهة مرتبطة بالشبكة في قيرغيزستان نحو مليون دولار إلى مورد صيني مقابل مكونات تستخدم في الطائرات المسيرة، بينما أظهرت الفاتورة أن المبلغ يتعلق بمواد لتلميع السيارات ومقاعد أطفال وملحقات أخرى للسيارات.
ويستند كشف الصحيفة إلى مجموعة كبيرة من ملفات ومحادثات داخلية مرتبطة بـ”إيه7″ نشرها قراصنة إلكترونيون العام الماضي، وقال الباحثون إنهم قارنوا المعلومات الواردة فيها مع سجلات الجمارك ووثائق المحاكم ومصادر أخرى.
وتستخدم الشبكة العملات المشفرة كأداة أخرى لتجاوز النظام المصرفي التقليدي. وقالت شركة “تي آر إم لابس” المتخصصة في تحليل معاملات العملات المشفرة إن الأصول الرقمية تؤدي دور قناة مالية للمؤسسات والأفراد الذين استُبعدوا من النظام المصرفي التقليدي ولم تعد أمامهم سوى خيارات محدودة.
وفي العام الماضي، دعمت “إيه7” إطلاق عملة رقمية تحمل اسم “إيه7 إيه5″، وترتبط قيمتها بالروبل الروسي. ويقول محللو سلاسل الكتل إن هذه العملة تستخدم في تسوية مدفوعات مرتبطة بسلع تخضع للعقوبات، من خلال مبادلتها بعملات رقمية مستقرة مرتبطة بالدولار الأميركي.
وبحسب شركة “تشيناليسيس” المتخصصة في تحليل معاملات العملات المشفرة، جرى تداول أكثر من 2.2 مليار دولار عبر إحدى خدمات مبادلة “إيه7 إيه5”.
ولاحظت الشركة أن معظم نشاط العملة يحدث خلال أيام العمل من الاثنين إلى الجمعة، قبل أن يتراجع بصورة حادة خلال عطلات نهاية الأسبوع، وهو نمط يشير إلى استخدامها في تسوية معاملات حكومية وتجارية عبر الحدود خلال ساعات العمل المعتادة.
وتستفيد “إيه7” كذلك من التحول الكبير في العلاقات التجارية بين روسيا والصين منذ اندلاع الحرب. فقد أصبحت الصين شريكاً تجارياً رئيساً لموسكو، في وقت تراجعت فيه علاقات روسيا الاقتصادية مع الولايات المتحدة وأوروبا.
معاملات باليوان الصيني
تشير بيانات الشبكة إلى أن نحو 65 في المئة من حجم معاملاتها يتم باليوان الصيني، كما تروج لقدرتها على تحويل الأموال إلى الصين خلال نحو أربع ساعات.
وتشكل هذه العلاقة جزءاً أساسياً من قدرة موسكو على الحفاظ على تدفق التجارة الخارجية على رغم العقوبات، فالشركات الروسية تحتاج إلى قنوات دفع لشراء مجموعة واسعة من السلع، من مكونات الطائرات المسيرة والسلع الصناعية إلى السيارات والمنتجات الاستهلاكية.
ولم تقتصر الضغوط الغربية على روسيا نفسها، إذ فرضت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على “إيه7” وشبكة من الشركات المرتبطة بها. وفي يوليو (تموز) الماضي، أدرج الاتحاد الأوروبي الشركات التابعة للشبكة في أفريقيا ضمن أحدث حزمة من العقوبات المفروضة على روسيا.
ومع ذلك، يبدو أن العقوبات لم توقف طموحات الشركة، فقد انتقلت “إيه7” من العمل في نطاق محدود إلى حملة تسويقية واسعة داخل روسيا، بما في ذلك إعلانات رقمية في موسكو تروج لرسوم منخفضة للتحويلات المالية الدولية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتظهر على موقع الشركة أعلام عشرات الدول، بما فيها الولايات المتحدة والصين وإيران، في محاولة لإظهار مدى اتساع نطاق خدماتها.
وتسعى موسكو من خلال هذه المشاريع إلى معالجة واحدة من أهم نقاط الضعف التي كشفت عنها العقوبات الغربية، وهي اعتماد التجارة الدولية على شبكات الدفع والبنوك التي يمكن للحكومات الغربية التأثير فيها.
روسيا وبناء بديل كامل لـ”سويفت”
كان فصل البنوك الروسية عن شبكة “سويفت” أحد أبرز الإجراءات التي اتخذها الغرب بعد بدء الحرب، نظراً إلى الدور المحوري الذي تلعبه الشبكة البلجيكية في تمرير الرسائل المالية بين آلاف البنوك حول العالم.
لكن بناء بديل كامل لـ”سويفت” يظل مهمة أكثر تعقيداً بكثير، فشبكات المدفوعات العالمية لا تعتمد فقط على التكنولوجيا، إنما تحتاج أيضاً إلى ثقة البنوك والمؤسسات المالية والدول في سلامة النظام وقدرته على تسوية المعاملات بكفاءة وعلى نطاق واسع.
وترى الباحثة في مركز مرونة المعلومات في لندن، إليز توماس، أن طموح “إيه7” للوصول إلى مستوى شبكة “سويفت” سيكون كبيراً جداً، لكنها تحذر من أنه لا ينبغي التقليل من شأن المشروع.
وتقول توماس إن الوصول إلى مستوى شبكة مماثلة لـ”سويفت” سيكون طموحاً للغاية، لكنها تضيف أن المشروع يمثل تهديداً يستحق المتابعة الجادة.
وتعكس تجربة “إيه7” في نهاية المطاف تحولاً أوسع في النظام المالي العالمي، إذ دفعت العقوبات روسيا إلى تسريع البحث عن قنوات بديلة للتحويلات والتجارة الدولية، بينما شجعت دولاً أخرى تخضع للعقوبات على دراسة وسائل مشابهة.
وإذا تمكنت “إيه7” من توسيع شبكة علاقاتها في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، فقد تتحول من أداة روسية لتجاوز العقوبات إلى جزء من منظومة مالية موازية تخدم عدداً من الدول المستبعدة من النظام المالي الغربي.
لكن نجاح هذا المشروع سيعتمد على قدرته على جذب البنوك والشركات خارج روسيا، وعلى مدى استعدادها لتحمل أخطار العقوبات الثانوية والرقابة الدولية. وفي الوقت نفسه، ستواجه الشبكة ضغوطاً متزايدة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، التي تملك أدوات واسعة لاستهداف الشركات والأفراد الذين يساعدون موسكو على تجاوز العقوبات.
ومع استمرار الحرب والعقوبات، يبدو أن المعركة المالية باتت لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية، فبالنسبة إلى روسيا، لا يتعلق الأمر فقط بإيجاد وسيلة لتحويل الأموال، إنما ببناء بنية مالية قادرة على إبقاء تجارتها الخارجية واقتصادها مرتبطين بالعالم، حتى في ظل محاولات الغرب عزلها عن النظام المالي الدولي.



