“البليت” يشعل حربا داخل صناعة الحديد المصرية

تعاني صناعة الحديد والصلب المصرية حال من عدم اليقين وسط خلافات حول القرار رقم 121 لسنة 2026، والقاضي بفرض رسوم وقائية على واردات منتجات البليت، بين شركات الدرفلة ومنافستها المتكاملة وشبه المتكاملة، بين من يرى فيه إهداراً لمبادئ المنافسة ومن يراه مُلحاً لضبط السوق في مواجهة الواردات الرخيصة.
يعود الخلاف إلى سبتمبر (أيلول) 2025، حين أصدر وزير الاستثمار والتجارة الخارجية قراراً يقضي بفرض رسوم وقاية بنسبة 16.2 في المئة على واردات البليت لمدة 200 يوم، قبل صدور القرار رقم 121 لسنة 2026 في أبريل (نيسان) الماضي بفرض رسوم وقاية لمدة 3 أعوام تبدأ في العام الأول بنسبة 13.12 في المئة وبحد أدنى 70 دولاراً للطن، على أن تنخفض تدريجاً حتى تصل إلى 11 في المئة وبحد أدنى 59 دولاراً للطن في العام الثالث.
هيكل الإنتاج في مصر
وبينما تعتمد شركات درفلة الحديد وعددها قرابة 22 شركة نحو خُمس إنتاج السوق على خامات البليت بنسبة 90 في المئة، فإن القرار يسلب تلك الشركات القدرة على استيراد الخامات من الخارج، ويخضعها في المقابل لنفوذ 3 شركات متكاملة وشبه متكاملة تنتج البليت محلياً.
تبلغ الطاقة الإنتاجية المحلية للبليت نحو 13.7 مليون طن سنوياً، مقابل احتياجات للسوق المحلية تقدر بنحو 8.8 مليون طن، لكن تقييد الاستيراد، قد يؤدي إلى زيادة قدرة المصانع المتكاملة على التحكم في الكميات والأسعار المتاحة لمنافسيها، وهو ما تخشاه شركات الدرفلة وتحذر من تبعاته، بحسب من تحدثوا منهم مع “اندبندنت عربية”.
وتشير دراسة صادرة عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية بعنوان “تداعيات تطبيق التدابير الوقائية على واردات البليت على الصناعة الوطنية”، واطلعت عليها “اندبندنت عربية” إلى أن الصناعة في مصر تعاني من انخفاض التنافسية نتيجة غياب المقومات الرئيسة كالمواد الخام عالية التركيز والطاقة الرخصية، فضلاً عن الاعتماد المفرط على مدخلات الإنتاج المستوردة كالبليت والخردة والمكورات.
دراسة خاصة تحذر
وتضمنت الدراسة التي أعدها المركز المستقل بناءً على طلب من اتحاد الصناعات المصرية، الإشارة إلى محدودية الصادرات وتمركزها، وارتفاع كلفة الالتزام البيئي، بالإضافة إلى ضعف الرقابة على الأسواق الداخلية وتفشي المنتجات غير المطابقة للمواصفات.
أما على الصعيد العالمي، فتتزايد الضغوط نتيجة فرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تعريفات جمركية ورسوماً إغلاقية على واردات الصلب، إلى جانب تطبيق آليات جديدة مثل قيود تعديل حدود الكربون (CBAM) وقواعد “الصهر والصب” (Melt & Pour)، بالتوازي مع ارتفاع كلفة الطاقة والمواد الخام عالمياً.
وفي تقييمه لمبررات القرار، يوضح التقرير الخاص أن القرار استند إلى شكوى بشأن تدفق كميات ضخمة من واردات البليت خلال الفترة 2021-2024 بسبب الفائض الصيني.
واردات البليت المستوردة
إلا أن التقرير انتقد اختيار هذه الفترة الزمنية للتقييم، مشيراً إلى أنها شهدت أزمات محلية وعالمية استثنائية لا تصلح كمعيار دقيق لبناء قرار حماية.
ولا تزال الواردات المصرية من البليت أقل من مستوياتها التاريخية المسجلة في عام 2015، بجانب أن الزيادات التي حدثت ارتبطت بالتعافي الطبيعي للتجارة العالمية بعد الجائحة وتأثرت بنقص العملة الصعبة وعوامل جيوسياسية أخرى، وفق الدراسة.
وعن تأثير القرار على الأطراف المختلفة، كشفت الدراسة عن اختلال ميزان العدالة، إذ منح القرار المصانع المتكاملة حماية مزدوجة تتمثل في فرض رسوم على المنتج النهائي (حديد التسليح) واستمرار إعفاء مدخلاتها الأساسية، مما أتاح لها قدرة احتكارية والتحكم في الكميات المعروضة بأسعار البليت في السوق المحلي.
خُمس السوق
وفي المقابل، تضررت مصانع الدرفلة (المتوسطة والصغيرة) التي تغطي نحو 20 في المئة من احتياج السوق، إذ فرضت الرسوم على مدخل إنتاجها الرئيس، مما أدى إلى توقف عدد منها عن الإنتاج وتسريح العمالة وتكبد خسائر مالية نتيجة عدم كفاية البليت المحلي واضطرارها للشراء بأسعار مرتفعة من منافسيها المباشرين.
على مستوى الاقتصاد القومي، خلصت الدراسة، إلى أن القرار يفرض “خسارة صافية” (Dead weight loss) على الدولة والمستهلك دون تحقيق فائدة ملموسة، إذ يُحمّل المستهلك النهائي الزيادات السعرية دون أن تتمكن زيادة الإنتاج المحلي أو الحصيلة الجمركية من تعويض هذه الخسارة بالكامل. علاوة على ذلك، يرفع القرار من احتمالية مواجهة مصر لإجراءات انتقامية من الدول المصدرة للبليت مما قد يضر بقطاعات أخرى.
وأكد التقرير أن حماية الصناعة لا تتأتى بالاكتفاء بالتعريفات الجمركية، بل بتأجيل فرض هذه الرسوم لحين اكتمال الطاقات الإنتاجية المحلية الجديدة المزمع إنشاؤها، مع الإسراع في التحول نحو تكنولوجيات إنتاج الصلب الأخضر لتعزيز القدرة التنافسية للصناعة الوطنية.
مصانع متوقفة
منتجو مصانع درفلة تحدثوا مع “اندبندنت عربية” عن تبعات القرار، وقالوا إنه ينذر بإخراج المصانع من دائرة الإنتاج، لما يمثله من ضغوط كبيرة في كلفة إنتاجهم، مطالبين بتجميد موقت للرسوم، إلى حين دراسة تبعاتها بالنظر إلى الخسائر الحالية المترتبة عليها.
رئيس مجموعة “العشري للصلب”، أيمن العشري، قال إن القرار أغفل مصالح قطاع مهم من المنتجين في السوق، في ضوء احتفاظ مصانع درفلة الحديد بنحو خُمس الإنتاج المحلي، وهو ما ينذر بتصدير تبعاته السلبية إلى المستهلك.
ويشكو العشري الذي يرأس غرفة القاهرة التجارية، كيف أسهم القرار في زيادة كلفة الإنتاج، الأمر الذي يضر بالاستثمارات والمصانع والعمالة، ويرى أن اعتماد مصانع درفلة الحديد على منافسيها من المصانع المتكاملة وشبه المتكاملة في تدبير البليت يجعل الأخيرة أكثر تحكماً في السوق من حيث العرض والأسعار.
قطاعات أخرى متأثرة
لكن التبعات التي حذر منها العشري لم تقف عند حد تضرر صناعة الصلب المصرية، إذ تمتد كما يوضح إلى قطاع المقاولات والتشييد والبناء والعقارات، بجانب الصناعات الهندسية التي ستتضرر من ارتفاع سعر طن الحديد.
ويراوح سعر طن الحديد في مصر ما بين 35 ألف جنيه (687 دولار) و40 ألفاً (785 دولار).
وتراجعت واردات مصر من خامات ومواد أولية من الحديد والصلب 2.9 في المئة خلال أول 5 أشهر من 2026 لتسجل نحو 2.345 مليار دولار، مقابل 2.416 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي.
حماية الصناعة الوطنية
أما رئيس مجموعة “المدينة للصلب” طارق عبدالعظيم، فيرى أن النظرة إلى حماية الصناعة الوطنية يجب أن تمتد لتعمل قطاع لا غنى عنه في السوق، وهو قطاع الإنتاج المدرفل، بحيث لا يفرق القرار بين مصلحة الشركات المتكاملة وشبه المتكاملة والأخرى التي تعتمد على خامات البليت.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وينظر عبدالعظيم بارتياب حيال ارتفاع كلفة الإنتاج في ضوء رسوم البليت المفروضة، والتي تمنع الشركات المتكاملة وشبه المتكاملة التحكم في تسعير تلك الخامات، لتصبح أعلى من نظيرتها في الخارج، بدعوى محدودية الإنتاج المحلي من البليت.
ويرى عبدالعظيم، الحل في أمرين رئيسين، أولهما زيادة الإنتاج المحلي من البليت بشكل يكفي حاجة الصناعة المحلية، والثاني، فيتعلق بفتح المجال لاستيراده لسد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، مع إضافة طاقات جديدة لإنتاج البليت.
وحاولت “اندبندنت عربية” التواصل مع وزارتي الاستثمار والصناعة للحصول على تعليق.
رخص جديدة
في أغسطس (آب) الماضي، أعلنت الهيئة العامة للتنمية الصناعية المصرية عن طرح 8 رخص جديدة لتصنيع منتجات الحديد والصلب، وتحديداً مربعات صب مستمر “بيليت”، بإجمالي طاقة إنتاجية تبلغ 2.8 مليون طن سنوياً.
وتأتي تلك التطورات في وقت ارتفع فيه إنتاج مصر من حديد التسليح 13.36 في المئة خلال النصف الأول من عام 2026 ليبلغ 4.4 مليون طن، مقابل 3.9 مليون طن في النصف الأول من 2025، وخلال الفترة نفسها ارتفع الاستهلاك 13.6 في المئة ليسجل 3.3 مليون طن، مقابل 3 ملايين طن.



