الأمن الغذائي المصري تحت ضغط المياه والمناخ والاستيراد

ينظر أكاديميون زراعيون تجاه التحديات المائية والمناخية في مصر بقلق متزايد، وسط تقارير دولية متخصصة تتحدث عن أخطار محدقة بأمن الغذاء، وبينما يقاس الأمن الغذائي بمدى توافر أربعة أشياء أساسية: وفرة الغذاء وجودته واستقرار أسعاره والقدرة على الوصول إليه، فإن إحصاءات رسمية تشير إلى أن مصر في مواجهة صعبة مع ضلعين في الأقل من أضلاع مربع الأمن الغذائي.
في مقابلة مع “اندبندنت عربية”، يتحدث أستاذ الزراعة والموارد المائية في جامعة القاهرة الدكتور نادر نور الدين، بقلق عن بعض هذه التحديات، ويقول إن أكثر ما يثير القلق في شأن الأمن الغذائي في مصر هو محدودية الموارد مقارنة بالزيادة الكبيرة في عدد السكان، موضحاً أن الأراضي الزراعية القديمة لا تتجاوز نحو 6.5 مليون فدان، وأن التوسع الزراعي في الأراضي الصحراوية خلال العقود السبعة الماضية رفع إجمال المساحة الزراعية إلى نحو 10 ملايين فدان.
فاتورة النظام الغذائي الصحي
يلفت أحدث تقارير البنك الدولي الصادرة في يوليو (تموز) الماضي، إلى قدرة المصريين على تحمل كلفة النظام الغذائي الصحي، ويكشف عن أن أكثر من ثلثي المواطنين يعانون عدم القدرة على تحمل كلفة الغذاء الصحي.
ويشير التقرير إلى أن نسبة السكان غير القادرين على تحمل كلفة نظام غذائي صحي بلغت في مصر 56.8 في المئة، ويصنف مصر من الدول التي تضم أكبر عدد من الأشخاص غير القادرين على تحمل كلفة النظام الغذائي الصحي، إذ يعيش واحد من كل أربعة مقيمين في مصر عند مستويات استهلاك قريبة جداً من عتبة القدرة على تحمل الكلفة.
يوضح نور الدين أن عدد سكان مصر ارتفع من نحو 23 مليون نسمة وقت قيام ثورة يوليو عام 1952 إلى نحو 110 ملايين نسمة حالياً، وهو ما فرض حاجات متزايدة من المياه والغذاء، مشدداً على أن زيادة السكان تستلزم التوسع في الإنتاج الزراعي بالتوازي مع توفير الموارد المائية اللازمة
.
مصادر مستدامة من العملات الأجنبية
ويرى نور الدين أن زيادة الاعتماد على الاستيراد تؤدي إلى استنزاف موارد الدولة من العملات الأجنبية، إذ تستورد مصر سلعاً غذائية أساسية بالدولار واليورو، ثم تبيعها في السوق المحلية بالجنيه المصري، ولذلك تحتاج إلى مصادر مستدامة للعملة الأجنبية، وفي مقدمها تحويلات المصريين في الخارج والسياحة والاستثمار والصادرات.
ويشير إلى أن الأمن المائي يمثل العامل المحدد للأمن الغذائي، مؤكداً أن توافر المياه بكميات كافية كان سيتيح لمصر إنتاج جزء أكبر من الغذاء الذي تضطر حالياً إلى استيراده، لذا فإن الفجوة المائية تؤدي إلى فجوة غذائية، وقد تتحول الفجوة الغذائية بدورها إلى مصدر للتبعية السياسية.
واستشهد نور الدين بتداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، موضحاً أن اعتماد كثير من الدول على صادرات القمح والحبوب والزيوت من روسيا وأوكرانيا كشف خطورة الاعتماد المفرط على الخارج، بعدما اضطربت حركة التجارة العالمية وارتفعت أسعار السلع الغذائية بصورة كبيرة.
الاعتماد الكامل على الاستيراد
وقال إن الدول المصدرة قد تعطي الأولوية في أوقات الأزمات للدول الحليفة، وهو ما يجعل الاعتماد الكامل على الاستيراد خطراً على الأمن القومي، مؤكداً أن نقص إنتاج الغذاء لا يمثل مشكلة اقتصادية فحسب، وإنما قد يتحول إلى ورقة ضغط سياسية.
ويضيف المتخصص أن الأمن المائي المصري يواجه تحديات كبيرة، مشيراً إلى وجود عجز مائي يقدر بنحو 44 مليار متر مكعب، يجرى التعامل مع جزء منه من خلال إعادة استخدام مياه المصارف ومعالجتها، مؤكداً أن التحديات المرتبطة بالمياه والأراضي الزراعية والزيادة السكانية وتوفير العملات الأجنبية تمثل مجتمعة أبرز مصادر القلق بالنسبة إلى الأمن الغذائي.
ويوضح أن تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل من جميع السلع ليس هدفاً واقعياً لأي دولة في العالم، حتى الدول التي تمتلك موارد طبيعية هائلة، لأن اختلاف المناخ والموارد الطبيعية يجعل لكل دولة محاصيل تتفوق في إنتاجها، ولذلك فإن المفهوم الأهم هو الأمن الغذائي وليس الاكتفاء الذاتي الكامل.
مفهوم الأمن الغذائي
ويعرف نور الدين الأمن الغذائي باعتباره توفير حاجات المواطنين من الإنتاج المحلي واستكمال ما ينقص من خلال الاستيراد، بحيث يجد المواطن جميع السلع الأساسية متاحة في الأسواق، من دون أن يكون من الضروري أن تكون جميعها منتجة محلياً.
ويشير إلى أن مصر تنتج نحو 30 في المئة من حاجاتها من القمح وتستورد نحو 70 في المئة، وتعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتوفير زيوت الطعام والعدس والفول، بينما تحقق نسبة من الاكتفاء الذاتي في السكر وتستكمل باقي حاجاتها من الخارج.
ويقول نور الدين إن الفرق بين الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي يتمثل في أن الأمن الغذائي يستهدف ضمان توافر السلع الأساسية للمواطن، سواء كان مصدرها الإنتاج المحلي أو الاستيراد، شريطة امتلاك الدولة الموارد اللازمة لتمويل وارداتها.
إعادة رسم السياسات الزراعية
وفي ما يتعلق بالسياسة الزراعية، يوضح نور الدين أن مصر تحتاج إلى إعادة رسم سياساتها الزراعية بما يضمن تحقيق إنتاج أفضل، مشيراً إلى وجود حال من التردد بين التوسع في المحاصيل التصديرية للحصول على العملات الأجنبية، وزيادة إنتاج السلع الاستراتيجية لتقليل فاتورة الاستيراد.
ويتساءل عن السؤال الرئيس الذي يجب أن تحسمه السياسة الزراعية هو: هل الهدف هو تصدير المحاصيل للحصول على الدولار، أم إنتاج السلع التي تستوردها مصر لتوفير الدولار الذي تنفقه على استيراد الغذاء؟
ويوضح أن مصر استوردت، وفقاً للبيانات التي أشار إليها، سلعاً غذائية بقيمة تقارب 17.5 مليار دولار خلال العام الماضي، في حين بلغت صادراتها الزراعية نحو 3.5 مليار دولار، بينما ترتفع قيمة الصادرات عند إضافة صادرات التصنيع الغذائي.
جدوى إنتاج محاصيل تصديرية
ويتابع أن هذه الأرقام تفرض ضرورة تحديد الأولويات الزراعية بوضوح، متسائلاً عن الجدوى من التركيز على إنتاج محاصيل تصديرية في وقت تستورد فيه مصر كميات كبيرة من القمح والذرة الصفراء وفول الصويا وغيرها من السلع المستخدمة في الغذاء والأعلاف والزيوت.
ويرى أن السياسة الزراعية يجب أن تستهدف أولاً إنتاج الجزء الأكبر من الحاجات الغذائية الأساسية محلياً، ثم توجيه المساحات والإمكانات المتاحة إلى المحاصيل التصديرية التي تتمتع مصر فيها بميزة نسبية، بما يضمن الحصول على العملة الأجنبية دون الإضرار بالأمن الغذائي.
ويضيف أن الأزمات الدولية كشفت عن أن الاعتماد على الأسواق الخارجية يحمل أخطاراً كبيرة، مستشهداً بالحرب الروسية – الأوكرانية التي أدت إلى اضطراب أسواق الحبوب والزيوت وارتفاع الأسعار، بعدما أصبحت حركة التجارة والتصدير مهددة.
سياسة زراعية متوازنة
ويشير إلى أن روسيا وأوكرانيا كانتا من أهم اللاعبين في تجارة الحبوب والزيوت عالمياً، وأن الحرب بينهما أظهرت مدى هشاشة سلاسل الإمداد الغذائية عندما تعتمد الدول بصورة كبيرة على عدد محدود من الموردين.
ويؤكد المتحدث أن مصر في الوقت نفسه لا يمكنها التخلي عن التصدير، لأن لديها مزايا مناخية وزراعية تسمح لها بإنتاج محاصيل لا تستطيع بعض الدول الأوروبية إنتاجها بسهولة خلال فصل الشتاء، مشيراً إلى أن مصر تصدر عشرات الأنواع من الخضراوات إلى الأسواق الأوروبية.
ويوضح أن الجمع بين الإنتاج المحلي والتصدير يتطلب سياسة زراعية متوازنة تحدد بوضوح المحاصيل التي يجب إعطاء الأولوية لزراعتها لتأمين الغذاء، والمحاصيل التي يمكن التوسع فيها لأغراض التصدير.
ارتفاع أسعار النفط
ويقول إن أزمات الطاقة تنعكس بصورة مباشرة على أسعار الغذاء، لأن الطاقة تدخل في تصنيع الأسمدة والمبيدات ومنظمات النمو، كما تدخل في تشغيل الآلات الزراعية ومضخات الري ووسائل النقل ومصانع التصنيع الغذائي.
ويعاود نور الدين تأكيد أن ارتفاع أسعار النفط يؤدي إلى زيادة كلفة إنتاج ونقل الغذاء، موضحاً أن ارتفاع أسعار الوقود لا يؤثر فقط في عمليات النقل، وإنما يمتد أثره إلى مختلف مراحل سلسلة الإنتاج الزراعي والغذائي.
ويشير إلى أن الأزمات العالمية، سواء كانت حروباً أو أزمات طاقة أو اضطرابات في التجارة الدولية، يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع كلفة الغذاء حتى في الدول التي تمتلك إنتاجاً محلياً، ولذلك فإن زيادة الإنتاج المحلي من السلع الاستراتيجية تمثل أحد أهم أدوات حماية الأمن الغذائي.
ليس الهدف وقف الاستيراد
ويعتقد أن مصر تحتاج إلى سياسة زراعية واضحة تقوم على تحقيق التوازن بين تأمين حاجات السوق المحلية وتعزيز الصادرات الزراعية، مع إعطاء أولوية للسلع الاستراتيجية التي يصعب الاستغناء عنها.
ويلفت إلى أن السلع الاستراتيجية تشمل أساساً مجموعات الحبوب، مثل القمح والذرة والرز والشوفان والشعير، ومجموعات اللحوم، والزيوت، والألبان ومنتجاتها، باعتبارها مكونات أساسية في غذاء المواطنين.
ويختتم أستاذ الزراعة والموارد المائية في جامعة القاهرة بتأكيد أن الهدف ليس وقف الاستيراد أو التخلي عن التصدير، وإنما ضمان قدرة مصر على توفير غذاء مواطنيها في مختلف الظروف، وعدم تحول الأزمات الدولية أو الحروب أو اضطرابات أسواق الطاقة والتجارة إلى أزمات غذائية داخلية.
الأزمة في أرقام
وبين عامي 2017 و2024 ارتفعت كلفة النظام الغذائي الصحي في مصر من 3.81 دولار للشخص الواحد في اليوم (بأسعار القوة الشرائية لعام 2017) إلى 6.42 دولار عام 2024، بينما ارتفعت نسبة السكان المتأثرين من 53 في المئة إلى 57 في المئة، وفق تقرير البنك الدولي.
ويلفت التقرير إلى سوء التغذية في مصر، إذ تتجاوز نسبة انتشار زيادة الوزن أو السمنة بين النساء 80 في المئة، في حين لا يحقق سوى 36 في المئة من الأطفال المصريين الذين تراوح أعمارهم ما بين 6 و23 شهراً الحد الأدنى من التنوع الغذائي.
وفي يوليو 2025 أطلق صندوق النقد الدولي جرس إنذار من تعرض البلاد لأخطار متزايدة ناجمة عن التغير المناخي، من ارتفاع في درجات الحرارة، وزيادة في منسوب سطح مياه البحر، إلى جانب عدم اليقين المتنامي في شأن مصادر المياه، محذراً في تقرير خاص، من أن تلك التداعيات تنذر بخفض دخل الفرد 8 في المئة بحلول عام 2050.
خطر التغيرات المناخية
واليوم، تبدو أخطار التغيرات المناخية أكثر وضوحاً في قطاع الإنتاج الزراعي من أي وقت مضى، فمحصول القمح كمثال مرشح للتراجع 9 في المئة، حال ارتفاع درجات الحرارة اثنين في المئة، وكذلك الشعير في مرمى خطر فقدان خمس إنتاجيته (18 في المئة) بحلول 2050، ومثله محصول الذرة بـ19 في المئة من الفقدان، و11 في المئة لمحصول الرز و14 في المئة من الطماطم و25 في المئة في قصب السكر، بحسب تقارير وحدة بحوث الأرصاد الجوية الزراعية والتغير في المناخ بوزارة الزراعة المصرية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتشير الدراسات إلى أن كل درجة مئوية زيادة في درجات الحرارة من شأنها خفض العائد الإنتاجي للزراعة بنحو 969 دولاراً للهكتار، مع احتمالات أن تؤدي تلك التغيرات إلى ارتفاع في منسوب مياه البحر وإغراق أجزاء واسعة من أراضي دلتا النيل الخصبة شمال مصر، ويعطلها عن الإنتاج.
الباحث الاقتصادي عبدالعزيز نور يرى أن الأمن الغذائي في مصر قضية سيادية ذات صلة مباشرة بأمن البلاد القومي، خصوصاً مع بروز تحديات النمو المتسارع في عدد السكان، وتراجع موارد البلاد من المياه، إلى جانب التقلبات الحادة في أسواق الغذاء العالمية.
محاصيل أقل استهلاكاً للمياه
في ورقة بحثية يتناول نور تعريف الأمن الغذائي في مصر في أفق 2050، ويعرفه بأنه قدرة البلاد على توفير حاجات السكان من الغذاء الصحي الكافي والمستدام، مع تقليل التعرض للصدمات الخارجية، ويرى أن تحقيق هذا الأمن يمر عبر تبني محاصيل أقل استهلاكاً للمياه، واستنباط بذور مقاومة للحرارة والملوحة والجفاف، وتحسيب كفاءة الموارد المائية في بلد يعرف بالشح المائي.
وأدى ارتفاع الأسعار إلى تآكل القوة الشرائية، حتى مع تراجع التضخم إلى 14.9 في المئة في يوليو الماضي، من مستويات قاربت على 40 في المئة في 2023، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
الاعتماد الكبير على الواردات وتقلب الأسواق
ومصر مستورد رئيس للسلع الزراعية، لا سيما الحبوب، وتتركز نسبة مهمة من واردات الحبوب في منطقة البحر الأسود، ولذلك فإن الحروب أو اضطرابات النقل أو ارتفاع أسعار الشحن والعملات الأجنبية يمكن أن تنتقل سريعاً إلى السوق المحلية.
وكشفت الحرب في أوكرانيا هشاشة هذا الاعتماد من خلال اضطراب سلاسل إمداد القمح والأسمدة وارتفاع كلفة الدعم والاستيراد.
وتواجه البلاد ندرة المياه وضغط التغير المناخي، إذ يعتمد الإنتاج الزراعي المصري بصورة أساسية على الري، بينما تتراجع حصة الفرد من المياه مع نمو السكان. وتهدد ملوحة التربة وتداخل مياه البحر وارتفاع مستوى سطح البحر أجزاء من دلتا النيل.
روشتة الحل
وتشير “الفاو” إلى أن نحو 15 في المئة من أكثر الأراضي الزراعية خصوبة في الدلتا تأثر بارتفاع مستوى البحر وتداخل المياه المالحة، ويجعل ذلك زيادة الإنتاج الزراعي أكثر ارتباطاً بتحسين كفاءة الري واختيار المحاصيل وإدارة الملوحة، وليس فقط بالتوسع الأفقي.
يبدو أن الحل لا يكمن في وقف الاستيراد أو التخلي عن التصدير، وإنما في إعادة ترتيب الأولويات الزراعية وفق مفهوم أوسع للأمن الغذائي.
ويعني ذلك إعطاء السلع الاستراتيجية التي يصعب الاستغناء عنها أولوية واضحة، وفي مقدمها الحبوب مثل القمح والذرة والرز والشعير، إلى جانب اللحوم والزيوت والألبان ومنتجاتها، مع تطوير أصناف زراعية أكثر تحملاً للحرارة والجفاف والملوحة.



