تكنولوجيا

بعد أزمات الطاقة والتبريد… الشركات تهرب بمراكز البيانات إلى الفضاء

مع المشكلات المتعددة المتعلقة ببناء مراكز البيانات الكبرى، بخاصة التي تخدم الذكاء الاصطناعي، تخطط الشركات لبناء مراكز بيانات في الفضاء، كما كشف عنه المشاركون في منتدى نظمته شركتان تابعتان لمؤسسة “ستاندرد أند بورز” للتصنيف الائتماني الأسبوع الماضي. واعتبر تكثيف الاستثمار في البنية التحتية التكنولوجية في الفضاء دفعة قوية، لما أصبح يعرف الآن بأنه “اقتصاد الفضاء الجديد”. 

تواجه شركات التكنولوجيا الكبرى عقبات كثيرة في بناء مراكز البيانات في مختلف المناطق حول العالم، إما لاعتراض السكان المحليين، أو للحاجة إلى كميات هائلة من الطاقة لتشغيل المراكز وتبريد الأجهزة، فضلاً عن التبعات البيئية المختلفة. وتجد الشركات صعوبة في الحصول على تصاريح البناء في المواقع القريبة من المدن المأهولة. 

لذا بدأت الشركات في تقديم طلبات لهيئات تنظيم الفضاء لبناء مراكز بيانات مدارية حول الأرض في سياق تعظيم البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات بصورة عامة. 

إعلان

وتأتي الخطوة في وقت يشهد فيه اقتصاد الفضاء نمواً سريعاً وكبيراً في السنوات الأخيرة، فبحسب ما ذكر في المنتدى ارتفع الاستثمار في سوق تكنولوجيا الفضاء في النصف الثاني من العام قبل الماضي 2024 إلى 33.8 مليار دولار، في مقابل 2.2 مليار دولار فقط في النصف الثاني من عام 2023. 

توسع الاقتصاد الفضائي 

قبل عقود قليلة كان الاستثمار في الفضاء شبه مقصور على الحكومات، وكانت دول قليلة في العالم هي من تستثمر حكومتها في ريادة الفضاء. لكن مع نهاية القرن الماضي وبداية هذا القرن توسع الاستثمار في تكنولوجيا الفضاء، سواء الأقمار الاصطناعية أو صواريخ الإطلاق للفضاء وغيرها، ودخلت شركات ناشئة في هذه السوق الواعدة. 

لكن لأنه في البداية كان الأمر مقتصراً على الأبحاث العلمية، مثل استكشاف سطح القمر أو غيره من كواكب المجموعة الشمسية، إلى جانب محطات فضائية للأبحاث، فضلاً عن تطوير التكنولوجيا الفضائية لأغراض عسكرية، فكان الأمر في غالبه منوطاً بحكومات الدول الكبرى والصاعدة اقتصادياً. 

مع تطور تكنولوجيا البث والاتصال الفضائي قبل نحو ثلاثة عقود، دخلت غالب دول العالم مجال الفضاء، إما بإطلاق أقمار اصطناعية للبث والاتصالات أو لأغراض أخرى، ثم دخل القطاع الخاص في قطاع الاقتصاد الفضائي، لكن باستثمارات محدودة. 

حمل منتدى شركات “ستاندرد أند بورز” عنوان “مدار الأرض كوجهة معلوماتية مستقبلية: انسياب رؤوس الأموال والأخطار والحقائق”، مركزاً على مستقبل تحول بناء مراكز البيانات الكبرى إلى الفضاء بسبب مشكلات إقامتها على الأرض. وذكر الباحث في إحدى شركات “أس أند بي غلوبال” يوهان فرميج، “إننا نشهد حالياً دفعة قوية وحجماً هائلاً من الطلبات للجنة الاتصالات الفيدرالية للحصول على تراخيص مراكز بيانات مدارية”. 

منذ مطلع القرن، ارتفع عدد الأقمار الاصطناعية التي تدور حول الأرض من 700 إلى 17 ألفاً، كما ذكر المحلل في شركة “كاغان” التابعة لمجموعة “أس أند بي غلوبال ماركت إنتليجنس”، جون فليتشر، أمام المنتدى. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال فليتشر إن “هذه الأقمار الاصطناعية في مدار الأرض المنخفض لا تبعد أكثر من 100 ميل (160 كيلومتراً) ارتفاعاً عن سطح الأرض، وتدور فوق رؤوسنا بسرعة 18 ألف ميل في الساعة”. 

تلك في الغالب أقمار اتصالات وبث فضائي وتصوير جغرافي وغيره، أما الأقمار الاصطناعية الأكبر والأقل دوراناً حول الكرة الأرضية فتكون على ارتفاع نحو 10 آلاف ميل (16 ألف كيلومتر) عن سطح الأرض، أي في مدار فضائي مرتفع كثيراً. 

مراكز البيانات وعائد الاستثمارات 

دخلت شركات القطاع الخاص في اقتصاد تكنولوجيا الفضاء مع توسع الاتصالات وتطور الإنترنت، في الغالب لتوفير إشارات الموبايل والإنترنت السريع للمناطق التي لا تصل إليها البنية التحتية للاتصالات الأرضية. في البداية لم يكن العائد من الاستثمار في الفضاء مجزياً للشركات، إلا أن توسع بعضها وشركات ناشئة مثل “سبيس إكس” جعل الاستثمار مجدياً. 

مع ذلك يظل نصيب شركات بث الإنترنت الفضائي من السوق الأميركية للإنترنت مثلاً عند نسبة ثلاثة في المئة فقط، فكما يقول فليتشر “هي جيدة للمناطق الريفية والصحراوية التي لا تجد شركات الاتصالات الأرضية جدوى اقتصادية من مد كابلات الألياف الضوئية إليها”. 

الآن، وبسبب مشكلات مراكز البيانات الكبرى على الأرض، تتجه الشركات الكبرى لاستغلال الفضاء في إقامة مراكز البيانات المدارية، وكما ذكر فرميج أمام المنتدى فإن “رد الفعل (على مشكلات مراكز البيانات الأرضية)، هو أنه لدينا مساحات واسعة في الفضاء، كما أن الجو هناك بارد بالفعل، فلن توجد مشكلات تبريد، كما أنه لن تكون هناك انبعاثات لثاني أكسيد الكربون، ولكن الأمر أكثر تعقيداً من ذلك”. 

بحسب ما كشف عنه في المنتدى، فقد تقدمت شركة “سبيس إكس” بطلبات للجنة الاتصالات الفيدرالية لبناء مليون مركز بيانات مداري، بينما تقدمت شركة “بلو أوريجين” بطلبات لإقامة 51 ألفاً و600 مركز بيانات مداري. 

إلا أن فرميج حذر من أن الطلبات لا تعكس غالباً حجم الإطلاق الفعلي، كما هو الحال من تجارب سابقة. 

هناك أيضاً تحديات أمام مراكز البيانات المدارية تتعلق بمدى استدامة مراكز البيانات تلك، عددت بعضها الباحثة إيلي براون في كلمتها أمام المنتدى. 

من تلك التحديات عمر البنية التحتية الفضائية مقارنة بالأرضية، والركام الفضائي، وأخطار أضرار الإشعاع، إضافة إلى الكلفة بصورة عامة، والانبعاثات من عمليات الإطلاق. 

تحديات وأخطار 

من الأخطار التي تواجه بناء مراكز البيانات في الفضاء أضرار الإشعاع الفضائي على أجهزة الكمبيوتر، ويتطلب ذلك استخدام رقائق إلكترونية مقاومة للإشعاع، كلفة الواحدة منها 200 ألف دولار في الأقل، أو تطوير تكنولوجيا حماية من الإشعاع، كما أن العمر الافتراضي للأقمار الاصطناعية منخفضة الارتفاع المداري لا يتجاوز خمسة أعوام، مقارنة بما بين 15 إلى 20 سنة للأقمار والمحطات عالية الارتفاع المداري. 

في المدار الأدنى للأرض هناك أخطار تراكم الحطام الفضائي أيضاً، الذي يمكن أن يسبب الأعطال والمشكلات لأي أجسام مدارية، بما في ذلك مراكز البيانات. 

تقدر هيئة الفضاء الأوروبية أن هناك في الفضاء نحو 54 ألف قطعة حطام يزيد حجمها على 10 سم، إضافة إلى ملايين القطع الأصغر من الحطام الفضائي. 

حذر المشاركون في المنتدى أيضاً من أن التقدم بطلبات لإطلاق مراكز بيانات مدارية لا يعكس التوقعات الحقيقية لإطلاقها، وعلى سبيل المثال يتوقع أن يصل عدد الطلبات لإطلاق أقمار اصطناعية إلى 100 ألف طلب بحلول عام 2033، لكن ما سيتحقق فعلياً سيكون أقل بكثير، فشركة “سبيس إكس” كانت تستهدف إطلاق 42 ألف قمر اصطناعي بحلول عام 2030، لكن الرقم الحقيقي لا يتجاوز 10 آلاف. 

لدى شركة “كيبلر كوميونيكيشن إنك” مركز بيانات مداري يتضمن 44 وحدة معالجة “غرافيكس”، وهو حجم صغير مقارنة بوحدات التشغيل في المراكز على الأرض، وهناك أيضاً الكلفة العالية جداً للبنية التحتية الفضائية، بخاصة الكمبيوترية. 

للمقارنة، يذكر أن برج اتصالات أرضي يتكلف 500 ألف دولار، وعمره التشغيلي نحو 30 سنة. بينما يتكلف قمر اصطناعي للاتصالات 1.4 مليون دولار، وعمره التشغيلي لا يزيد على خمسة أعوام، لكن على رغم كل هذه التحديات يرى غالب المشاركين في المنتدى فرصة للتوسع في تكنولوجيا الكمبيوترات القوية في الفضاء. 

على سبيل المثال يمكن بناء ما تسمى “وحدات كمبيوتر فضائية” لمعالجة البيانات من الأقمار الاصطناعية التي تصور وتراقب الأرض قبل إرسالها إلى المحطات الأرضية، ويوفر ذلك الحاجة إلى موجات اتصال واسعة النطاق لبث كميات هائلة من البيانات والصور الخام من الأقمار إلى الأرض. 




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى