أزمة الوقود تعيد المصافي إلى الواجهة.. ارتفاع أسعار الديزل يضغط على الأسواق العالمية
عندما بدأ ديف سانيال العمل في قطاع النفط أواخر ثمانينيات القرن الماضي، كان العالم يعيش مرحلة مختلفة تمامًا. في ذلك الوقت، كان جدار برلين لا يزال قائمًا، وأطلقت شركة «نينتندو» حديثًا جهاز «غيم بوي»، بينما لم يكن سعر خام برنت يتجاوز نحو 15 دولارًا للبرميل.
ومنذ ذلك الحين، ظل تكرير النفط وإنتاج الوقود في مرتبة ثانوية لدى صناع السياسات في أوروبا. ونتيجة لذلك، سمحت دول القارة بإغلاق عدد من المصافي والاعتماد على الخارج لتأمين احتياجاتها من أنواع الوقود، وفي مقدمتها الديزل والبنزين.
ولم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن هذا الاتجاه، رغم أنها أصبحت أكبر منتج للنفط في العالم. فقد أغلقت البلاد بعض منشآت التكرير، الأمر الذي ساهم في ارتفاع تكاليف الوقود في مناطق أميركية مقارنة بأخرى.
أزمة الوقود تعيد أهمية المصافي
لكن تراجع طاقات التكرير يواجه حاليًا اضطرابات جيوسياسية متزايدة.
فقد اقتربت العقود الآجلة للديزل في أوروبا من 200 دولار للبرميل. وفي الولايات المتحدة، تجاوزت أسعار التجزئة مستوى قياسيًا عند 6.50 دولار للغالون. وفي الوقت نفسه، استقر سعر خام برنت فوق مستوى 100 دولار للبرميل.
وقال ديف سانيال، الذي يدير شركة «فارو بريم» (VaroPreem) الأوروبية لإنتاج الوقود، في مقابلة أجريت في لندن، إن الارتفاعات الحادة في الأسعار أعادت تسليط الضوء على أهمية المصافي.
وأوضح أن حرب إيران والهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية أسهما في إشعال أزمة الأسعار، ودفعا الحكومات أخيرًا إلى إعادة تقييم أهمية إنتاج الوقود محليًا.
وتوفر شركة سانيال نحو 10% من وقود النقل في أوروبا.
وقال سانيال: «لطالما اعتُبرت خطوط الأنابيب بنية تحتية حيوية، بينما لم تحظَ المصافي بالنظرة نفسها، لكن ذلك بدأ يتغير الآن».
إنتاج الوقود يتحول إلى قضية سياسية
نادرًا ما حظي إنتاج الوقود عالميًا بهذا الحجم من الاهتمام السياسي والاقتصادي.
وفي هذا السياق، هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤخرًا بفرض حظر على صادرات الوقود. إلا أن قادة قطاع الطاقة، إلى جانب بعض أعضاء إدارته، حذروا من تداعيات هذه الخطوة على حلفاء الولايات المتحدة، بدءًا من أميركا الجنوبية وصولًا إلى أوروبا.
وفي الوقت نفسه، تراقب البنوك المركزية ارتفاع أسعار الديزل عن كثب. ويرجع ذلك إلى الدور الأساسي للوقود في قطاعات عديدة، تشمل النقل وإنتاج الغذاء والسفر.
وقد يؤدي ارتفاع تكاليف الديزل إلى استمرار الضغوط التضخمية. وبالتالي، قد تضطر البنوك المركزية إلى مواصلة رفع أسعار الفائدة.
كما ساهم صعود أسعار الطاقة في موجة بيع واسعة بأسواق السندات العالمية.
شركات التكرير تؤجل أعمال الصيانة
في المقابل، تحاول شركات التكرير زيادة الإنتاج إلى أقصى مستوى ممكن، خصوصًا من الديزل.
وأعلنت «توتال إنرجيز» (TotalEnergies)، أكبر شركة لتكرير النفط في أوروبا، تأجيل أعمال صيانة في إحدى منشآتها. وكان من المقرر أن تبدأ تلك الأعمال خلال أيام.
وجاء قرار التأجيل بهدف استمرار إمدادات الوقود إلى الأسواق في ظل ارتفاع الطلب والأسعار.
ويتكرر الأمر في عدد من الدول الأوروبية، من بينها إسبانيا وبولندا واليونان. فقد أرجأت شركات تكرير عمليات صيانة كانت مقررة، بينما ارتفعت أسعار الوقود بوتيرة تفوق بكثير مكاسب أسعار النفط الخام.
وفي الولايات المتحدة، اتخذت أكبر مصفاة نفط في البلاد خطوة مماثلة.
وتقع هذه المنشأة الضخمة في ولاية تكساس، وهي مملوكة لشركة أرامكو السعودية. وتبلغ قدرتها على معالجة النفط أكثر من 640 ألف برميل يوميًا.
وكان من المقرر إجراء أعمال صيانة في المصفاة خلال الخريف الحالي، لكن تم تأجيلها إلى العام المقبل. كما اتبعت مصافٍ أميركية أصغر النهج نفسه.
هوامش التكرير تتجاوز 60 دولارًا للبرميل
وفي ظل الأسعار الحالية، أصبحت المصافي أمام فرصة استثنائية لتحقيق أرباح مرتفعة. فهي تحول النفط الخام إلى منتجات مثل البنزين والديزل.
ووفق أحد المؤشرات التقريبية المتداولة في قطاع التكرير، قد تتجاوز أرباح التكرير 60 دولارًا للبرميل.
كما حققت أكبر ثلاث شركات تكرير أميركية أرباحًا تجاوزت 10 مليارات دولار خلال الربع الثاني وحده.
وأصبح ما يعرف بـ**«هامش التكرير»** حاضرًا بقوة في النقاشات الاقتصادية. ويشير هذا المصطلح إلى الفارق الذي تحققه المصافي عند تحويل النفط الخام إلى منتجات نفطية قابلة للاستهلاك.
ولم يعد الحديث عن هامش التكرير مقتصرًا على شركات الطاقة. بل وصل أيضًا إلى نقاشات محافظي البنوك المركزية.
وقال لويس كابرا، نائب الرئيس التنفيذي لشركة التكرير الإسبانية «ريبسول» (Repsol)، إن الشركة تؤجل أعمال الصيانة الاختيارية والمرنة قدر الإمكان حتى تتمكن من مواصلة إمداد أسواقها بالوقود.
وأضاف أن هوامش الأرباح «جيدة جدًا».
تأجيل الصيانة يحمل مخاطر إضافية
ويرى عدد من كبار تجار السلع مؤشرات على أن المصافي في أوروبا والولايات المتحدة تعمل حاليًا بأقصى طاقتها لتلبية الطلب.
ويساعد تأجيل أعمال الصيانة على استمرار إنتاج الوقود بمستويات مرتفعة. لكن في المقابل، يزيد ذلك مخاطر حدوث أعطال أو اضطرابات أكبر داخل المصافي خلال العام المقبل.
وفي الولايات المتحدة، التي تمتلك واحدة من أكبر صناعات التكرير عالميًا، تعالج المصافي حاليًا نحو 17 مليون برميل من النفط الخام يوميًا.
ويمثل هذا المستوى رقمًا قياسيًا بالنسبة إلى هذا الوقت من العام.
وبالتالي، لا يبدو أن هناك حلًا سريعًا لأزمة نقص الوقود المكرر.
الحرب تعطل ملايين البراميل من طاقة التكرير
ساهمت حرب إيران والصراع بين روسيا وأوكرانيا في تعطيل طاقات تكرير وشحنات نفطية تصل إلى ملايين البراميل يوميًا.
وحتى في حال عودة تدفقات النفط الخام إلى مستوياتها السابقة، فإن المشكلة لا تنتهي عند هذا الحد.
فالقدرات الحالية للمصافي العاملة حول العالم لا تكفي لتحويل كل الخام إلى المنتجات النفطية التي يحتاج إليها المستهلكون يوميًا.
ومع تزايد الأهمية السياسية لقطاع التكرير، بدأت الحكومات تبحث عن إجراءات لزيادة الإنتاج واحتواء ارتفاع الأسعار.
وفي فرنسا، طلب الرئيس إيمانويل ماكرون من الاتحاد الأوروبي دراسة إمكانية تخفيف مواصفات الوقود.
أما في إيطاليا، فقد دعت الحكومة شركات التكرير المحلية إلى إجراء محادثات بشأن الوضع الحالي.
لكن المصافي الأوروبية لا تستطيع مواصلة تأجيل أعمال الصيانة إلى أجل غير مسمى.
وحذرت شركة التكرير البولندية «أورلن» (Orlen) من أن تأجيل الصيانة بما يتجاوز الحدود المبررة فنيًا قد يزيد مخاطر حدوث مشكلات تشغيلية أو توقفات غير مخطط لها.
حظر صادرات الوقود قد يزيد الأزمة العالمية
وفي الولايات المتحدة أيضًا، يتجه صناع القرار إلى إجراءات محلية بهدف خفض أسعار الوقود.
ومن بين هذه الإجراءات إلغاء الضريبة الفيدرالية على الديزل فعليًا، والتي تبلغ نحو 24 سنتًا، من خلال توسيع نطاق استخدام الديزل المخصص للمركبات والآليات التي تعمل خارج الطرق، والمعروف باسم الديزل الأحمر.
وفي الوقت نفسه، دعا بعض المشرعين الجمهوريين إلى فرض حظر على صادرات الوقود.
ويرى خبراء أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى خفض الأسعار داخل الولايات المتحدة لفترة قصيرة. لكنها قد تتسبب لاحقًا في رفع تكلفة مختلف أنواع الوقود، بما في ذلك البنزين.
وقال نيتين جيندال، رئيس السلع العالمية في «غولدمان ساكس»، خلال مؤتمر للسلع نظمه البنك في باريس، إن فرض حظر شامل على الصادرات قد يؤدي إلى سباق عالمي قوي لتأمين مصادر بديلة للديزل.
وأضاف أن ذلك سيرفع مستوى التقلبات وعدم اليقين في أسواق الطاقة العالمية.
واشنطن تنتقد أوروبا بسبب مخزونات الديزل
من جانبه، انتقد وزير الطاقة الأميركي كريس رايت الدول الأوروبية هذا الأسبوع لعدم ضخ المزيد من الديزل من مخزونات الطوارئ.
وجاءت هذه الانتقادات في إطار عمليات السحب التي نسقتها وكالة الطاقة الدولية في وقت سابق من العام.
ومع ذلك، فإن سباق الدول للحصول على كل برميل وقود متاح يفتح الباب أمام مشكلة أخرى.
فارتفاع الأسعار في الدول الغربية قد يتحول إلى أزمات أشد في الدول الأكثر فقرًا.
وفي نيجيريا، على سبيل المثال، تراجع الطلب على البنزين خلال الأسبوع الماضي بنحو 15% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
مصافي آسيا قد تساعد في تخفيف أزمة الوقود
وقال ديفيد بيرد، الرئيس التنفيذي لشركة «دانغوتي بتروليوم ريفاينري آند بتروكيميكالز» (Dangote Petroleum Refinery and Petrochemicals FZE)، التي تدير أكبر مصفاة نفط في أفريقيا، إن ارتفاع هوامش التكرير لا يمثل سببًا للاحتفال من وجهة نظر مسؤولي المصافي.
وأوضح أنه إذا وصلت الدول المتقدمة إلى مرحلة تراجع الطلب بسبب ارتفاع الأسعار، فإن تأثير ذلك على الدول الأقل تقدمًا سيكون أكبر بكثير.
وفي المقابل، تبدو المصافي الآسيوية في وضع أفضل نسبيًا للتعامل مع الأزمة.
ففي الوقت الذي قلصت فيه دول غربية قدراتها على إنتاج الوقود، أصبحت المصافي الآسيوية أقل تأثرًا بالاضطرابات التي تضرب أوروبا.
وقد تتمكن هذه المصافي من توفير إمدادات إضافية تساعد في تخفيف حدة أزمة الوقود الأوروبية.
وتمكنت مصافي النفط في أنحاء آسيا من تأمين جزء كبير من احتياجاتها من النفط الخام للأشهر المقبلة. وهذا يمنحها القدرة على مواصلة إنتاج الوقود، رغم استمرار اضطرابات الشحن في الخليج العربي.
وأكدت الهند التزامها بتنفيذ عقود تصدير الديزل.
أما الصين، التي تعد عادة من كبار مصدري الوقود، فقد خففت القيود التي فرضتها على صادراتها في وقت سابق من الصراع.
كذلك، قد تشهد صادرات اليابان انتعاشًا خلال الفترة المقبلة، ما قد يوفر مصدرًا إضافيًا لإمدادات الوقود في الأسواق العالمية.



