عالمي

زيادة الضرائب وخفض الإنفاق في بريطانيا لتفادي مزيد من الاقتراض

جاهز للاستماع
جاهز للاستماع
جاهز للاستماع

على رغم أن وزارة الخزانة البريطانية لا تعلق غالباً على توقعات الموازنة حتى يوم إعلانها، فإن التكهنات والتسريبات بدأت تنتشر عبر تقارير “حصرية” للصحافة منذ الآن.

وفي ضوء كل ما نشر، يُتوقع أن يلجأ وزير الخزانة في حكومة رئيس الوزراء آندي بيرنهام جون هيلي، إلى محاولة الحفاظ على الانضباط المالي في أول موازنة له في الـ28 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري.

ونشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريراً خلاصته أن وزير الخزانة سيوفر التمويل لما ستتضمنه الموازنة من التزامات إنفاق، من دون أن تقترض الحكومة أكثر من اللازم لسد العجز،  مما يعني أن هيلي سيكون مضطراً إلى زيادة بعض الضرائب وخفض الإنفاق على بعض البنود، ليتمكن من الحفاظ على “الانضباط” المالي الذي تلتزمه الحكومة حتى نهاية البرلمان الحالي خلال العام المالي 2029-2030.

إعلان

وعلى مدى الأيام الأخيرة، يلتقي وزير الخزانة ممثلي الأعمال، وتصدر تصريحات عن الحكومة في محاولة لطمأنة الأسواق بأن السياسة المالية التي ستتضمنها الموازنة الأولى لها لن تخرج عن إطار التزام تعهدات عدم زيادة العجز، خصوصاً أن التكهنات بزيادة الضرائب على الأعمال والأثرياء يمكن أن تؤدي إلى اضطراب في أسواق سندات الدين، كما حدث في فرنسا.

لكن صندوق النقد الدولي أعطى دفعة إيجابية للحكومة البريطانية ضمن تقريره الأخير عن الاقتصاد العالمي الذي صدر بالتزامن مع اجتماعات الخريف للصندوق والبنك الدوليين في بانكوك، إذ امتدح الصندوق بريطانيا في سياق تأكيده ضرورة التزام الحكومات الانضباط المالي وتقليل معدلات الاقتراض لخفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، وأضاف الصندوق أن “أية زيادات في الإنفاق يتعين تمويلها عبر ضمان التعديلات المالية الضرورية”.

دعم الصندوق لبريطانيا

وخلال كلمتها أمام اجتماعات بانكوك، قالت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا إن السياسة المالية في بريطانيا تسير في الاتجاه الصحيح، وأضافت أن “بريطانيا في الواقع إحدى الدول التي اتخذت إجراءات صارمة لخفض مستويات الدين وعجز الموازنة، ونرى أن بريطانيا، نتيجة لذلك، تتوقع نمواً اقتصادياً أفضل”.

وفي تقريره نصف السنوي، رفع الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد البريطاني للعام الحالي 2026 بمقدار نصف نقطة مئوية مقارنة بتقييماته في أبريل (نيسان) الماضي، ويقدّر بأن ينمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.3 في المئة.

وأشار التقرير إلى أن الاقتصاد البريطاني سيكون من أكبر المستفيدين من الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي وملحقاته مثل مراكز البيانات الكبرى، في دعم النمو.

وفور صدور التقرير وتصريحات مديرة صندوق النقد الدولي، تحسنت سندات الدين السيادي البريطانية، إذ ارتفعت قيمتها وانخفض العائد عليها قليلاً.

وتراجع العائد على سندات الخزانة البريطانية متوسطة الأجل لمدة 10 سنوات أكثر من نصف نقطة مئوية إلى 5.39 في المئة.

ورحب هيلي بالتقرير وتصريحات مديرة الصندوق، مؤكداً التزامه قواعد الانضباط المالي، والواضح أن الموازنة المقبلة ستوفر تمويل الإنفاق من مصادر تمكّن الحكومة من تقليل الاقتراض، كما يجمع معظم المحللين والمعلقين، بل إن رجال المال والأعمال والمستثمرين عموماً يقبلون بفكرة انخفاض هامش الاحتياط المالي المتاح للخزانة، مقابل تقليل الاقتراض وعدم زيادة الضرائب بقوة.

وتشير التقديرات إلى أن صدمة أزمة الطاقة وتبعات حرب إيران تسببتا في فجوة في الفائض المالي للخزانة بنحو 12 مليار جنيه إسترليني (16 مليار دولار)، مما

يعني تراجع الاحتياط المتاح للإنفاق بنحو النصف، من 23.6 مليار جنيه إسترليني (31 مليار دولار)، بل إن الأسواق لن تقلق إذا انخفض ذلك الهامش إلى مستوى 10 مليارات جنيه إسترليني (13 مليار دولار).

مخاوف العجز

وعلى رغم كل تلك المؤشرات الإيجابية، لا يختفي القلق من الأسواق في شأن الموازنة المقبلة مع نهاية الشهر، وحذر معهد الدراسات المالية من أن وزير الخزانة مطالب بتوضيح كيفية سد فجوة في الإنفاق الحكومي تصل إلى 35 مليار جنيه إسترليني (46 مليار دولار) حتى نهاية البرلمان الحالي، مما يعني أنه إذا أرادت الحكومة التزام سياسة استمرار النمو الاقتصادي، مع موازنة صحية وزيادة الإنفاق الدفاعي إلى نسبة ثلاثة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة موازنة الصحة بنسبة 2.7 في المئة، فإما أن تقترض أو تزيد الضرائب وتخفض الإنفاق.

ويطالب حزب المحافظين المعارض وغالبية مراكز البحث والدراسات الاقتصادية ذات التوجه اليميني، بضرورة خفض إنفاق الحكومة على المساعدات الاجتماعية لتمويل زيادة الإنفاق الدفاعي، من دون رفع فجوة عجز الموازنة والإخلال بقواعد الانضباط المالي.

لكن حكومة بيرنهام رفعت شعاراً أساساً هو مساعدة الأسر البريطانية في مواجهة ارتفاع كلفة المعيشة، والخطوة الأولى التي ستتضمنها موازنتها الأولى هي دعم فواتير الطاقة للأسر غير القادرة، خصوصاً مع صعود أسعار الكهرباء والغاز للمنازل.

كذلك، يعتزم وزير الخزانة تعليق الزيادة في رسوم المشتقات مثل وقود السيارات، وإلغاء زيادة بنسبة ثلاثة في المئة كانت متوقعة مطلع العام المقبل، إضافة إلى رفع معاشات الدولة للمتقاعدين.

في المقابل، يتوقع أن تلغي الحكومة ما تسمى “القيود الثلاثة” على معاشات التقاعد، مما سيعني خفض قيمة معاشات التقاعد للعاملين من صناديق المعاشات، إذ ستحصّل الخزانة ضرائب عليها، لكن هذا الإجراء لن يوفر كثيراً للخزانة العامة.

لذا، يرجح أن يجمد هيلي الزيادة في موازنات الوزارات والإدارات الحكومية، مما يعني خفضاً حقيقياً لها في ظل ارتفاع التضخم، على رغم ما لذلك من تأثير سلبي في الخدمات العامة للمواطنين وبعض جوانب الإنفاق على البنية التحتية.

مقاومة زيادات ضريبية

وهناك تكهنات كثيرة حول الزيادة الضريبية المتوقعة، كي توفر الخزانة العامة مليارات الجنيهات لتمويل خطط الإنفاق الحكومي، من دون الحاجة إلى زيادة معدلات الاقتراض ورفع مستوى الدين العام.

واستبعد جون هيلي بعض تلك المقترحات خلال الأيام الأخيرة، في سياق طمأنة دوائر المال والأعمال وامتصاص أي قلق في أسواق السندات.

ومن الأمثلة على ذلك، مقاومة وزير الخزانة مقترحات بعض أركان حزبه بزيادة ضريبة أرباح رأس المال لتصبح نسبتها مساوية لنسبة الضريبة على الدخل، مما يعني زيادتها بمقدار الضعف أو أكثر، وضريبة أرباح رأس المال شديدة الحساسية للمستثمرين لأنها تُفرض على أرباح الاستثمارات في الأسهم والسندات، لكنها تمس المواطنين أيضاً، إذ تُحصّل كذلك على أرباح مثل المكسب الذي يحققه صاحب العقار من بيعه بسعر أعلى من سعر شرائه، ويُستثنى من ذلك العقار المستخدم مسكناً أساساً للأسرة.

ورفض هيلي تلك المقترحات لأنها ستأتي برد فعل عكسي لدى المستثمرين، ويمكن أن تهز سوق السندات المضطرب عالمياً أصلاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كما أنها ستدفع مزيداً من الأثرياء إلى مغادرة بريطانيا والخروج من النظام الضريبي، مما يعني في المحصلة تراجع العائدات الضريبية للخزانة العامة.

كذلك استبعد وزير الخزانة خفض سقف الإعفاء من ضريبة العقار التي ستحصلها الخزانة على العقارات التي يزيد سعرها على مليوني جنيه إسترليني (2.6 مليون دولار)، إذ اقترح بعض قيادات حزب العمال الحاكم فرض الضريبة على العقارات التي يزيد سعرها على 1.5 مليون جنيه إسترليني (مليوني دولار). لكن هيلي رفض ذلك، أخذاً في الاعتبار أن مثل هذا الخفض لحد الإعفاء سيجعل الضريبة تطاول عدداً كبيراً من الناخبين في مناطق مثل العاصمة لندن وجنوب شرقي إنجلترا.

بالتالي، لا يُتوقع أن تتضمن الموازنة في نهاية الشهر مفاجآت حول ضريبة أرباح رأس المال أو الضريبة العقارية، وإن كان من الممكن زيادة بعض أنواع ضرائب الأرباح وضرائب الأعمال بصورة طفيفة مثل رفع ما كانت نسبته 20 في المئة إلى 24 في المئة.

زيادات ضريبية محتملة

وتراهن الحكومة على أن التزام قواعد الانضباط المالي ووضع سياسة مالية متوازنة تستهدف خفض العجز وتقليل نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي سيساعدان في زيادة النمو الاقتصادي، مما يترجم إلى ارتفاع عائدات الخزانة الضريبية.

لكن مهما كانت توقعات النمو إيجابية، فإنها ليست كافية لسد فجوة التمويل بعشرات مليارات الدولارات، خصوصاً مع الانخفاض الحاد في هامش الاحتياط المالي لدى الخزانة.

وكان البيان الانتخابي لحزب العمال عام 2024 تعهد بحماية ثلاثة أنواع ضريبية من أية زيادة، هي ضريبة الدخل وضريبة القيمة المضافة ومستقطعات التأمينات الاجتماعية من العاملين والأعمال والشركات.

بالتالي، فإن بقية الأنواع الضريبية يمكن “تحريكها” من دون النكوص عن وعد الميثاق الانتخابي، وتجمع غالبية التحليلات والتقديرات على أن ما يمكن أن تتضمنه الموازنة الجديدة هو زيادة الضرائب على البنوك والمؤسسات المالية، وكذلك زيادة الضرائب على صناعة القمار وألعاب المراهنات التي تدفع ضريبة تراوح ما بين 20 و24 في المئة، أي ما يقارب ضرائب أرباح رأس المال.

ويتوقع أن تقرر الحكومة زيادة تلك الضريبة بنحو الضعف إلى نسبة 40 في المئة، وهي نسبة قريبة من الضريبة على الشريحة الأعلى من ضرائب الدخل.

أما بالنسبة إلى زيادة الضريبة على البنوك، فلم يتضح بعد حجمها ولا نوعها، وإن كانت زيادة الضريبة على القطاع المصرفي تحظى بتأييد الغالبية في حزب العمال بصورة عامة.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى