صدمات الطاقة تهدد بإعادة رسم خريطة الاقتصاد العالمي

كشفت دراسة بحثية حديثة أن هناك لحظات في الاقتصاد العالمي لا تكون المشكلة فيها أن مؤشراً واحداً انهار، أو أن دولة كبرى دخلت رسمياً في حال ركود، وإنما أن عدداً متزايداً من المؤشرات يبدأ في إرسال رسائل متشابهة.
النمو يتباطأ، والتضخم لا يتراجع بالمعدلات المطلوبة والمتوقعة، وأسعار الطاقة والسلع الأساسية تصبح أكثر حساسية للصدمات الجيوسياسية بعدما تحولت اضطرابات الممرات البحرية إلى عامل ضغط مباشر على مصادر الطاقة وسلاسل الإمداد.
ووصلت مستويات الدين العام إلى مستويات مرتفعة في عدد كبير من الاقتصادات، بينما تتعرض الأسواق المالية لتحركات حادة يمكن أن تنتقل آثارها سريعاً بين الأسهم والسندات والعملات والسلع. ولم تعد المشكلة محصورة في سوق بعينها أو اقتصاد محدد، إنما أصبحت درجة الترابط بين الأسواق والاقتصادات تجعل انتقال الصدمة من قطاع إلى آخر ومن دولة إلى أخرى أسرع وأكثر تعقيداً.
كيف يمكن دعم النمو وخفض كلفة التمويل؟
في مذكرة بحثية حديثة وحصرية لـ”اندبندنت عربية”، قال الرئيس التنفيذي لمجموعة “سوليد كابيتال – أفريقيا والخليج العربي”، محمد رضا، أن السياسة النقدية العالمية، أصبحت أمام معضلة شديدة التعقيد: كيف يمكن دعم النمو وتخفيف كلفة التمويل، من دون السماح لموجة جديدة من ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء بأن تعيد التضخم إلى الواجهة، فالبنوك المركزية الكبرى أمضت السنوات الماضية في مواجهة موجة التضخم عبر تشديد السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة، قبل أن تبدأ، مع تراجع الضغوط التضخمية، في الانتقال تدريجاً نحو خفض الفائدة أو تثبيتها.
لكن عودة صدمات الطاقة وارتفاع أخطار التضخم تضع صانعي السياسة النقدية أمام معادلة أكثر صعوبة: هل الأولوية لدعم النمو وتخفيف كلفة الاقتراض، أم للحفاظ على السيطرة على التضخم حتى لو كان الثمن مزيداً من التباطؤ الاقتصادي؟
بدأ البنك الفيدرالي الأميركي الإجابة عن هذا السؤال بعدما رفع أسعار الفائدة فهل يتبعه البنوك المركزية الأخرى لنجد أنفسنا أم موجة جديدة من التشديد النقدي أي مزيد من التباطؤ في الاقتصاد العالمي.
هذه هي البيئة التي يعيش فيها الاقتصاد العالمي الآن، صدمات جيوسياسية تضغط على الطاقة والتجارة، تضخم يمكن أن يعاود الارتفاع، ديون مرتفعة، وأسواق مالية شديدة الحساسية.
وفي وقت تتحرك فيه البنوك المركزية لموجة جديدة من التشديد النقدي، لذلك فإن السؤال الأكثر أهمية لم يعد فحسب، هل ستقع أزمة اقتصادية عالمية؟ إنما أصبح السؤال الأكثر واقعية، إذا تحولت الضغوط الحالية إلى أزمة واسعة، من سيكون أكثر استعداداً لاستيعابها، ومن سيدخلها بلا هوامش أمان؟
توقعات متشائمة لكن الصورة ليست قاتمة
أوضح رضا أنه ليس من الحقيقي القول إن الاقتصاد العالمي دخل في أزمة مالية عالمية شبيهة بأزمة 2008، فضلاً عن أنه ليس من الصحيح التعامل مع المؤشرات الحالية باعتبارها دليلاً حتمياً على انهيار وشيك. التوقعات الرسمية نفسها لا تزال تفترض استمرار نمو الاقتصاد العالمي، وإن كان بوتيرة أضعف وفي بيئة أكثر صعوبة وأكثر تعرضاً للأخطار.
البنك الدولي، في توقعاته الصادرة في يونيو (حزيران) الماضي، خفض توقع النمو العالمي إلى 2.5 في المئة لعام 2026، مشيراً إلى أن الأخطار تميل بقوة إلى الجانب السلبي، خصوصاً مع استمرار اضطرابات الطاقة والتجارة والأخطار الجيوسياسية.
وفي سيناريو أكثر تشاؤماً يجمع بين اضطرابات الطاقة والضغط المالي، قد يتراجع النمو العالمي إلى مستويات أكثر انخفاضاً بكثير. ومن جهة أخرى تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الاقتصاد العالمي كان يدخل 2026 بدرجة من الصمود، مدعوماً بالاستثمار المرتبط بالتكنولوجيا، لكنه أصبح يواجه ضغوطاً من ارتفاع كلفة الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد وعدم اليقين الجيوسياسي.
وفي توقعاتها الصادرة في يونيو الماضي، تتوقع المنظمة، نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 2.9 في المئة في 2026 و3 في المئة في 2027 في سيناريو استمرار اضطراب الطاقة لفترة محدودة، لكنها تحذر في الوقت نفسه من أن استمرار الاضطرابات لفترة أطول قد يخفض النمو العالمي إلى 2.1 في المئة في 2026 و1.8 في المئة في 2027، مع ارتفاع إضافي في التضخم وتشديد الأوضاع المالية.
وأوضح أن هذه الأرقام تشير إلى أن الاقتصاد العالمي ليس بالضرورة أمام انهيار حتمي، لكنه أصبح أكثر حساسية للصدمات، فالسيناريو الأساس قد يظل قابلاً للسيطرة، لكن اتساع الصدمة أو استمرارها لفترة أطول يمكن أن يغير الصورة بصورة كبيرة، وهذا تحديداً مما يجعل الاستعداد أكثر أهمية من محاولة إطلاق توقعات قاطعة في شأن موعد الأزمة أو حجمها.
سلسلة أزمات تبدأ من ارتفاع أسعار الطاقة
أما المشكلة الأكثر تعقيداً فتتمثل في أن العالم لا يواجه صدمة واحدة منفصلة، إنما مجموعة من الصدمات التي يمكن أن تتفاعل مع بعضها، فارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يرفع كلفة النقل والإنتاج والغذاء، وهو ما يعيد التضخم إلى الواجهة، والتضخم المرتفع قد يحد من قدرة البنوك المركزية على خفض أسعار الفائدة بالسرعة التي يحتاج إليها الاقتصاد العالمي، وارتفاع الفائدة لفترة أطول يزيد كلفة خدمة الدين على الحكومات والشركات والأفراد، وارتفاع كلفة التمويل قد يؤدي بدوره إلى ضعف الاستثمار والاستهلاك، ثم تباطؤ النمو، ثم ارتفاع أخطار التعثر.
هنا تبدأ الحلقة الاقتصادية الأكثر خطورة، صدمة في أسعار الطاقة تتحول إلى تضخم، والتضخم يتحول إلى ضغوط على السياسة النقدية، وضغوط السياسة النقدية تتحول إلى ارتفاع في كلفة التمويل، وارتفاع كلفة التمويل يضغط على النمو والديون والأسواق، ثم يعود ضعف الأسواق والاقتصاد الحقيقي ليزيد الضغوط على الحكومات والشركات والأسر.
وأشارت الدراسة إلى أن الاقتصاد العالمي، ربما لا يكون متجهاً بالضرورة إلى نسخة جديدة من أزمة 2008، وهذه نقطة يجب التشديد عليها، لكن البيئة الحالية تجعل تجاهل الأخطار قراراً أكثر كلفة، فالنمو أبطأ مما كان عليه في مراحل سابقة، الدين مرتفع، والتضخم يمكن أن يعاود الارتفاع إذا استمرت اضطرابات الإمدادات لسلاسل الإمداد والطاقة، والأسواق أصبحت أكثر ترابطاً، والأخطار الجيوسياسية قادرة على الانتقال من ممر ملاحي أو سوق طاقة إلى التضخم ثم إلى أسعار الفائدة ثم إلى أسواق المال.
لذلك، فإن الاستراتيجية الأكثر عقلانية في هذه المرحلة ليست إعلان حال طوارئ اقتصادية، ولا بيع كل شيء انتظاراً للانهيار، ولا تخزين الأموال خارج النظام المالي، إنما بناء القدرة على تحمل الأزمات المفاجئة، فالدولة القوية ليست الدولة التي لا تتعرض للأزمات، لأن هذه الدولة غير موجودة، بل الدولة التي تدخل الأزمة ولديها احتياطات وخيارات ومؤسسات تستطيع التحرك بسرعة، والأسرة القوية مالياً ليست الأسرة التي لا ينخفض دخلها، بل التي تستطيع أن تتحمل انخفاضه دون انهيار موازنتها.
والمستثمر المحترف ليس من يتنبأ دائماً بالاتجاه الصحيح للسوق، بل من يبني محفظة لا تجبره على اتخاذ قرارات كارثية عندما يصبح الخوف هو المسيطر على الأسواق.
وقال رضا إن الأزمات الاقتصادية لا يمكن منعها دائماً، لكن يمكن تقليل قدرتها على تدمير الدول والأسر والمستثمرين، والفارق بين من يخرج من الأزمة بأضرار محدودة ومن يخرج منها منهكاً لا يبدأ يوم انهيار الأسواق، بل يبدأ قبل ذلك بكثير، عندما تكون الأخبار جيدة والأسواق هادئة، وعندما يقرر الأفراد والحكومات والمستثمرون أن يحتفظوا بهوامش أمان بدلاً من استهلاك كل ما لديهم في أوقات الاستقرار.
كيف تستعد الدول لأي أزمات وشيكة؟
أشارت الدراسة إلى أن الحكومات التي تتعامل بجدية مع احتمالات الصدمات لا تنتظر وقوع الأزمة حتى تبدأ في بناء أدوات المواجهة، فالاستعداد الحكومي الحقيقي يبدأ قبل الأزمة بأعوام من خلال بناء ما يسمى الهوامش الوقائية، واحتياطات نقد أجنبي كافية، ووضع مالي يسمح للحكومة بالإنفاق عند الضرورة من دون فقدان ثقة الأسواق، إلى جانب نظام مصرفي يتمتع برؤوس أموال وسيولة كافية، وأسواق دين قادرة على جذب المستثمرين حتى في ظروف الضغط. ولفت إلى أن الاحتياطات الدولية تمثل أحد أهم خطوط الدفاع أمام الصدمات الخارجية، خصوصاً بالنسبة الاقتصادات الناشئة، لأنها تمنح الدولة قدرة على امتصاص الصدمة بدلاً من الاضطرار إلى اتخاذ إجراءات اضطرارية تحت ضغط السوق.
لكن بناء الاحتياطات ليس سوى طبقة واحدة من منظومة الحماية، فالدولة المستعدة لأزمة عالمية تحتاج كذلك إلى إدارة دين أكثر ذكاءً، فالمشكلة ليست فقط في حجم الدين، إنما في موعد استحقاقه، وكلفته، ونسبة الدين المقوم بالعملات الأجنبية، ومدى اعتماد الحكومة على إعادة التمويل المستمر، الدولة التي لديها دين مرتفع لكنها تملك آجال استحقاق طويلة، وقاعدة تمويل مستقرة، واحتياطات قوية، تختلف جذرياً عن دولة لديها الدين نفسه تقريباً، لكنها مطالبة بإعادة تمويل مبالغ ضخمة خلال أشهر قليلة.
وفي الأزمات، لا يصبح حجم الموارد هو الاختبار الوحيد، وإنما تصبح قدرة الدولة على شراء الوقت وإدارة السيولة عاملاً حاسماً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولهذا فإن الحكومات التي تستعد بجدية ينبغي أن تعمل على إعادة ترتيب هيكل الدين قبل الأزمة، وإطالة آجال الاستحقاق عندما تكون ظروف السوق تسمح بذلك وتقليل أخطار العملات الأجنبية والحفاظ على مصادر تمويل متنوعة وبناء خطط واضحة للتعامل مع اضطرابات أسواق السندات والعملات.
ولا يكفي أن تكون الحكومة مستعدة، لكن يجب أن يكون نظامها المصرفي قادراً على البقاء، لذلك أصبحت اختبارات الضغط، ومتطلبات رأس المال والسيولة، وخطط التعافي، وآليات التعامل مع البنوك المتعثرة، ومصادر السيولة الطارئة من أهم أدوات السياسة الاقتصادية الحديثة. والهدف ليس منع الخسائر بالكامل، ولكن منع تحول مشكلة محدودة في مؤسسة مالية إلى أزمة ثقة تنتشر عبر النظام المالي بأكمله.
معضلة ارتفاع التضخم في ظل تباطؤ الاقتصاد
وفق الدراسة وبالنسبة إلى السياسة النقدية، فستواجه في الأزمة المقبلة معضلة مختلفة عن أزمة 2008، ففي الأزمة المالية التقليدية يمكن للبنك المركزي غالباً أن يخفض الفائدة لتشجيع الائتمان والنشاط الاقتصادي، لكن ماذا يحدث إذا جاءت الأزمة مصحوبة بارتفاع أسعار النفط والغذاء والطاقة؟ هنا يصبح خفض الفائدة أكثر تعقيداً لأن التضخم قد يكون مرتفعاً في الوقت نفسه الذي يتباطأ فيه الاقتصاد، وهذا هو أحد أصعب السيناريوهات التي يمكن أن تواجه صانعي السياسة، ركود أو تباطؤ اقتصادي مع تضخم مرتفع.
لذلك لا توجد وصفة واحدة تصلح لكل الدول، فبعض الاقتصادات تحتاج إلى تشديد نقدي لحماية استقرار الأسعار والعملات، بينما يمكن لدول أخرى ذات هوامش مالية ونقدية أكبر أن تقدم دعماً موقتاً وموجه للاقتصاد.
ويشير صندوق النقد الدولي إلى أهمية الجمع بين المرونة في سعر الصرف والأدوات النقدية والمالية، والاحتياطات والأدوات الاحترازية الكلية وأن تكون الاستجابة متناسبة مع طبيعة الصدمة والهوامش المتاحة لكل دولة، مع الحفاظ على استقرار الأسعار والاستقرار المالي وتوجيه الدعم بصورة موقتة ومحددة بدلاً من إطلاق دعم واسع ومكلف يصعب سحبه لاحقاً.
وهنا يظهر عنصر آخر بالغ الأهمية، هو الحماية الاجتماعية، فالأزمة الاقتصادية لا تضرب جميع المواطنين بالطريقة نفسها، العامل منخفض الدخل، والأسرة التي لا تملك مدخرات، والعامل الذي يعتمد على قطاع حساس للدورة الاقتصادية، يكونون أكثر تعرضاً للصدمات من أصحاب الدخول المرتفعة والأصول المتنوعة.
لذلك، فإن الحكومة التي تستعد للأزمة لا تكتفي بحماية البنوك والأسواق، بل تحتاج إلى أن تكون لديها آليات جاهزة لتحويل الدعم بسرعة إلى الفئات الأكثر تضرراً، سواء من خلال برامج نقدية موقتة أو دعم غذائي وطاقة موجه أو تأمينات اجتماعية أو برامج للحفاظ على الوظائف، والدرس المهم هنا أن الدعم الموجه والموقت يمكن أن يكون أكثر كفاءة من الدعم الشامل والمفتوح، فالحكومات التي تنفق مبالغ ضخمة على دعم عام غير موجه قد تستنزف مواردها بسرعة، بينما تستطيع الدولة التي تمتلك قواعد بيانات فعالة وشبكات حماية اجتماعية جيدة توجيه مواردها إلى من يحتاج إليها فعلاً، وفي الأزمات، تصبح كل وحدة نقدية في الموازنة ذات قيمة أعلى من المعتاد.



