عالمي

التضخم في بريطانيا أقل سوءا مما يبدو… فلماذا ترتفع فوائد الرهن العقاري؟

جاهز للاستماع
جاهز للاستماع
جاهز للاستماع

ارتفع معدل التضخم في المملكة المتحدة إلى 3.1 في المئة خلال أغسطس (آب)، ومن السهل تفهّم شعور البريطاني العادي بالضجر وهو يقول: “أخبرونا بشيء لا نعرفه”.

وكما كان متوقعاً، كان ارتفاع أسعار الطاقة السبب الأبرز وراء زيادة التضخم، إلى جانب استمرار إغلاق مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الضيق في الخليج العربي الذي أصبح مألوفاً لنا جميعاً.

وسواء تعلق الأمر بالديزل، أو وقود التدفئة، أو البنزين في المحطات، أو كلفة النقل التي تتأثر بشدة بأسعار الوقود، فالنتيجة واحدة: اجتمعت هذه العوامل لتدفع الأسعار التي ندفعها إلى مزيد من الارتفاع، وتفاقم الصداع الذي يعانيه آندي بيرنهام وحكومته. وربما كُلّف موظف حكومي مبتدئ بالفعل بالتوجه إلى أقرب فرع من صيدليات “بوتس” لشراء كمية كبيرة من الباراسيتامول.

إعلان

لكن تمهلوا قليلاً، فثمة بعض الأخبار الجيدة: الوضع ليس بالسوء الذي يبدو عليه، أو ليس بعد على الأقل. فعند التعمق في بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية، يتبين أن التضخم الأساسي، الذي يستبعد الفئات الأكثر تقلباً مثل الطاقة والغذاء والمشروبات الكحولية والتبغ، لم يكن سيئاً إلى هذا الحد.

والغرض من هذا المقياس هو إظهار المستوى “الكامن” للتضخم في الاقتصاد، لأن أسعار الغذاء والطاقة قد تتقلب بعنف بفعل عوامل مثل الجفاف أو اندلاع حرب في الخارج. وعلى رغم أهمية هذه العوامل، فإنها كثيراً ما تحجب الصورة الفعلية لأداء الاقتصاد. ومن خلال استبعاد العناصر الأشد تقلباً، تتضح الصورة أكثر. ويشبه الأمر، عند قياس حجم الخطر الذي يواجه الاقتصاد، تجاهل ارتفاع الأمواج حول قارب والتركيز بدلاً من ذلك على اتجاهه وسرعته.

ولا تستطيع لجنة السياسة النقدية في بنك إنجلترا، المسؤولة عن تحديد معدلات الفائدة، أن تفعل الكثير حيال أسعار الطاقة، لأنها لا تملك وسيلة للتأثير في أسباب ارتفاعها، سواء كان دونالد ترمب أو إيران أو الحوثيون في اليمن. وهي أقل قدرة، إن أمكن القول، على التأثير في ظاهرة “إل نينيو” وما قد تتركه لاحقاً من أثر في أسعار الغذاء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن هنا تأتي أهمية وجود مقياس يرصد الجوانب التي تستطيع السياسة النقدية التأثير فيها. وهذا، إلى حد بعيد، ما يعكسه التضخم الأساسي، الذي استقر عند 2.6 في المئة طوال الأشهر الأربعة الماضية.

ولا تزال هذه النسبة أعلى مما يبعث على الارتياح، ولا سيما لدى الأعضاء الأكثر تشدداً في لجنة السياسة النقدية، في ظل استهداف معدل تضخم يبلغ اثنين في المئة. لكن بقاء التضخم الأساسي مستقراً نسبياً وسط الاضطرابات الراهنة يظل مطمئناً، ويوحي بأن الاقتصاد البريطاني يسير في اتجاه معقول. وقد يكون ذلك كافياً أيضاً لتجنب رفع الفائدة غداً، وهي خطوة يصعب على الاقتصاد تحملها، على رغم ما أظهره من قدرة على الصمود.

أما تضخم أسعار الخدمات، الذي ظل مرتفعاً بعناد لفترة طويلة، فبلغ 3.7 في المئة في مايو (أيار)، قبل أن يتراجع إلى 3.4 في المئة ويستقر عند هذا المستوى. وهي نسبة لا تزال مرتفعة، لكنها مستقرة على الأقل.

ولم تظهر أيضاً أي مؤشرات إلى نشوء دوامة بين الأجور والأسعار، وهي من أكثر السيناريوهات التي تثير قلق أعضاء لجنة السياسة النقدية. بل على العكس، أظهرت أحدث بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية تراجع نمو متوسط الأجور من 4.2 إلى 3.9 في المئة. كما أصبح نمو أجور القطاع الخاص أدنى من معدل التضخم العام.

ولا شك في أن ذلك ليس خبراً ساراً لمن يعملون ويشاهدون دخولهم تتآكل أمام ارتفاع الأسعار. كما أنه يمثل مشكلة كبيرة لبيرنهام ووزير الخزانة جون هيلي. فعبارة “أزمة غلاء المعيشة” التي باتت شديدة السمية سياسياً تأبى أن تختفي، وأي محاولة لزيادة الضرائب التي يتحملها المستهلكون ستكون بالغة الكلفة السياسية، وهو ما يفسر تزايد الحديث قبيل الموازنة عن فرض ضرائب إضافية على أنشطة أقل حساسية سياسياً، مثل آلات القمار.

لكن فيما يزداد استياء المستهلكين وهم يقارنون رواتبهم بفواتيرهم، تجد لجنة السياسة النقدية في هذه الأرقام ما يدعو إلى الارتياح.

لكن ما يعكر هذه الصورة المتفائلة هو موقف أسواق المال في لندن، التي لا تعتقد أن هذا الاستقرار سيستمر. وقد تكون مخطئة، فهي كثيراً ما تخطئ، لكن ذلك لا يهم كثيراً أولئك الذين تتأثر أوضاعهم بتوقعاتها، وفي مقدمهم الساعون إلى الحصول على قروض رهن عقاري.

فالأسواق لا تعتقد أن أعضاء لجنة السياسة النقدية الأكثر ميلاً إلى التيسير سيستطيعون مقاومة رفع الفائدة طويلاً. وهي تخشى أن تنتقل زيادات أسعار الطاقة إلى قطاعات أخرى، فترفع التضخم الأساسي وتجبر بنك إنجلترا على التدخل.

ولا تعتمد أسعار قروض الرهن العقاري ذات الفائدة الثابتة، التي يفضلها معظم الناس، على سعر الفائدة الأساسي الحالي البالغ 3.75 في المئة، بل على توقعات الأسواق لمساره في الأجل الأطول. وفي وقت من الأوقات، كانت الأسواق تتوقع ما يصل إلى خمس زيادات في الفائدة، وهي لا تزال تحتسب أربع زيادات حتى الآن.

وبرأيي، تبدو هذه المخاوف مبالغاً فيها. لكن المقرضين لا يبنون قراراتهم على رأيي. ففي أثناء كتابتي هذه السطور، وصلني بريد إلكتروني من نيكولاس مينديز، من شركة وساطة الرهن العقاري “جون تشاركول”، يشير إلى أن عدداً كبيراً من المقرضين بدأ بالفعل رفع أسعار عروضه.

ومن بين هؤلاء “نات ويست” و”سكيبتون بيلدنغ سوسايتي” و”كوفنتري بيلدنغ سوسايتي” و”تي إس بي” و”برينسيباليتي بيلدنغ سوسايتي”، ومن المتوقع أن تلحق بها مؤسسات أخرى.

لذلك، على المقترضين التحرك سريعاً، واستكمال الأوراق وتوقيعها وتثبيت العرض. فمعظم المقرضين يلتزمون بالسعر الذي قدموه متى جرى تثبيت العرض، حتى لو رفعوا أسعارهم في اليوم التالي. أما التأخير، فقد تكون كلفته باهظة للغاية.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى