اقتصاد إيران يتصدع تحت الضغط الأميركي

يعاني الاقتصاد الإيراني ضغوطاً متزايدة بعد شهرين من تجدد الحصار البحري الأميركي على موانئ البلاد الذي أدى إلى خنق صادرات النفط وحرمان طهران مليارات الدولارات من الإيرادات الحكومية الحيوية، والذي يهدد البلاد بنقص حاد في العملة الأجنبية التي تحتاج إليها لدفع قيمة الواردات الباقية.
وفي الداخل، أفاد إيرانيون بظهور حالات نقص جديدة في البنزين والكهرباء، بالتزامن مع تضخم مستمر ومدمر تجاوز 80 في المئة لأشهر عدة.
وفي الوقت نفسه، تراجعت العملة الإيرانية الريال إلى مستوى قياسي جديد هذا الشهر، متجاوزة 2.3 مليون ريال مقابل الدولار الواحد.
لكن حتى الآن، لا توجد مؤشرات تذكر على أن الألم المالي يتحول إلى ضغط على القيادة الإيرانية بالقدر الكافي لإجبارها على العودة للمحادثات وإنهاء الحرب، وفق تحليل نشرته صحيفة “ذا واشنطن بوست”.
ورفضت طهران التراجع عن مطالبها المتعلقة بمضيق هرمز، وهو موقف أسهم في انهيار محادثات كانت مقررة في عمان الأسبوع الماضي. ولا تزال القوات الإيرانية تهاجم السفن التي تتحدى تحذيرات طهران باستخدام طريق تدعمه الولايات المتحدة عبر المضيق.
“لا نستطيع التفكير في المستقبل”
وقالت مينا، البالغة 34 سنة، وهي عاملة في مقهى من شرق طهران، للصحيفة إن الأسعار ترتفع بسرعة كبيرة لدرجة أنها توقفت عن الادخار لشراء الأغراض التي تحتاج إليها، إذ إنه بحلول وقت جمعها المبلغ المطلوب يكون السعر قفز مجدداً إلى مستوى يفوق قدرتها.
ومثل إيرانيين آخرين أجرت معهم الصحيفة مقابلات لإعداد تقريرها، تحدثت مينا عبر تطبيقات المراسلة، مشترطة عدم الكشف عن اسمها الكامل خوفاً من الانتقام، وقالت “لا نستطيع التفكير في المستقبل على الإطلاق، أو التخطيط له”.
العقوبات الجديدة أم الحصار؟
بعد فشل إدارة ترمب في تحقيق انتصار حاسم بالوسائل العسكرية، أطلقت في أغسطس (آب) الماضي حملة ضغط اقتصادي على إيران تضمنت موجة جديدة من العقوبات أُطلق عليها اسم “عملية المنبوذ الاقتصادي”.
لكن محللين يقولون إن الزيادة الأخيرة في حدة الصعوبات الاقتصادية داخل إيران تبدو مرتبطة بصورة أكبر بإعادة فرض الحصار الأميركي في يوليو (تموز) الماضي.
وتعهد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بقطع “كل شريان اقتصادي” يربط إيران بالنظام المالي العالمي، من خلال فرض عقوبات جديدة على شركاء طهران التجاريين، وأُعلنت بالفعل إجراءات ضد كيانات في الإمارات وتركيا وروسيا.
إيران تكيفت مع العقوبات
لكن إيران التي تحملت العقوبات الأميركية لعقود، أدخلت تغييرات هيكلية على اقتصادها بهدف تحصينه من الضغوط الاقتصادية الخارجية، وفق الرئيس التنفيذي لـ”بورصة وبازار” إسفنديار باتمانغيليدج، وهي مؤسسة بحثية مقرها لندن تتابع الاقتصاد الإيراني.
وأوضح باتمانغيليدج أن “السلطات الإيرانية تعرف أن اقتصاد البلاد يتعرض لضربات قاسية، لكنها تفكر مثل ملاكم أقل حظاً يهدف إلى إنهاك خصمه على مدى 12 جولة”، قائلاً “قد تمتص الضربات الموجهة إلى الجسد، لكن الملاكم يبقى واقفاً على قدميه، وينتظر وقته ثم يرد الضربة”.
الحصار يسرّع أثر العقوبات
يبدو أن الحصار يزيد تأثير السياسات الأخرى التي تنتهجها إدارة ترمب، وقال مياد مالكي الذي عمل في سياسة العقوبات لدى وزارة الخزانة الأميركية ويشغل حالياً منصب زميل أول في “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات”، وهي مؤسسة بحثية تتخذ من واشنطن مقراً لها وتتبنى موقفاً متشدداً تجاه إيران، إن حملة الضغط الاقتصادي الأميركية كان يمكن أن تستغرق أعواماً لإلحاق الضرر بالقيادة الإيرانية لو اقتصرت على العقوبات، وأضاف “ما تغير هو الحصار البحري. إنه يسرّع بالفعل تأثير العقوبات”.
وكان الاقتصاد الإيراني تعرض لأضرار كبيرة جراء أشهر من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتضررت أو دُمرت آلاف المنشآت نتيجة عشرات آلاف الضربات الجوية، كما كان للهجمات على البنية التحتية تأثير كبير في البطالة.
وفي يوليو الماضي، توقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4 في المئة خلال العام المقبل.
مليارات الدولارات مهددة بالضياع
في ظل الحصار، تخسر إيران مليارات الدولارات من الإيرادات الحكومية شهرياً، وخلال المراحل الأولى من الحرب، واصلت إيران تصدير ملايين براميل النفط يومياً، لكن قدرتها الحالية على التصدير لا تتجاوز نحو 250 ألف برميل يومياً عبر الطرق البرية والسكك الحديد، وفق شركة “كبلر” المتخصصة في بيانات النقل البحري.
وفي محاولة لتوليد إيرادات من مصادر أخرى، أعلنت إيران هذا الشهر خططاً لتقليص الدعم المقدم للبنزين المستورد، وهي خطوة أدت إلى مضاعفة كلفة بعض أنواع الوقود بالنسبة إلى المستهلكين.
وأثار الإعلان موجة إقبال على محطات الوقود، إذ سارع المواطنون إلى ملء خزانات سياراتهم قبل تطبيق الزيادة.
وبعد الإعلان، أفاد إيرانيون بانتشار أعداد كبيرة من قوات الأمن في محطات الوقود وأماكن أخرى.
التضخم يضغط على الأسر
وكانت احتجاجات اندلعت بسبب الأوضاع الاقتصادية أدخلت إيران في أزمة قبل أشهر قليلة من الحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة، في ما يعتبره خصوم إيران خريطة محتملة للإطاحة بالحكومة. واستخدمت طهران قوة مميتة واسعة النطاق لقمع الاحتجاجات وردع أية انتفاضات جديدة.
وقال حميد، البالغ 37 سنة، وهو من سكان طهران ويعمل سائقاً لدى شركة “سناب” الإيرانية لخدمات طلب سيارات الأجرة، “الحكومة لا تساعد وحسب، بل تجعل كل شيء أكثر كلفة”.
طهران تتحدى الضغوط
ووصفت وزارة الخارجية الإيرانية المبادرات الأميركية بأنها “إرهاب اقتصادي”، وتعهدت بعدم الرضوخ للضغوط. وبدلاً من ذلك، واصلت طهران مهاجمة السفن في مضيق هرمز، بينما صعّدت القوات المتحالفة معها، جماعة الحوثيين في اليمن، هجماتها على السعودية، ووسعت نفوذها حول ممر مائي استراتيجي ثانٍ هو مضيق باب المندب.
وقال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي عبر منصة “إكس” خلال عطلة نهاية الأسبوع، “إذا كانت واشنطن تريد الخروج من المستنقع الذي خلقته لنفسها وتجنب التورط أكثر فيه، فلا خيار أمامها سوى قبول حقوق إيران وشروطها”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وصرّح مسؤولون إيرانيون بأنهم يؤيدون العودة لمذكرة تفاهم وقعها ترمب ونظيره الإيراني في يونيو (حزيران) الماضي. وتفسر السلطات الإيرانية ذلك الاتفاق على أنه اعتراف بسيطرة طهران على المضيق.
مخزونات النفط توفر متنفساً موقتاً
وحافظت طهران على جزء من إيرادات الدولة من خلال بيع النفط الذي سبق تصديره، وخلال الفترة من منتصف يونيو إلى منتصف يوليو الماضيين، عندما كان إطار للسلام مدته 60 يوماً قائماً، سارعت إيران إلى إخراج أكثر من 60 مليون برميل من النفط من موانئها، وفق حصيلة أعدها محللو النفط.
ومنذ ذلك الحين، تراجعت تلك الكمية إلى نحو 30 مليون برميل، موجودة بصورة أساسية في مخزونات عائمة، فيما تبيع إيران هذه الكميات تدريجاً بمعدل نحو نصف مليون برميل يومياً، وفق حصيلة يحتفظ بها مالكي.
أزمة في العملة الأجنبية تلوح في الأفق
وقال محلل الشؤون الإيرانية في “مجموعة أوراسيا” لاستشارات الأخطار السياسية غريغوري برو إن غياب إيرادات النفط يؤدي بصورة مطّردة إلى تقليص قدرة إيران على دفع كلف الواردات وتمويل وظائف الدولة مثل رواتب قواتها الأمنية، مضيفاً أن “إيران تسير نحو تصادم” مع أزمة في احتياطاتها من العملات الأجنبية، وأن غياب إيرادات النفط “قد يخلق أزمة هائلة، من النوع التقليدي لأزمات ميزان المدفوعات”، لكنه أردف أن وقوع مثل هذه الأزمة ليس أمراً مؤكداً.
تجربة العقوبات السابقة
وكانت صادرات النفط الإيرانية تراجعت إلى مستويات قريبة من الصفر عام 2019، بعد انسحاب ترمب من الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة باراك أوباما وفرضه عقوبات في إطار حملة “الضغط الأقصى”.
وفي ذلك الوقت، توقع محللون أيضاً حدوث أزمة اقتصادية وشيكة في إيران خلال عام 2020، لكن بعد تعرض الاقتصاد لانكماش كبير نسبياً، تعافى الاقتصاد الإيراني، وبحلول عام 2023 عاد للنمو.
وقال برو “هذا نظام وحكومة تكيّفا مع هذا النوع من الأزمات الاقتصادية في الماضي”.
الأسر تقلص إنفاقها على الغذاء
وروت هيفا، البالغة 40 سنة، وهي صانعة محتوى من غرب طهران أن ارتفاع الأسعار أجبر أسرتها على تقليص مشترياتها من المواد الغذائية، وأنها لم تعُد تشتري اللحوم الحمراء أو الفاكهة.
وأضافت أن كل شيء أصبح أكثر كلفة، مشيرة إلى أن كيس القهوة أصبح سعره يقارب أربعة أمثال ما كان عليه قبل عام، بينما أصبح سعر خبز “السنك” التقليدي الفارسي أعلى بستة أمثال.
وقالت “من وجهة نظري، تستهدف العقوبات سبل عيش الناس أكثر مما تضغط على أولئك الموجودين في السلطة”.



