الأموال الساخنة والجنيه… صدمات خارجية تهز استقرار سوق الصرف المصرية

ربما كانت الصدمة الأخيرة التي تعرض لها الجنيه المصري، أقل وطأة من الأزمة التي واجهته خلال عام 2022.
وتعد الأموال الساخنة هي كلمة السر في الأزمتين، وفي المرتين تتعلق المشكلة بصدمات خارجية وتوترات جيوسياسية هزت أكبر اقتصادات العالم وضربت عملات جميع الأسواق الناشئة.
خلال الفترة الماضية، وعلى وقع التوترات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، قفز سعر صرف الدولار الأميركي في السوق المصرية إلى مستوى 55 جنيهاً. ومع حال الهدوء، تمكن الجنيه المصري من استعادة عافيته وجرى تداول الدولار الأميركي عند مستوى أقل من 48 جنيهاً.
لكن بعد التوترات الأخيرة وتجدد أزمة تخارج الأموال الساخنة من الأسواق الناشئة واتجاه المستثمرين العالميين إلى قائمة الأصول والملاذات الآمنة، سجل الجنيه المصري خسائر كبيرة وعاد سعر صرف الدولار الأميركي إلى تجاوز مستوى 51 جنيهاً.
لكن الرهان الأكبر في كل أزمة تشهدها سوق الصرف المصرية، يكون على مستويات السيولة الدولارية التي تتحسن بنسب تتجاوز التوقعات، سواء في ما يتعلق بالصادرات الخارجية أو عائدات السياحة وقناة السويس أو تحويلات المصريين بالخارج والتي سجلت جميعها خلال الفترة الماضية قفزات غير مسبوقة، ما دفع احتياط البلاد من النقد الأجنبي إلى مستويات قياسية وغير مسبوقة في تاريخ البلاد.
هدوء وتيرة تخارج الأموال الساخنة
البيانات المتاحة تشير إلى أن السوق المصرية شهدت تخارجات للأموال الساخنة (استثمارات الأجانب في أذون وسندات الخزانة) بقيمة 459.2 مليون دولار بنهاية تعاملات الأسبوع قبل الماضي، ليصل إجمالي صافي الخروج خلال أسبوعين إلى نحو 2 مليار دولار، بالتزامن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط مما أثّر على سعر الصرف.
بالنسبة لحجم التخارجات، سجل المستثمرون العرب والأجانب صافي بيع بقيمة 459.2 مليون دولار في السوق الثانوية للدين الحكومي بنهاية الأسبوع قبل الماضي، بعد موجة خروج سابقة بلغت 1.46 مليار دولار في أسبوع واحد.
وأدى هذا التخارج السريع والمفاجئ لرؤوس الأموال قصيرة الأجل إلى زيادة الضغوط على سوق الصرف وارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه المصري في البنوك المحلية.
جاءت هذه الموجة العكسية بعد فترة انتعاش قوية شهدت دخول تدفقات إيجابية للأموال الساخنة بقيمة 11.66 مليار دولار خلال الربع الثاني من عام 2026.
وجاءت موجة البيع الجزئي من بعض المستثمرين مدفوعة بمخاوف تصاعد الأخطار الجيوسياسية، في ظل تجدد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وعودة إغلاق مضيق هرمز، وما قد يترتب على ذلك من ارتفاع أسعار النفط عالمياً.
لكن من اللافت أن وتيرة خروج المستثمرين الأجانب والعرب هدأت خلال الأسبوع الأخير إذ اقتصرت على نحو 470 مليون دولار مقارنة بخروج بنحو 1.45 مليار دولار الأسبوع قبل الماضي.
وخلال تعاملات يونيو (حزيران) الماضي سجل صافي تعاملات المستثمرين قرب 9 مليارات دولار قبل تجدد الصراع الإيراني- الأميركي مجدداً.
وأظهرت بيانات البنك المركزي المصري، خروج نحو 15 مليار دولار من استثمارات الأجانب في أذون الخزانة المحلية، ليتراجع الرصيد إلى نحو 36 مليار دولار مقارنة بنحو 50.9 مليار دولار في يناير (كانون الثاني) الماضي، مسجلاً أعلى وتيرة خروج منذ اندلاع الحرب الروسية- الأوكرانية.
اقتصاد أكثر متانة وصلابة في ظل التوترات
قبل أيام، أظهر استطلاع حديث، أن توقعات النمو الاقتصادي في مصر ظلت مستقرة بشكل عام خلال الأشهر الثلاثة الماضية، في حين جرى تعديل توقعات التضخم بالزيادة، إذ أثبت الاقتصاد أنه أكثر متانة في مواجهة حرب الشرق الأوسط مما كان يخشى في البداية.
ووفقاً لمتوسط توقعات 15 اقتصادياً استطلعت وكالة “رويترز”، آراءهم في الفترة من 7 إلى 16 يوليو (تموز) الجاري، فقد نما الاقتصاد المصري بنسبة 4.8 في المئة في السنة المالية المنتهية في يونيو، وهو ما يمثل ارتفاعاً طفيفاً عن توقعات في أبريل (نيسان) الماضي عند 4.6 في المئة.
وتوقع الاقتصاديون، أن يتباطأ النمو إلى 4.5 في المئة خلال السنة المالية 2026/2027، قبل أن يتسارع إلى 5.3 في المئة خلال السنة المالية 2027/2028، مقارنة مع توقعات سابقة عند 4.6 في المئة و5.5 في المئة على الترتيب في الاستطلاع السابق. وأشارت التوقعات إلى تسجيل نمو بنسبة 5.5 في المئة أيضاً في السنة المالية 2028/2029.
وأظهرت البيانات الرسمية أن الاقتصاد المصري تجاوز التوقعات في الربع الممتد من يناير إلى مارس (آذار)، وأشارت التقديرات الأولية إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي 5 في المئة متجاوزاً التوقعات السابقة على رغم اضطرابات سلاسل التوريد وارتفاع أسعار النفط نتيجة الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في مايو (أيار) الماضي، كان البنك المركزي المصري، توقع بلوغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نحو 5 في المئة للسنة المالية المنتهية في يونيو الماضي، بزيادة على 4.9 في المئة كانت متوقعة في أبريل الماضي.
ولم تتراجع مصادر العملة الصعبة مع زيادة التحويلات المالية من المصريين في الخارج 31.2 في المئة لتصل إلى 43.1 مليار دولار تقريباً في الفترة من يوليو إلى مايو من السنة المالية 2025/2026، ارتفاعاً من نحو 32.8 مليار دولار في السنة السابقة، في حين تعافت عوائد السياحة وإيرادات قناة السويس أيضاً. وارتفعت احتياطات النقد الأجنبي إلى 55 مليار دولار بحلول نهاية يونيو.
كيف يتحرك الدولار حتى عام 2029؟
الشهر الماضي، قال صندوق النقد الدولي، إنه توصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء مع مصر في شأن مراجعتين مما قد يتيح لها تمويلاً يبلغ 1.6 مليار دولار، ووصف تأثير الحرب على اقتصاد الدولة بأنه “تحت السيطرة نسبياً”.
ومع ذلك، توقع الاستطلاع، بلوغ متوسط التضخم نحو 13.5 في المئة خلال العام المالي 2026/2027، في تعديل بالزيادة عن توقعات أبريل عند 12 في المئة، قبل انخفاضه إلى 10.4 في المئة خلال 2027/2028، و8.6 في المئة خلال العام المالي 2028/2029.
وانخفض معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 14.3 في المئة خلال يونيو الماضي. وتوقع المحللون الذين شملهم الاستطلاع، أن يصل سعر العائد على الإقراض لليلة واحدة إلى 16 في المئة بنهاية السنة المالية 2026/2027، وهو ما يقل عن التوقعات السابقة عند 17 في المئة قبل ثلاثة أشهر، وذلك مقابل السعر الحالي البالغ 20 في المئة.
وتوقع المتخصصون، أن يصل سعر صرف الدولار إلى 49 جنيهاً بحلول نهاية عام 2026/2027، مقابل 51.5 جنيهاً في التوقعات السابقة. لكن ثلاثة محللين توقعوا أن يهبط إلى 49.68 جنيه للدولار في المتوسط بحلول نهاية يونيو 2028 وإلى 50.49 جنيه للدولار بحلول نهاية يونيو 2029.
في تعليقه، قال الاقتصادي المساعد في مؤسسة “موديز أناليتكس”، دومينيك بارتوس “لا يزال اقتصاد مصر في مرحلة توسعية من الدورة الاقتصادية وتجاوز الصدمة الخارجية بأفضل مما كان يُخشى في مارس”، لكنه حذر من أن الضبابية ستظل تؤثر على الصادرات والاستثمار.



