بريطانيا بين ضغوط الديون واهتزاز المشهد السياسي

في الوقت الذي تواجه حكومة حزب العمال في بريطانيا تحديات جدية لزعامة رئيس الوزراء كير ستارمر بعد الهزيمة الساحقة في الانتخابات المحلية والإقليمية مطلع الشهر الماضي، تواجه الحكومة أيضاً تحديات اقتصادية متصاعدة، في مقدمها أزمة الدين العام وعجز الموازنة.
وعلى رغم إصرار وزيرة الخزانة راتشيل ريفز على أنها ملتزمة بالقواعد المالية التي تضمنها بيان حزب العمال للانتخابات العامة التي فاز فيها عام 2024، فإن البيانات والأرقام والسياسات الاقتصادية والمالية تجعل ذلك الالتزام في غاية الصعوبة.
قبل أيام، حذر صندوق النقد الدولي الحكومة البريطانية من أي تهاون في إجراءات خفض عجز الموازنة، وذلك في ظل الصراع الداخلي للحزب الحاكم، إذ يطرح من يريدون الإطاحة بستارمر والحلول محله في رئاسة الحكومة شعارات قد تعني زيادة الإنفاق وتجاوز قواعد السلامة للمالية العامة.
وجاءت مؤشرات الاقتصاد الكلي أيضاً ضمن بيانات مكتب الإحصاء الوطني قبل أسبوع لتظهر ارتفاع اقتراض الحكومة للشهر الأول من السنة المالية الجديدة، أبريل (نيسان) 2026، بأعلى من تقديرات مكتب مراقبة الموازنة ومن توقعات السوق.
ومع أن ذلك لم “يفزع” سوق سندات الدين بعد، فإن كل الدلائل تشير إلى أن الحكومة ستكون مضطرة للاقتراض أكثر. هذا فضلاً عن الزيادة الهائلة في خدمة الدين الحكومي، إضافة إلى ارتفاع كبير أيضاً في ديون الأسر والأفراد.
أزمة الدين البريطاني وخدمته
بنهاية السنة المالية الماضية، أي في آخر مارس (آذار) 2026، كان دين القطاع العام في بريطانيا قد بلغ 2.9 تريليون جنيه إسترليني (3.35 تريليون دولار أميركي)، مقترباً من أن يساوي حجم الاقتصاد، إذ بلغت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي 94.2 في المئة، وهي نسبة لم تشهدها بريطانيا منذ ستينيات القرن الماضي، وشهد حجم ديون الأسر والأفراد ارتفاعاً أيضاً، إذ تراكم الدين على نسبة 84 في المئة من البالغين البريطانيين.
قبل أسبوع، أصدر مكتب الإحصاء الوطني البيانات الشهرية للاقتصاد التي كشفت ارتفاع اقتراض الحكومة في أبريل (نيسان) الماضي ليصل إلى 24.3 مليار جنيه إسترليني (32.7 مليار دولار أميركي)، وفي الوقت ذاته، تراجعت مبيعات التجزئة في بريطانيا للشهر بنسبة 1.3 في المئة نتيجة إحجام المستهلكين عن الإنفاق مع ارتفاع أسعار الطاقة.
جاء حجم اقتراض الحكومة في الشهر الأول من السنة المالية أكبر من تقديرات مكتب مراقبة الموازنة الذي قدر مسبقاً أن يكون الاقتراض عند 20.9 مليار جنيه إسترليني (28.1 مليار دولار أميركي).
وزاد الاقتراض عن الشهر السابق، مارس بمقدار 4.9 مليار جنيه إسترليني (6.6 مليار دولار أميركي).
المشكلة المزدوجة لزيادة الدين العام هي أنه إضافة إلى زيادة عجز الموازنة هناك زيادة في خدمة الدين، وفي أبريل الماضي وصلت مدفوعات خدمة الدين إلى 10.3 مليار جنيه إسترليني (13.9 مليار دولار أميركي)، وذلك أعلى معدل لمدفوعات خدمة الدين لمثل هذا الشهر.
في النهاية، فإن عجز الحساب الجاري للموازنة البريطانية في أبريل الماضي بلغ 17.4 مليار جنيه إسترليني (23.4 مليار دولار أميركي)، بزيادة قدرها 2.6 مليار جنيه إسترليني (3.5 مليار دولار أميركي) عن تقديرات مكتب مراقبة الموازنة السابقة.
تعليقاً على تلك البيانات والأرقام الكبيرة لحجم الاقتراض ومعدل العجز في الموازنة، قالت الوزيرة في وزارة الخزانة لوسي ريغبي، إن “القواعد المالية للحكومة تظل في غاية الأهمية للاستمرار في الحفاظ على الأسر العاملة ونحن نواجه تبعات الحرب التي لا دور لنا فيها”.
مخاوف الأسواق وحملة السندات
على رغم أن سوق السندات لم يتأثر كثيراً بتلك البيانات الصادرة قبل أسبوع، وظل العائد على سندات الدين البريطاني متوسطة الأجل لمدة 10 سنوات عند نسبة 4.93 في المئة، فإن محللين يتوقعون استمرار قلق المستثمرين في سوق الدين من الاضطرابات السياسية المحتملة، كما ذكر تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز”، خصوصاً أن ارتفاع معدلات الاقتراض الحكومي والتراجع في مبيعات التجزئة يعنيان أن آفاق النمو الاقتصادي تتدهور.
وتقول الاقتصادية في شركة “كابيتال إيكونوميكس” روث غريغوري، إن “انخفاض حجم مبيعات التجزئة والزيادة الهائلة في الاقتراض العام يؤكدان تدهور النظرة المستقبلية للنمو الاقتصادي والوضع المالي المتردي الذي سيواجهه من يدخل مقر الحكومة”.
فسبب القلق في الأسواق هو التحدي الذي يواجهه رئيس الوزراء كير ستارمر لزعامته لحزب العمال، ويخشى مستثمرون من أن يحل شخص مثل آندي برنهام، عمدة مانشستر الكبرى، محل ستارمر ويتبع سياسات اقتصادية تتجه نحو اليسار، بمعنى زيادة الإنفاق والضرائب.
ذلك ما يجعل المحللين وشركات الاستشارات وحتى مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي تراقب الوضع الاقتصادي في بريطانيا عن كثب، خصوصاً سوق السندات.
ويتذكر الجميع ما حدث عندما خلفت ليز تراس بوريس جونسون في زعامة حزب المحافظين والحكومة عام 2022، ورد فعل سوق السندات الكارثي على الموازنة التكميلية التي أعلنتها وتضمنت خفضاً هائلاً في الضرائب، ونتيجة انهيار ثقة الأسواق والمستثمرين الأجانب في الاقتصاد البريطاني، لم تمض تراس أكثر من 49 يوماً في السلطة ليخلفها ريشي سوناك.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
عبر عن تلك المخاوف بوضوح الكاتب الاقتصادي باتريك جنكينز في مقال له في “فايننشال تايمز” الشهر الماضي، مشيراً إلى أن الأوضاع المالية لبريطانيا تكاد تقترب من الوضع الكارثي لبلد مثل إيطاليا، ليس فحسب لارتفاع معدلات الدين الإيطالي العام الذي يتجاوز حجم الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وإنما أيضاً لسرعة تغيير الحكومات، فعدم الاستقرار السياسي يعني عدم استقرار اقتصادي ولجوء حملة السندات إلى التخلص من حيازاتهم من دين البلد المعني.
ويشير الكاتب إلى ارتفاع معدل العائد على سندات الخزانة البريطانية طويلة الأجل لمدة 30 عاماً فوق نسبة خمسة في المئة مع بدء الصراع داخل حزب العمال الحاكم، لكن الأهم في المقال هو أن تخوف السوق من أن يأتي رئيس حكومة بتوجه يساري يتجاهل احتمالاً أخطر بالنسبة إلى الوضع الاقتصادي والمالي لبريطانيا. وهنا يقارن بين صعود حكومة يمينية في إيطاليا من قبل، أدت إلى أزمة دين عام خانقة مع زيادة نسبة العائد على السندات الإيطالية وانهيار قيمتها نتيجة عمليات البيع الكبيرة.
هذا ما يتوقعه جنكينز في حال فوز حزب “ريفورم” الذي يقوده نايجل فاراج في انتخابات مقبلة، ذلك أن السياسات الاقتصادية والمالية لليمين المتطرف قد تكون أكثر خطورة على ثقة المستثمرين في الاقتصاد البريطاني، وتؤدي أيضاً إلى عمليات بيع هائلة لسندات الدين البريطاني كما حدث في إيطاليا من قبل.
البنك المركزي والتشديد النقدي
من العوامل الأخرى التي تفاقم أزمة الدين العام البريطاني بصورة غير مباشرة، سياسة بنك إنجلترا (المركزي البريطاني) المسماة “التشديد النقدي”، أي تخلص البنك من حيازاته من سندات الدين لضبط دفاتره المالية.
ويعني ذلك، إلى جانب سحب السيولة من السوق، زيادة المعروض من سندات الدين، مما يهوي بقيمتها ويرفع العائد عليها، إذ إن نسبة العائد تتناسب عكسياً مع سعر السند، لذا طالب الباحث في مركز الأبحاث “غريت بريتيش ثينك تانك” داميان باندر البنك المركزي بالتوقف عن سياسة التشديد النقدي في اجتماعه المقبل في الـ18 من يونيو (حزيران) الجاري، على أن يبقي البنك على سعر الفائدة الأساسي عند نسبة 3.75 في المئة الحالية.
ويرى باندر أن توقف البنك عن بيع السندات لن يكون بمثابة سياسة تيسير نقدي، خصوصاً في ظل سعر الفائدة المرتفع أصلاً، وإنما مجرد “إزالة قيد للتشديد النقدي غير ضروري في فترة ضعف اقتصادي”.
ويدلل على الضعف الاقتصادي بنسب النمو الأقل من واحد في المئة التي تكاد تقترب من الصفر، وذلك في الوقت الذي ارتفع معدل البطالة إلى نسبة خمسة في المئة، وتراجع عدد الوظائف الشاغرة إلى أدنى مستوى له في خمس سنوات، كما أن نمو الأجور ينخفض إلى مجرد نسبة 3.4 في المئة.
ويتوقع الباحث أنه إذا أوقف البنك المركزي بيع السندات، فإن سوق السندات يمكن أن تشهد استقراراً. وينعكس ذلك ليس فقط على استقرار مدفوعات خدمة الدين التي تتحملها الخزانة من أموال دافعي الضرائب، وإنما أيضاً على تخفيف عبء مدفوعات خدمة القروض العقارية للأسر البريطانية، وانخفاض كلفة الاقتراض للشركات والأعمال.



