هل تكفي المؤشرات الإيجابية لتحديد مصير الاقتصاد الأميركي؟

يبدو أن الاقتصاد الأميركي يمر بأزمة، وربما سلسلة طويلة من الأزمات، فقد دفعت الحرب الإيرانية أسعار النفط والغاز إلى أعلى مستوياتها في أربع سنوات، مما أدى إلى تفاقم التضخم ومحو الزيادات التي حصل عليها الأميركيون خلال العام الماضي، فيما وصل مستوى ثقة المستهلكين إلى أدنى مستوياته على الإطلاق.
لكن في الوقت ذاته، فإن الاقتصاد الأميركي ضخم، إذ تبلغ قيمته 31 تريليون دولار، وعلى رغم تزايد المخاوف في شأن القدرة على تحمل الكلفة، والتي حوّلت المستهلكين الأميركيين من متقلبين المزاج إلى غاضبين، فإن الحرب الإيرانية لم تؤثر بصورة ملموسة في عادات إنفاقهم أو فرص عملهم.
ويصعب ملاحظة أي ضرر يلحق بالمؤشرات الاقتصادية الأميركية التقليدية والأوسع نطاقاً، مع ذلك، ما زلنا بعيدين من تجاوز الأزمة، حيث لا يزال مضيق هرمز مغلقاً، وقد يصل بعض الأميركيين قريباً إلى نقطة الانهيار، مع الارتفاعات المتتالية في الأسعار وتجدد أزمة التضخم المرتفع.
الناتج المحلي ينمو وسوق العمل تتحسن
بالنسبة للنمو الاقتصادي، فقد نمو الاقتصاد الأميركي في الربع الأول من عام 2026 مسجلاً ارتفاعاً بمعدل سنوي قدره 2.0 في المئة في الربع الأول من عام 2026.
لنبدأ بأوسع مقياس للاقتصاد، وهو الناتج المحلي الإجمالي، الذي يشهد نمواً مطرداً، لكن المشكلة تكمن في أنه يعتمد على بيانات تاريخية، فالرقم الأخير يخص الربع الأول من العام، والذي لم يشمل سوى شهر واحد كامل من الحرب الإيرانية.
بالنسبة إلى الوظائف، فقد أضافت الولايات المتحدة وظائف جديدة في أبريل (نيسان) الماضي، بينما استقر معدل البطالة عند مستوى 4.3 في المئة، وزاد إجمال الوظائف غير الزراعية في الولايات المتحدة في الشهر الماضي، بإضافة 115 ألف وظيفة.
وقد شهدت الوظائف نمواً مطرداً خلال الشهرين الأولين من الحرب، وظل معدل البطالة منخفضاً. في الواقع، كان نمو الوظائف في مارس (آذار) 2026 هو الأعلى خلال عامين، متجاوزاً توقعات الاقتصاديين.
وقد لاحظ الاقتصاديون تباطؤاً في سوق العمل خلال الفترة الأخيرة، وأن بيانات الشهرين الماضيين تأثرت سلباً بانتعاش السوق بعد إغلاق الحكومة وبعض التأثيرات المؤقتة الأخرى، بما في ذلك إضرابات عمالية واسعة النطاق.
في قطاع التجزئة، فقد شهدت المبيعات ارتفاعاً بنسبة 0.5 في المئة خلال أبريل الماضي، مقارنة بزيادة قدرها 1.6 في المئة خلال مارس الماضي وقد شهدت مبيعات التجزئة نمواً ملحوظاً في مارس، مدفوعةً بارتفاع أسعار البنزين، والتي استقرت في أبريل.
ولكن في كل شهر، حتى بعد استبعاد أسعار البنزين، أنفق المستهلكون أكثر بقليل من المتوقع. في الواقع، ففي الشهر الماضي، نما ما يُسمى بالمجموعة الضابطة، التي تستبعد الفئات المتقلبة كالبنزين، بنسبة تقل قليلاً عن 0.5 في المئة، وهذا يدل على أن المستهلكين ما زالوا يشترون السلع على رغم من ارتفاع أسعار البنزين.
تداعيات التضخم بدأت تظهر على الاقتصاد
بالنسبة إلى تضخم أسعار المستهلكين، فقد ارتفع مؤشر أسعار المستهلك إلى 3.8 في المئة خلال الـ12 شهراً الماضية المنتهية في أبريل الماضي.
وهنا بدأت تظهر بعض المشكلات، فقد ارتفع التضخم إلى أعلى مستوى له في ثلاث سنوات في الشهر الماضي، وقد أسهم ارتفاع أسعار الوقود بصورة رئيسة في هذا الارتفاع، وبدأت ملاحظة تغلغل التضخم في الاقتصاد، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 3.2 في المئة خلال العام الماضي، وارتفعت أسعار تذاكر الطيران بنسبة 20.7 في المئة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وانخفض مؤشر معنويات المستهلك في الولايات المتحدة في مايو (أيار) الجاري بنحو 3 في المئة مقارنةً بشهر أبريل الماضي، وكان أدنى من متوسط الـ20 عاماً الماضية.
ويُستمد هذا المؤشر من استطلاعات رأي تسأل الأميركيين عن وضعهم المالي الحالي وتوقعاتهم المستقبلية، وتشير القيمة المرتفعة للمؤشر إلى ثقة المستهلكين، بينما تشير القيمة المنخفضة إلى الحذر أو التشاؤم.
في الوقت الحالي، فقد تجاوز الأميركيون أسوأ أزمة تضخم منذ أربعة عقود، لذا ليس من المستغرب أن لا يزال الناس ينتقدون هذا الوضع الاقتصادي، على رغم أن التضخم ليس سيئاً كما كان عليه في عام 2022.
لكن لم يتم التأقلم بعد مع تلك الصدمة، فلا يزال من المزعج دفع 15 دولاراً مقابل شطيرة، حتى لو كانت الرواتب خلال السنوات الثلاث الماضية تتجاوز معدل التضخم.
توقعات باستمرار ركود سوق العقارات
فيما يتعلق بنمو الأجور مقابل التضخم، فلأول مرة منذ عام 2023، ابتلع التضخم الزيادات السنوية في رواتب الأميركيين.
لكن كل ذلك توقف الشهر الماضي: فقد ارتفع التضخم بوتيرة أسرع من نمو متوسط رواتب الأميركيين خلال العام الماضي.
بعبارة أخرى: التهم التضخم زيادات الرواتب لأول مرة منذ عام 2023.
وهذا يعني أن الناس يضطرون إلى سحب المزيد من مدخراتهم أو اللجوء إلى الاقتراض لشراء نفس سلة السلع التي كانوا يشترونها قبل عام، لكن هذا ينطبق فحسب على الأميركيين من ذوي الدخل المتوسط والمنخفض.
أما رواتب الأثرياء فلا تزال تتجاوز التضخم بكثير، فقد غطت زياداتهم السنوية ارتفاع أسعار البنزين 17 ضعفاً، بينما بالكاد غطت رواتب الأميريكيين ذوي الدخل المنخفض ارتفاع أسعار البنزين وحده، وفقاً لتقرير حديث لبنك “أوف أميريكا”.
بالنسبة إلى عوائد السندات، فقد أدى الطلب القوي على الذكاء الاصطناعي وأرباح الشركات إلى ارتفاع أسعار الأسهم إلى مستويات قياسية، لكن السندات تشهد انخفاضاً حاداً بسبب تزايد المخاوف من التضخم.
وقد دفع ذلك عائد سندات الخزانة الأميركية القياسية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له منذ أكثر من عام.
وقد يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة معدلات الرهن العقاري، مما يُبقي سوق الإسكان راكداً ويحرم من لا يستطيعون تحمل كلفة امتلاك منزل من تحقيق حلمهم.



