انهيار قطاع الصلب في إيران وتداعياته على الاقتصاد والمعيشة

في أعقاب التقارير المنشورة بشأن تداعيات الحرب التي استمرت 40 يوماً بين الولايات المتحدة وإسرائيل والنظام الإيراني، تشير الشواهد إلى أن أجزاء من صناعة الصلب في إيران، بما في ذلك مجمع “فولاذ الأحواز للصلب” و”فولاذ مباركة أصفهان للصلب”، قد تكبدت أضراراً واسعة، مما يستلزم إعادة إعمار شاملة وتحديثاً للبنى التحتية.
وفي الوقت ذاته، برزت مسألة مستقبل التوزيع الجغرافي لصناعة الصلب وإمكانية نقلها من الهضبة المركزية إلى المناطق الجنوبية والشرقية من البلاد، لا سيما تلك القريبة من المياه المفتوحة، كأحد المحاور الرئيسة للخلاف على مستويات صنع القرار المختلفة.
وخلال الأيام الأخيرة، طرح مسؤولون اقتصاديون إيرانيون رؤى متباينة في هذا الشأن. فقد أكد رئيس منظمة البورصة حجة الله صيدي، خلال زيارة لمديري سوق رأس المال إلى “مجمع فولاذ مباركة للصلب”، أن إعادة بناء هذه المنشأة الصناعية ينبغي أن يتم في موقعها الحالي، وأن نقلها بالكامل إلى منطقة أخرى يُعد خطأ استراتيجياً. وفي الوقت ذاته، لم يستبعد صيدي إمكانية التحديث مع إعادة تموضع جزئي، مشيراً إلى أن الخطط المستقبلية للمجمع تقوم على أساس إعادة الإعمار.
في المقابل، أعلن وزير الشؤون الاقتصادية والمالية، سيد علي مدني زادغان، أن إعادة إعمار الصناعات المتضررة من الحرب، بما فيها صناعة الصلب، ستتم وفق مؤشرات من بينها مستوى استهلاك المياه. ويرى بعض الخبراء أن هذه التصريحات تعني تراجع احتمالات إعادة بناء منشآت مثل “فولاذ مباركة” في موقعها الحالي ضمن الهضبة المركزية، وهي منطقة تعاني منذ أعوام أزمة حادة في شح المياه.
وكان خبراء في مجالي الطاقة والبيئة قد أشاروا سابقاً مراراً إلى أنه، في ظل اعتبارات التخطيط المكاني وارتفاع استهلاك المياه في صناعة الصلب، لم يعد استمرار هذه الصناعة في المناطق المركزية من إيران مبرراً، وأن نقلها التدريجي إلى سواحل الخليج العربي وبحر عمان يبدو ضرورة ملحة. وفي هذا السياق، أعلنت منظمة التخطيط والميزانية أيضاً أن تطوير الصناعات الفولاذية مستقبلاً يجب أن يتم بما يتناسب مع الظروف المناخية والموارد المائية لكل منطقة.
ومع ذلك، يرى محللون أن جماعات نافذة داخل صناعة الصلب، يشار إليها بـ”مافيا الصلب”، تمتلك دوراً حاسماً في القرارات الكبرى، وقد تعرقل عملية نقل هذه الصناعة. وإلى جانب هذه التحديات، فإن ظروف العقوبات الدولية والقيود المالية أضفت قدراً كبيراً من الغموض على آفاق إعادة إعمار هذا القطاع بسرعة، إلى درجة أن بعض الخبراء يستبعدون تحقيق إعادة إعمار كاملة في المدى القصير، أي في أقل من عقد، حتى مع توافر جميع الإمكانات.
تأثير الأضرار التي لحقت بتلك الصناعة وتداعياتها على الاقتصاد
ووفقاً للتقارير المنشورة، فإن الأضرار الناجمة عن الهجمات على صناعة الصلب في إيران، في الأحواز وأصفهان، أدت إلى انخفاض ملحوظ في الطاقة الإنتاجية لهذا القطاع. وبحسب مصادر داخلية وتقديرات أولية، يرى محللون ومصادر مطلعة، أن ما لا يقل عن 10 ملايين طن من القدرة الإنتاجية السنوية للصلب في البلاد قد خرجت من الخدمة. ويعادل هذا الرقم نحو 25 إلى 30 في المئة من إجمالي الطاقة الإنتاجية للصلب في إيران، وهي صناعة كانت تُعد، بإنتاج يقارب 31.9 مليون طن سنوياً، أحد المحركات الرئيسة للاقتصاد الصناعي في إيران.
ويؤكد خبراء هذا القطاع أن هذا الانخفاض المفاجئ في القدرة الإنتاجية لا يقتصر على تراجع إنتاج شركات الصلب فحسب، بل سرعان ما سيُحدث تأثيرات متسلسلة على مجمل الاقتصاد الإيراني.
ووفقاً للتقارير، فإن تعطل أنشطة “فولاذ الأحواز” و”فولاذ مباركة أصفهان” سيؤثر في الصناعات المرتبطة، بما في ذلك البناء وصناعة السيارات والبنية التحتية للطاقة، وسيؤدي إلى اضطراب سلاسل الإمداد في عديد من القطاعات الإنتاجية خلال الأشهر المقبلة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومن منظور الاقتصاد الكلي، يحذر الخبراء من أن تراجع إنتاج الصلب وتصديره سيزيد الضغوط على موارد النقد الأجنبي للنظام الإيراني. ففي ظل خضوع الاقتصاد الإيراني لعقوبات دولية واسعة، كانت صادرات الصلب تعد إحدى القنوات القليلة المستقرة لتوفير العملة الصعبة.
وقد يؤدي انخفاض القدرة التصديرية لقطاع الصلب إلى إضعاف الميزان التجاري غير النفطي، وزيادة الضغط على سوق الصرف، وتقليص القدرة على استيراد السلع الوسيطة والرأسمالية، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على تباطؤ وتيرة النمو الصناعي في البلاد.
أزمة في سوق رأس المال ومعيشة المواطنين
في نهاية المطاف، ستمتد تداعيات هذه الأزمة إلى سوق رأس المال ومعيشة الأسر. إذ إن جزءاً كبيراً من الأصول العامة، بما في ذلك “أسهم عدالت”، متركز في شركات الصلب الكبرى، ومن ثم فإن تراجع ربحية هذه الشركات سيؤدي إلى انخفاض قيمة الأسهم وتراجع عوائد استثمارات ملايين المساهمين. ويرى محللون أن هذا الوضع يعكس ارتباطاً مباشراً بين أزمة صناعة الصلب والاستقرار المالي والرفاه الاجتماعي في إيران.
وعلى مستوى الإنتاج، فإن انخفاض عرض الصلب سيقود إلى ارتفاع تكاليف المدخلات الصناعية، ومن ثم زيادة أسعار السلع النهائية، بما في ذلك السيارات والأجهزة المنزلية والمساكن. ويتوقع أن يسهم هذا الوضع، إلى جانب تصاعد حالة عدم اليقين الاقتصادي في السوق، وظهور سلوكيات احتكارية في سلاسل الإمداد، والضغوط على الشركات الصغيرة والمتوسطة، في تغذية تضخم مدفوع بالتكاليف داخل الاقتصاد الإيراني.
ولن تكون سوق العمل بمنأى عن هذه التطورات، إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 50 ألف شخص يعملون بشكل مباشر في صناعة الصلب، فيما يعتمد ملايين آخرين عليها بصورة غير مباشرة. ومع ذلك، تفيد التقارير بأن أكثر من نصف الشركات خلال الشهر الماضي فكرت في خفض أعداد العاملين، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة وتفاقم الضغوط الاجتماعية.
وخلاصة القول، إن ما تشهده صناعة الصلب في إيران اليوم لا يمثل أزمة قطاعية فحسب، بل يعكس هشاشة هيكلية في اقتصاد النظام الإيراني أمام الصدمات الداخلية والخارجية. وتزيد هذه الأوضاع، إلى جانب العقوبات والتضخم المزمن وسوء الإدارة، من غموض آفاق إعادة الإعمار والعودة إلى الاستقرار.
نقلاً عن “اندبندنت فارسية”



