الغاز الصخري في الجزائر: تحول اقتصادي وسط تحديات عالمية

عادت الجزائر لتولي أهمية كبيرة مسألة استخراج الغاز الصخري، الذي تمتلك احتياطات ضخمة منه جعلتها تحتل المرتبة الثالثة عالمياً بعد الصين والأرجنتين، ويأتي ذلك في سياق التواصل الطاقوي الذي تجريه مع مسؤولي شركات أميركية وصينية، من أجل عقد صفقات استغلال مهمة لهذه الطاقة الحيوية، لا سيما مع شركتي “إكسون موبيل” و”شيفرون” الأميركيتين.
اتفاق وإشارة قوية للسوق
أكد رئيس “هيئة ضبط المحروقات” الجزائرية سمير بختي أن بلاده باتت على وشك إبرام اتفاق مع شركتي “إكسون موبيل” و”شيفرون” الأميركيتين لتطوير واستغلال الاحتياطات الضخمة من الغاز بما فيها الغاز الصخري، وذلك للمرة الأولى، موضحاً أنه “جرى الاتفاق على الجوانب التقنية إلى حد كبير، فيما لا تزال الترتيبات التجارية قيد التفاوض، وستُحسم قريباً”. وقال إن “استقطاب هاتين الشركتين العملاقتين يمثل إشارة قوية للسوق”.
وأشار المسؤول الجزائري إلى أن “مشاريع الاستثمار القريبة من البنية التحتية القائمة قد لا تتطلب سوى عامين أو ثلاثة للربط والإنتاج، في حين تبقى التحديات قائمة في ما يخص كلفة الحفر في عمق الصحراء الجنوبية والمخاوف البيئية المرتبطة باستخدام المياه”، موضحاً أن “التجربة الأميركية في تطوير الغاز الصخري استغرقت نحو 15 عاماً، غير أن المدة قد تتقلص مع الجزائر بفضل توافر المنشآت وشبكات النقل”. وأبدى بختي ترحيبه بالاستعانة بخبرات أميركية أو صينية أو أوروبية للتنقيب عن هذه الاحتياطات واستغلالها بالقدر الأمثل.
تعويض واستفادة وتعزيز
يأتي تحرك الجزائر نحو استغلال الغاز الصخري في سياق السعي لتعويض أعوام من ضعف الاستثمارات ضمن قطاع الطاقة، والاستفادة من أزمة إمدادات الغاز في أوروبا عقب الحرب داخل أوكرانيا. وتراهن الجزائر على تعزيز الإيرادات في ظل الاعتماد الكبير على المحروقات التي تمثل أكثر من ثلاثة أرباع صادراتها.
وفي حين لم يكشف عن قيمة الصفقة، حصلت “اندبندنت عربية” من جهات قريبة من الملف، على رقم مليار دولار. وأضافت أن الاتفاق قد يتوج بالإسناد المباشر لشركتي “إكسون موبيل” و”شيفرون”، وليس من طريق طرح المزايدات.
وتملك الجزائر ثالث أكبر احتياط مؤكد من الغاز الصخري في العالم بـ700 تريليون قدم مكعب، بعد الصين والأرجنتين، متقدمة على الولايات المتحدة، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، وتحوز أفضلية تنافسية على موردين دوليين آخرين مثل قطر، بسبب البنية التحتية الجاهزة التي تمتاز بها، ووجود ثلاثة أنابيب مباشرة من الجزائر نحو أوروبا، ولعل هذه المزايا والامتيازات دفعت شركة “شيفرون” إلى وصف النظام البترولي الجزائري بأنه “عالمي المستوى”، وذو إمكانات كبيرة للنفط والغاز، مؤكدة حماستها لبناء شراكة قوية في الجزائر.
الغاز غير التقليدي
ويطلق على “الغاز الصخري” تسميات أخرى مثل الغاز غير التقليدي أو “غاز السجيل”، وهو غاز ظل محبوساً في تجويفات صخور السجيل الرسوبية ذات النفاذية الضعيفة بعد تعرضه لضغوط مرتفعة وحرارية عالية على مدار ملايين الأعوام، بخلاف الغاز التقليدي الذي نجح في هجر الصخور الأم والتدفق لأعلى، مما سهل عمليات استخراجه.
وعادة ما يُستخرج الغاز الصخري بطرق غير تقليدية مثل الحفر الأفقي والتكسير المائي “الهيدروليكي”، وهو ما يجعل كلف العملية مرتفعة جداً، خلافاً للغاز التقليدي المستخرج بطريقة الحفر الرأسية المعروفة والتي تمكنه من الاندفاع لأعلى مثل موارد النفط التقليدية.
محاولة سابقة قوبلت بالاحتجاج
وسبق أن أعلنت شركة “سوناطراك” النفطية الحكومية خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2014، عن خطة لتطوير احتياطات “الغاز الصخري” على أمل بدء إنتاجه بحلول عام 2022، تمهيداً لإنتاج 10 مليارات متر مكعب سنوياً بحلول عام 2025، إذ نجحت في حفر أول بئرين من الغاز الصخري بمنطقة “عين صالح” جنوب البلاد خلال عامين من إعلان الخطة، لكنها اضطرت إلى وقف أعمال البحث خلال يناير (كانون الثاني) 2016، استجابة لاحتجاجات سكان المنطقة بسبب الآثار البيئية المحتملة على المياه الجوفية والغطاء النباتي.
وهو الرفض الذي رأى الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون عام 2019 بأنه في محله، ووصف التجربة الأولى للاستغلال بالخاطئة، على اعتبار أن هناك مناطق صحراوية أخرى شاسعة تحوي الموارد، كما أن عدم الحديث مع سكان المنطقة لتهيئتهم قبل أعمال البحث أمر غير منطقي. وأشار إلى منطقة “شناشن” الموجودة بين تندوف وأدرار، وهي منطقة من الرمال الخالية من السكان مع احتوائها على كمية كبيرة من الغاز الصخري يمكن التنقيب عنها دون مشكلات مع السكان.
تبون والأمم المتحدة… لا خوف على البيئة
وقال تبون في أول مقابلة صحافية له إن الغاز الصخري في الجزائر ضروري، و”سنقيم التجارب بهدوء، وهذه أمور تهم الاختصاصيين ولا بد أن تتأكد كل أطياف الشعب أن هذه ثروة مدفونة، وإذا أردنا رفع المستوى المعيشي فلا بد من استغلال هذه الثروة”، مبرزاً أن “استغلال الغاز الصخري يحتاج إلى نقاش وطني وليس انفراداً بالرأي”.
وفي خضم الجدل حول آثار استغلال الغاز الصخري على البيئة والإنسان، أشارت ندوة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن خطر تلوث المياه الجوفية جراء عمليات التصديع الهيدروليكي قد يكون طفيفاً بالنظر إلى عدد العمليات المنجزة، إذ إن التصديع الهيدروليكي يجري عموماً في أعماق تبلغ عدداً من الكيلومترات، في حين تقع المياه الجوفية قريباً من السطح. وقدمت أمثلة عن مواقع “بارنيت” و”مارسيلوس” داخل ولاية بنسلفانيا الأميركية، أن الغاز يستخرج في عمق يراوح ما بين 1300 و4000 متر، بينما تقع المياه الجوفية بين 120 و360 متراً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
محاولات تشويش ودعاية مغرضة
وتعليقاً على نية الجزائر استغلال الغاز الصخري، يرى المستشار الاقتصادي عبدالقادر سليماني أنه “بالنظر إلى الأرقام في مجال الطاقة وموقعها الاستراتيجي الأفريقي القريب من أوروبا، فإن الجزائر باتت وجهة للاستثمارات سواء الأميركية أو العالمية، بالتالي يعد اتفاق الشراكة بين ’سوناطراك‘ الوطنية الجزائرية و’شيفرون‘ و’إكسون موبيل‘ الأميركيتين نقلة نوعية ووثبة استراتيجية نحو تثمين موارد الجزائر الطاقوية والطبيعية، واستغلال وتعظيم الأرباح مع احترام البيئة والمناخ وبخاصة الثروات المائية، على اعتبار أن استغلال الغاز الصخري يتطلب كميات مياه ضخمة”.
ويواصل سليماني أن بلاده بهذا الاتفاق ستكرس موقعها كأكبر ضامن للأمن الطاقوي في أوروبا، وسيسمح لها بتنويع صادراتها. وقال “لا توجد أية مشكلات بيئية أو مناخية أو مائية”، وما حدث سابقاً مع عزم الحكومة فتح ملف استغلال الغاز الصخري هو محاولة التشويش، ودعاية مغرضة من شركات فشلت في الحصول على الصفقات وسعت لإفشال التوافق بين الجزائر وأميركا، وبخاصة الشركات الفرنسية”، مشيراً إلى أن “الأميركيين يتحكمون في هذه التكنولوجيا، بالتالي سيرتفع حجم إنتاج الغاز ومعه المداخيل”. وختم بأن “الجزائر ستتحول من دولة منتجة ومصدرة للبترول والغاز إلى دولة محورية في صناعة الطاقة”.
تغيير المناطق النائية بصورة إيجابية
من جانبه، يقول الباحث في الطاقة أمين ناصري إن “إعادة فتح ملف الغاز الصخري في الجزائر يرجع إلى الفرص الكبيرة التي باتت أمامها من أجل الخروج إلى دائرة الكبار، وأمام الحاجات الأوروبية الكبيرة للطاقة وحاجات دول أخرى عدة، وفي ظل العلاقات المحترمة مع كثير من الأوروبيين وتحسن أرقام الاقتصاد المحلي واستقرار الأوضاع الاجتماعية، وجدت الجزائر نفسها أمام فرصة لمضاعفة المداخيل وترقية العلاقات والرفع من المستوى الاقتصادي”، مشيراً إلى أن “أمر الغاز الصخري كمثله في ما يتعلق بالهيدروجين الأخضر الذي بات الرهان عليه كبيراً”.
ويواصل ناصري أن “الاهتمام بالمناطق الصحراوية من خلال دفع عجلة التنمية وفك العزلة عن السكان لا سيما الشباب، مثل السماح بتأسيس شركات تنقيب عن الذهب، ومنح الأراضي الزراعية تحت شعار الأرض لمن يخدمها، وكذلك استغلال منجم غار جبيلات للحديد، ومد خطوط السكك الحديد والطرق السريعة وفتح المناطق الحرة على الحدود، كلها عوامل جعلت فتح ملف الغاز الصخري لا يحدث ضجيجاً كما في السابق، لأنه مشروع من شأنه تغيير المناطق النائية بصورة إيجابية وتحويلها إلى مدن كاملة متكاملة”.
وتابع بخصوص المخاوف البيئية التي تمت إثارتها من قبل، أنه “لا أساس لها من الصحة”. وقال إن تلوث المياه الجوفية جراء عمليات التصديع الهيدروليكي قد يكون ضعيفاً، إذ إن الأمور تتم في أعماق الأرض بعدة كيلومترات، بينما المياه قريبة من السطح. وختم بأن “مثل هذه الطاقات تعد مصدر قوة للدول، وأنه أيضاً سلاح استراتيجي يمكن استغلاله في السياسة”.