القمح والذرة والرز… غذاء المصريين في مرمى ضغوط الحرب

مع اضطراب الأسواق وسلاسل الإمداد والشحن والنقص المرشح في إنتاج الأسمدة والمغذيات، يصبح النظر إلى مستقبل الحبوب على المدى المنظور أمراً بالغ الأهمية، خصوصاً في بلد يتجاوز تعداد سكانه 100 مليون نسمة، وظل لأعوام قليلة مضت أكبر مستهلك للقمح في العالم وواحداً من مؤشرات التجارة العالمية إلى المحصول الاستراتيجي.
ظلت مصر في مرمى الاضطرابات العالمية بفعل كثافتها السكانية واعتمادها على الخارج لتدبير ما يلزم من حاجات المستهلكين من الغذاء والطاقة، الأمر الذي جعلها أحد أكبر الخاسرين في الجوائح والكوارث والحروب، ولطالما رأت القيادة السياسية بالبلاد في ذلك سبباً في كثير من أزمات الاقتصاد.
ماذا ينتظر القمح والذرة والرز؟
لكن تقريراً لوزارة الزراعة الأميركية حول الحبوب في مصر يكتسب في الوقت الراهن أهمية متزايدة كونه يأتي في وقت تشهد خلاله المنطقة وممراتها البحرية أزمة صعبة، ويقدم التقرير قراءة عميقة على المدى المنظور لمستقبل هذه السلع الاستراتيجية، كما يعطي ملمحاً مهماً حول هيكل الاستهلاك في البلاد.
يتحدث التقرير عن القمح، ويقدر إنتاجه في الموسم التسويقي 2026-2027 بنحو 9.8 مليون طن، بزيادة قدرها 6.5 في المئة عن الموسم التسويقي 2025-2026، ويعود ذلك إلى زيادة المساحة المحصودة إلى 1.5 مليون هكتار مقارنة بـ1.33 مليون هكتار خلال الموسم التسويقي 2025-2026. وتعزى هذه الزيادة في المساحة إلى ارتفاع أسعار الشراء التي شجعت المزارعين على زراعة مساحات إضافية بالقمح.
القمح في أرقام
في مصر، يزرع القمح عادة في نوفمبر (تشرين الثاني) ويحصد في أبريل (نيسان) حتى منتصف يوليو (تموز). وتركز البلاد على زيادة غلة المحاصيل لكل وحدة أرض من خلال تشجيع أصناف القمح عالية الإنتاجية التي تستخدم المياه بكفاءة أكبر، والإعلان عن أسعار الشراء الرسمية قبل موسم الزراعة لتحفيز الزراعة، وضمان الدفع الفوري، وتسهيل توصيل الأسمدة المدعومة وغيرها من المدخلات الزراعية إلى المستفيدين المؤهلين.
التقرير يقدر إجمالي استهلاك القمح في الموسم التسويقي 2026-2027 بنحو 20.3 مليون طن، بزيادة طفيفة عن الموسم التسويقي 2025-2026 نتيجة لزيادة قدرها 300 ألف طن في استهلاك القمح في قطاعات الغذاء والبذور والصناعة.
كثافة استهلاكية
ويعزى ارتفاع استهلاك القمح في قطاعات الغذاء والبذور والصناعة بشكل أساس إلى النمو السكاني، وتصنف مصر ضمن أكبر مستهلكي القمح في العالم، إذ يعزى الاستهلاك إلى عدد سكانها الذي يزيد على 108 ملايين نسمة، إضافة إلى 9 ملايين مهاجر، وفقاً للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
خفضت وزارة الزراعة الأميركية تقديراتها السابقة لاستهلاك القمح الإجمالي في الموسم التسويقي 2025-2026 بنحو 1.5 في المئة بسبب الضغوط التضخمية الحالية في مصر، التي دفعت بعض المستهلكين إلى خفض استهلاكهم من المخبوزات.
هل يتراجع التضخم؟
لحسن الحظ، بدأت الضغوط التضخمية بالتراجع، إذ انخفض معدل التضخم الرئيس إلى 11.9 في المئة في يناير (كانون الثاني) الماضي، مقارنة بـ23.2 في المئة خلال الشهر نفسه من عام 2025.
تقدر واردات مصر من القمح في الموسم التسويقي 2026-2027 بنحو 12.5 مليون طن، بانخفاض قدره 1.6 في المئة تقريباً عن العام التسويقي السابق نتيجة لزيادة الإنتاج المحلي، بحسب التقديرات، وتعطي البلاد الأولوية للمصادر ذات الكلفة المنخفضة وتعتمد بشكل كبير على القمح الروسي والأوكراني، اللذين يوفران أسعاراً تنافسية، وكلفة شحن أقل، وشحناً أسرع إلى الموانئ المصرية مقارنة بالموردين الآخرين.
وخلال الأعوام الخمسة الماضية، كانت روسيا (35.8 مليون طن)، والاتحاد الأوروبي (9 ملايين طن)، وأوكرانيا (8.85 مليون طن) من أهم موردي القمح إلى مصر، وفي الفترة من يوليو 2025 إلى يناير الماضي، استوردت مصر 8.8 مليون طن متري من القمح، 5.28 مليون طن من روسيا، و2.16 مليون طن من أوكرانيا، و1.12 مليون طن من الاتحاد الأوروبي.
ماذا عن الذرة؟
التقديرات تشير إلى بلوغ إنتاج مصر من الذرة في السنة التسويقية 2026-2027 نحو 7 ملايين طن، بزيادة طفيفة مقارنة بتقديرات موسم 2025-2026 البالغة 6.7 مليون طن.
وبحسب تقرير الوزارة، تعود هذه الزيادة إلى توقعات بارتفاع إنتاجية وحدة المساحة نتيجة عدة عوامل، من بينها تطوير هجن جديدة من الذرة البيضاء من قبل شركات القطاع الخاص، إضافة إلى اكتساب المزارعين خبرة أكبر في برامج مكافحة الآفات التي تستهدف الآفات الرئيسة التي تصيب الذرة، ومنها دودة الحشد الخريفية، بجانب أن الطلب القوي على أعلاف الحيوانات الكبيرة والدواجن سيواصل تشجيع المزارعين على تبني الممارسات الزراعية الحديثة التي يوصي بها مركز البحوث الزراعية.
كم تنتج مصر من الذرة؟
وتتوقع التقديرات أن يبلغ استهلاك الذرة في مصر خلال السنة التسويقية 2026-2027 نحو 17.4 مليون طن، بزيادة طفيفة مقارنة بتقديرات موسم 2025-2026 البالغة 16.9 مليون طن، ويعود هذا النمو إلى توسع قطاع الدواجن، المدعوم بتحسن توافر النقد الأجنبي وزيادة إمدادات الأعلاف.
تتوقع التقديرات أن يواصل استهلاك الأعلاف في قطاع الدواجن النمو، إذ بدأت شركات الأعلاف الكبرى، خصوصاً تلك التي تمتلك عمليات إنتاج متكاملة تشمل إنتاج دجاج التسمين وقطعان التربية والمجازر والمفرخات، في العمل بكفاءة أكبر. ويعود هذا التحسن في الكفاءة إلى انخفاض كلفة إنتاج الأعلاف نتيجة تحسن توافر النقد الأجنبي، مما أدى إلى زيادة واردات مواد الأعلاف الخام.
أعلاف الدواجن
خلال عام 2025، أنتج قطاع الدواجن في مصر 1.6 مليار دجاجة تسمين من خلال العمليات التجارية و320 مليون دجاجة من الإنتاج الريفي، وهو ما يغطي نحو 97 في المئة من الطلب المحلي على دجاج التسمين.
وأنتج القطاع 16 مليار بيضة مائدة، بما يعادل 140 بيضة للفرد سنوياً، ويمثل ذلك نمواً كبيراً مقارنة بمستويات ما قبل عام 2023، عندما كان الإنتاج يبلغ 1.4 مليار طائر و14 مليار بيضة سنوياً.
وتستهلك البلاد الأعلاف القائمة على خلط الذرة، في إنتاج الاستزراع السمكي، إذ تنتج نحو 1.6 مليون طن من الأسماك سنوياً، ويمثل الاستزراع السمكي حوالى 80 في المئة من إجمالي إنتاج الأسماك في مصر، ويتم ذلك بشكل رئيس عبر مزارع خاصة.
توقعات باستيراد أكبر
وبحسب التقرير الأميركي، تؤدي الاستثمارات الكبيرة من قبل الحكومة والشركات الخاصة في البنية التحتية للاستزراع السمكي، بما في ذلك المزارع المتقدمة والمفرخات ومصانع المعالجة، إلى زيادة الطلب على الأعلاف المتخصصة التي تساعد الأسماك على النمو بسرعة وتحسين الإنتاج.
وتشير توقعات الصناعة إلى أن الطلب على أعلاف الاستزراع السمكي سيتجاوز 2 مليون طن بحلول عام 2032، ويبلغ الطلب السنوي الحالي على أعلاف الأسماك بين 1.4 و1.5 مليون طن.
فاتورة الواردات من الذرة
تتوقع التقديرات أن تبلغ واردات مصر من الذرة في السنة التسويقية 2026-2027 نحو 10.5 مليون طن، بزيادة 300 ألف طن مقارنة بتقديرات موسم 2025-2026، ويعود ذلك إلى الاستثمارات الجديدة في قطاع الدواجن وإنتاج الأعلاف.
وتغطي الذرة الصفراء المنتجة محلياً أقل من 40 في المئة من احتياجات صناعة الأعلاف في مصر، بينما تستورد القاهرة الكميات المتبقية من الأسواق العالمية.
وكان أكبر موردي الذرة إلى مصر خلال الأعوام التسويقية الخمس الماضية البرازيل بنحو 19.9 مليون طن، وأوكرانيا بنحو 11.7 مليون طن، والأرجنتين بنحو 9.5 مليون طن. وفي موسم 2024-2025 شهدت صادرات الذرة الأميركية إلى مصر انتعاشاً كبيراً، إذ بلغت 740 ألف طن متري، ويرجع ذلك إلى تحسن جودة المنتج والأسعار التنافسية والكفاءة العالية للذرة الأميركية في إنتاج النشا الصناعي.
الرز الوجبة الأساسية
سيبقى إنتاج الرز الأبيض ومساحة الحصاد في مصر خلال السنة التسويقية 2026-2027 من دون تغيير مقارنة بتقديرات موسم 2025-2026، وعادة ما تصدر وزارة الموارد المائية والري مرسوماً سنوياً يحدد مساحات زراعة الرز في بعض محافظات دلتا النيل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن المزارعين غالباً ما يخاطرون بزراعة مساحات أكبر من المحددة بسبب سهولة زراعة الرز وسهولة تخزينه في صورة أرز شعير وربحيته المرتفعة.
تتوقع التقديرات أن يبلغ استهلاك الرز في مصر نحو 4 ملايين طن متري في موسم 2026-2027، وهو نفس مستوى العام السابق، ويرجع ذلك إلى توفر منتجات نشوية أخرى مثل البطاطس والمعكرونة التي أصبحت أكثر جذباً للمستهلكين بسبب انخفاض أسعارها نسبياً.
الرز في مأمن
وتظل سوق الرز المحلية مستقرة، إذ من المتوقع أن تكفي المخزونات الحالية والمحصول الجديد لتغطية الاستهلاك حتى نهاية العام.
وخلال شهر رمضان تحرص وزارة التموين والتجارة الداخلية على توفير كميات كبيرة من الرز في منافذها ومعارض رمضان مع خصومات تصل إلى 20 إلى 25 في المئة للكيلوغرام بحسب العلامة التجارية والجودة.
وترجح التقديرات أن تبلغ واردات مصر من الرز في موسم 2026-2027 نحو 130 ألف طن من دون تغيير عن موسم 2025-2026 بسبب استقرار الإنتاج والاستهلاك، وخلال الأعوام الخمسة الماضية انخفضت واردات الرز بشكل حاد نتيجة كفاية الإنتاج المحلي من الرز قصير ومتوسط الحبة، إضافة إلى تقليل الحكومة لمناقصات شراء الرز.
الرز المستورد
بالنسبة للمستهلكين الذين يسعون إلى نمط حياة صحي، يتجه بعض المصريين إلى شراء الرز المستورد مثل الرز طويل الحبة والبسمتي والياسمين لأنه يحتوي على نسبة نشا أقل مقارنة بالرز قصير أو متوسط الحبة، وتأتي الواردات أساساً من الصين والهند وتايلاند وتركيا وباكستان.
وعلى رغم من استمرار حظر تصدير الرز منذ عام 2016، تسمح الحكومة بتصدير كميات محدودة من الرز الأبيض عندما يكون هناك فائض محلي، وذلك وفق شروط تنظيمية محددة، ومن المتوقع أن تستمر صادراته خلال موسم 2026-2027 عند نحو 150 ألف طن على رغم استمرار الحظر.
وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، صدرت مصر نحو 154 ألف طن من الرز الأبيض خلال موسم 2024-2025 إلى عدة دول أبرزها المغرب والسودان وسوريا ولبنان وليبيا.
مخزون استراتيجي
وتتوقع وزارة الزراعة الأميركية أن تبلغ المخزونات الختامية من الرز في مصر خلال موسم 2026-2027 نحو 671 ألف طن متري، ارتفاعاً من 491 ألف طن في الموسم السابق، ويرجع هذا الارتفاع إلى المخزونات المرحلة من الموسم السابق.
مما سبق، سيظل الرز وفيراً ومستقراً من حيث الإنتاج المحلي الواسع، الذي يقترب من حدود الاكتفاء الذاتي منه، بعكس القمح والذرة، اللذين سيتأثران بتقلبات أسواقيهما العالمية وكلفة الشحن وتوافر النقد الأجنبي، وذلك على رغم التوسعة التخزينية التي تبنتها القاهرة للنأي عن الاضطرابات العالمية.



