عالمي

أزمات الثمانينات هاجس يطارد قادة “مجموعة السبع” في قمة فرنسا

عندما يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظراءه في قمة مجموعة السبع المقررة الأسبوع المقبل في فرنسا، سيكون العجز التجاري الأميركي الضخم أحد أبرز الملفات المطروحة على جدول الأعمال، وهو موضوع كثيراً ما أولاه ترمب اهتماماً خاصاً.

وبصورة أكثر تحديداً، يسعى الجانب الفرنسي المستضيف إلى مناقشة قضية الاختلالات العالمية في موازين المدفوعات، وفي مقدمها عجز الحساب الجاري الأميركي، وهو مقياس أوسع من العجز التجاري يشمل تجارة السلع والخدمات إضافة إلى عوائد الاستثمارات، مقابل الفوائض التي تحققها الصين، وبدرجة أقل الاتحاد الأوروبي واليابان.

وعلى رغم أن وجود عجز أو فائض في الحسابات الخارجية يعد أمراً طبيعياً في الاقتصاد العالمي، فإن القلق يتركز على الاختلالات المفرطة.

وكانت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغيفا، أكدت أن “المشكلة ليست في وجود الاختلالات بحد ذاتها، بل في حجمها المفرط”.

وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن مجموع فوائض وعجز الحسابات الجارية عالمياً بلغ 3.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي خلال العام الماضي، بعد أعوام من التراجع منذ الأزمة المالية العالمية، وللمقارنة، كانت هذه النسبة تراوح ما بين واحد وثلاثة في المئة فقط حتى مطلع الألفية الحالية.

ويرى اقتصاديون أن هذا التطور يثير القلق، إذ أدت اختلالات الحسابات الجارية دوراً مهماً في أزمات مالية سابقة، من أزمة أميركا اللاتينية في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، إلى الأزمة الآسيوية في أواخر التسعينيات، ثم الأزمة المالية العالمية بين عامي 2007 و2009، وأزمة منطقة اليورو التي أعقبتها.

ولأن عجز الحساب الجاري يجب تمويله عبر تدفقات رأسمالية واردة، سواء من خلال الاقتراض أو بيع الأسهم والسندات للمستثمرين الأجانب، فإن اتساع هذا العجز قد يكون مؤشراً إلى تكون فقاعات ديون أو استثمارات مدفوعة بالأموال الأجنبية.

على سبيل المثال، جرى تمويل فقاعة الإسكان الأميركية قبل الأزمة المالية العالمية بصورة غير مباشرة عبر تدفق رؤوس أموال أجنبية إلى الأوراق المالية المدعومة بالرهون العقارية.

إلا أن الاختلالات الحالية تختلف عن تلك التي شهدها العالم قبل 15 عاماً، فعلى رغم أن أحجام العجز السنوية أصبحت أقل نسبياً، فإنها باتت أكثر استدامة وتجذراً في السياسات والأنماط الاقتصادية للدول.

أميركا صاحبة أكبر اختلال منفرد في العالم

تعد الولايات المتحدة صاحبة أكبر اختلال منفرد في العالم، إذ يبلغ عجز حسابها الجاري نحو 1.1 تريليون دولار، ويعزو الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذا العجز إلى ما يصفه بالممارسات التجارية غير العادلة من جانب الدول الأخرى، ويرى أن فرض الرسوم الجمركية هو الحل المناسب لمعالجة المشكلة.

لكن صندوق النقد الدولي يرى، في دراسة أعدها مختصوه هذا العام، أن الرسوم الجمركية تمثل أداة للسياسة الصناعية على المستوى الجزئي، وأن تأثيرها في الحساب الجاري يبقى محدوداً بسبب التغيرات المقابلة في الاستثمار والاستهلاك والادخار وأسعار الصرف.

وعلى رغم أن الرسوم الجمركية أسهمت العام الماضي في تقليص بعض الواردات، فإن الطفرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي زادت الطلب على المعدات التقنية المستوردة، مما جعل عجز الحساب الجاري ينخفض بصورة طفيفة فقط.

ويعتبر الصندوق أن العجز الكبير في الموازنة الأميركية يمثل عاملاً أكثر تأثيراً في اتساع عجز الحساب الجاري، إذ يؤدي إلى تعزيز الإنفاق المحلي وتقليص معدلات الادخار.

وتشير تقديرات الصندوق إلى أن زيادة عجز الموازنة بمقدار اثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي ترفع عجز الحساب الجاري بنحو 0.5 في المئة من الناتج.

وفي المقابل، لا تتحمل الولايات المتحدة وحدها مسؤولية هذا العجز، إذ إن فوائض الدول الأخرى تسهم في تغذيته، ومن بين هذه الدول ألمانيا، التي تعاني نقصاً مزمناً في الاستثمار، والصين التي تمتلك أكبر فائض في الحساب الجاري على مستوى العالم، ومن خلال حجم صادراتها الضخم، تدفع الصين عملياً شركاءها التجاريين إلى تسجيل عجز مقابلة.

كما هي الحال مع ترمب، تعطي الصين أولوية كبيرة لقطاع التصنيع، غير أن سياساتها تختلف في طبيعتها وتأثيرها، فبحسب تحليل صندوق النقد الدولي، تساعد السياسات الصناعية الصينية في دعم الفائض التجاري لأنها تعمل على المستوى الكلي للاقتصاد، وليس على المستوى الجزئي فقط.

وتشمل هذه السياسات التدخل في سوق الصرف وفرض قيود على حركة رؤوس الأموال للحفاظ على انخفاض قيمة العملة، إضافة إلى دعم الاستثمار عبر سياسات ضريبية وأعباء تقع على الأسر وشبكة أمان اجتماعي محدودة، مما يرفع معدلات الادخار ويعزز الصادرات على حساب الاستهلاك والواردات.

الاختلالات قد تتفاقم

يأمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن تسفر رئاسة بلاده لمجموعة السبع عن توافق دولي لمعالجة هذه الاختلالات الاقتصادية العالمية.

وحذر ماكرون من أنه في حال غياب التنسيق بين الاقتصادات الكبرى، فإن هذه الاختلالات قد تتفاقم وتنتهي بتصحيح غير منظم يهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي.

ويبدو الحل من الناحية النظرية واضحاً، إذ يتعين على الولايات المتحدة تقليص عجز موازنتها العامة بصورة ملموسة، في حين ينبغي على الصين إجراء إصلاحات أعمق في نظامها المالي والمالي العام لتقليل اعتمادها على الفوائض التجارية الكبيرة.

يمكن استلهام تجربة “بلازا أكورد” عام 1985، عندما اتفقت دول مجموعة الخمس، التي شكلت النواة الأولى لمجموعة السبع، على السماح بانخفاض حاد في قيمة الدولار الأميركي مقابل المارك الألماني والين الياباني، وأسهم ذلك الاتفاق في تقليص الاختلالات التجارية العالمية بصورة ملحوظة خلال الأعوام اللاحقة.

التقليل العميق من قيمة العملات 

يرى اقتصاديون أن الدولار الأميركي لا يزال مقوماً بأعلى من قيمته الحقيقية وفق كثير من المؤشرات، في حين يقدر أن اليوان الصيني أقل من قيمته الفعلية بما لا يقل عن 15 في المئة، بحسب الزميل الأول في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي جوزيف غانيون.

وكتب كل من المستشارين الاقتصاديين السابقين للحكومتين الأميركية والفرنسية، براد سيتسر وشاهين فاليه، أن إنهاء حالات “التقليل العميق من قيمة العملات” يمثل السياسة الوحيدة القادرة بصورة مباشرة على إعادة التوازن إلى التجارة العالمية.

لكن أياً من هذه الحلول لا يبدو قريب المنال، فالصين ليست عضواً في مجموعة السبع، على رغم مشاركتها عبر ممثل رسمي في قمة منفصلة استضافها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

الولايات المتحدة ترجع مشكلاتها الاقتصادية إلى سياسات الدول الأخرى، وعلى رأسها الصين، بينما لا ترى بكين مبرراً لتغيير سياسات تعدها ناجحة وفعالة، أما صندوق النقد الدولي، الجهة المكلفة نظرياً بمراقبة الاختلالات العالمية، فلا يمتلك الأدوات الكافية لفرض تصحيحها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال رئيس معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، آدم بوسين، لصحيفة “وول ستريت جورنال” إن “النقاش حول الاختلالات الدولية يتمحور في جوهره حول السياسات غير المسؤولة لكل من الصين والولايات المتحدة”، مضيفاً أن قدرة صندوق النقد الدولي على التأثير تظل محدودة للغاية عندما يتعلق الأمر بأكبر اقتصادين في العالم وأكبر قوتين نوويتين من بين كبار المسهمين في الصندوق.

وفي ظل غياب الإرادة السياسية للتوصل إلى حلول منسقة، يبرز تساؤل جوهري حول ما إذا كانت أزمة اقتصادية جديدة ستكون الوسيلة الوحيدة لتصحيح هذه الاختلالات.

غير أن التجارب السابقة لا تقدم نموذجاً واضحاً يمكن القياس عليه، فالأزمات المالية في أميركا اللاتينية وآسيا ارتبطت بأنظمة أسعار صرف ثابتة شجعت تدفقات الإقراض عبر الحدود قبل أن تنهار العملات وتتفجر الأزمات المصرفية. 

جاءت أزمة منطقة اليورو نتيجة اختلالات مشابهة داخل الاتحاد النقدي، في حين أن فقاعة الإسكان الأميركية كانت مدفوعة في الأساس بتراكم الديون الخاصة وتمويلها من الأسواق المالية.

امتداد الآثار إلى أسواق السندات والعملات

في دراسة حديثة، أشارت الاقتصادية كريستين فوربز وثلاثة من زملائها إلى أن الولايات المتحدة مولت جزءاً كبيراً من عجزها الخارجي في الأعوام الأخيرة عبر بيع الأسهم للمستثمرين الأجانب، إذ بلغت قيمة هذه المبيعات 736 مليار دولار العام الماضي، وهو مستوى قياسي.

وترى فوربس أن الجانب الإيجابي لهذا الوضع يتمثل في أن أي تراجع حاد في أسعار الأسهم، نتيجة تباطؤ أو خيبة أمل محتملة في طفرة الذكاء الاصطناعي مثلاً، سيؤدي تلقائياً إلى خفض قيمة الأصول التي يمتلكها المستثمرون الأجانب، ومن ثم تقليص الالتزامات المالية غير المباشرة التي تراكمت على الولايات المتحدة لتمويل عجزها. 

قد يسهم ذلك في إضعاف الدولار، مما يساعد على تصحيح الاختلالات التجارية والخارجية، لكن الجانب السلبي يتمثل في أن الخسائر التي قد يتكبدها المستثمرون الأجانب يمكن أن تمتد آثارها إلى أسواق السندات والعملات، بما يهدد بحدوث اضطرابات مالية أوسع نطاقاً.

وعلى رغم أن كثيراً من الاقتصاديين ينظرون إلى “بلازا أكورد” بوصفه نموذجاً ناجحاً للتنسيق الاقتصادي الدولي، فإنهم يذكرون أيضاً أن الضغوط التضخمية التي نشأت عقب ذلك الاتفاق أسهمت لاحقاً في التمهيد لانهيار أسواق الأسهم العالمية عام 1987.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى