عالمي

هل ينذر تراجع أسهم “شي إن” بنهاية عصر الموضة السريعة؟

جاهز للاستماع
جاهز للاستماع
جاهز للاستماع

لفترة من الزمن، بدا أن “شي إن” في طريقها إلى الهيمنة على العالم. فقد دشنت الشركة، التي تأسست في الصين، حقبة جديدة من الموضة السريعة، باتت فيها المنتجات الجديدة تُطرح على الإنترنت خلال ساعات، وأصبح من الممكن شراء إطلالة كاملة بأقل من خمسة جنيهات استرلينية. كانت هذه، في واقع الأمر، موضة سريعة كما لو أنها حقنت بالمنشطات، وسرعان ما أصبح الإقبال عليها أشبه بالإدمان. وفي العام المنتهي بنهاية مارس (آذار) الماضي، تجاوز عدد عملاء “شي إن” النشطين 273 مليوناً، قدموا أكثر من مليار طلب شراء.

أما الآن، فيبدو أن العصر الذهبي للشركة بدأ يفقد بريقه. فقد تراجعت أسهم “شي إن” أول من أمس الثلاثاء ستة في المئة، في انخفاض مفاجئ لشركة بلغت قيمتها في وقت من الأوقات 100 مليار دولار (73 مليار جنيه استرليني)، لكنها أصبحت، بعد طرح أسهمها في بورصة هونغ كونغ، تساوي ربع ذلك الرقم فحسب. ويأتي هذا الأداء المخيب إلى حد ما بعد فشل محاولات الشركة للإدراج في بورصتي نيويورك ولندن، إذ عرقلت الجهات التنظيمية إدراجها في نيويورك بسبب مخاوف تتعلق باستخدام العمالة القسرية. وفي بريطانيا أيضاً، تعثرت محاولة إدراج “شي إن” في البورصة عند تقييم قدره 50 مليار جنيه استرليني، بسبب مخاوف أُثيرت في شأن سلسلة توريد الشركة.

والنتيجة أن علامات استفهام لا تزال تحيط بمستقبل أعمال “شي إن”، وكذلك بمدى قدرة صناعة الأزياء على الاستمرار بهذه الوتيرة المتسارعة، في وقت بدأت الحكومات أخيراً تدرك العواقب البيئية والأخلاقية لنماذج البيع بالتجزئة القائمة على الأسعار المنخفضة والسرعة الفائقة.

إعلان

وفي هذا السياق، أطلقت منظمة “أوكسفام” الخيرية هذا الأسبوع حملتها السنوية “سبتمبر للملابس المستعملة”، التي تشجع الناس على شراء الملابس المستعملة حصراً لمدة 30 يوماً أو أكثر. ويشارك آلاف الأشخاص في الحملة سنوياً، ويتصدر الممثل ريتشارد إي غرانت حملة عام 2026.

 

ومع ذلك، لا تزال “شي إن” واحدة من أكبر شركات الأزياء المدرجة في البورصة، بقيمة سوقية تماثل تقريباً قيمة “أتش أند أم” H&M. لكن هل يعني هذا التعثر أن الموضة السريعة بدأت أخيراً تفقد هيمنتها التي كانت تتمتع بها؟ وهل بات المستهلكون يعطون أولوية أكبر لأساليب تسوق أكثر استدامة؟ وهل يمكن أن يكون ذلك التحول الإيجابي الذي طال انتظاره في القطاع؟

الإجابة ليست بهذه البساطة، فقد تأسست “شي إن” في الصين عام 2008 على يد كريس شو، وبدأت مشروعاً صغيراً لبيع فساتين الزفاف عبر الإنترنت. وعلى رغم تحولها لاحقاً إلى علامة تجارية رائجة في قطاع التجزئة، ظلت بعيدة نسبياً من الأضواء حتى جاءت الجائحة وازدهر التسوق عبر الإنترنت، فقفزت إيراداتها من ملياري دولار عام 2018 إلى 15.7 مليار دولار عام 2021. واعتمدت “شي إن” نموذجاً يقوم على طرح كميات محدودة من المنتجات واختبار الإقبال عليها ثم تكرار إنتاج ما يلقى رواجاً، والذي تستخدمه أيضاً شركتا “إنديتكس” و”أتش أند أم”، واشتهرت بقدرتها على إبقاء ستة في المئة فقط من مخزونها في المستودعات لأكثر من 90 يوماً.

685 في المئة الزيادة التقريبية في إيرادات “شي إن” بين عامي 2018 و2021

 

وكان هذا نموذج أعمال يقوم قبل كل شيء على السرعة، وغالباً ما يأتي ذلك على حساب المعايير الاجتماعية والبيئية. واتهمت الشركة أيضاً بنسخ تصاميم علامات تجارية أصغر، بل إنها باعت في مرحلة من عام 2020 قلادات تحمل رمز الصليب المعقوف، قبل أن تسارع إلى الاعتذار وإزالتها من موقعها. وفي انتكاسة أحدث، خسرت “شي إن” دعوى قضائية في شأن حقوق النشر ضد منافستها اللدودة “تيمو” Temu، بعدما اتهمتها بارتكاب انتهاكات “على نطاق صناعي” من خلال السماح لبائعين على منصتها باستخدام صور مأخوذة من موقع “شي إن” للإعلان عن الملابس.

 

وزادت الأمور تعقيداً مع إلغاء الإعفاءات الجمركية على السلع الرخيصة في الولايات المتحدة وأوروبا، مما أربك نموذج أعمال “شي إن” وأجبرها على رفع الأسعار. وخلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام، سجلت الشركة خسارة قدرها 99 مليون دولار، مقارنة بأرباح بلغت 395 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

وتقول كبيرة المحاضرين في الأزياء بجامعة نوتنغهام ترينت الدكتورة روز مارونشيللي: “قد يكون ذلك مؤشراً إلى تغير عادات التسوق لدى أبناء الجيل زد. ونظراً إلى محدودية الدخل المتاح للإنفاق لدى كثير منهم في هذه المرحلة من العمر، فإن الأسعار المنخفضة التي تقدمها علامات مثل ’شي إن‘ تبدو جذابة بصورة خاصة. لكن الأبحاث تفيد بأن الوعي البيئي يتزايد لدى أبناء هذا الجيل. وفي الوقت نفسه، تولي الحكومات الأميركية والأوروبية اهتماماً أكبر بالموضة بالغة السرعة، وفي المملكة المتحدة منحت هيئة المنافسة والأسواق عام 2025 صلاحيات أوسع بكثير لإنفاذ القوانين، بما يتيح لها فرض عقوبات قاسية على الشركات التي تثبت ممارستها ادعاءات بيئية مضللة”.

وأدى ذلك إلى تشديد العقوبات على الشركات التي يثبت تورطها في “التضليل البيئي”، أي تقديم نفسها على أنها مسؤولة بيئياً بينما تواصل في الواقع ممارسات تضر بالبيئة. وتضيف مارونشيللي: “الشركات التي يثبت تورطها في ممارسات مضللة لا تواجه غرامات مالية فحسب، بل تخاطر أيضاً بإلحاق ضرر دائم بسمعتها”. وتابعت: “لذلك، يتعين على ’شي إن‘ أن تولي اهتماماً كبيراً للأثر البيئي لنموذج أعمالها، وكذلك بالطريقة التي تتحدث بها عنه إلى المستهلكين مستقبلاً”.

“يميل أبناء الجيل زد بصورة متزايدة إلى العلامات التجارية الصادقة والشفافة”

الدكتورة روز مارونشيللي، كبيرة المحاضرين في الأزياء بجامعة نوتنغهام ترينت

 

ويضاف إلى ذلك أن شراء الملابس من شركات مثل “شي إن” لم يعد منسجماً تماماً مع الاتجاهات السائدة في عالم الموضة اليوم، التي أصبحت تركز على التسوق المستدام أكثر من أي وقت مضى. ففي المملكة المتحدة، اشترى ثلثا المستهلكين سلعاً مستعملة عبر الإنترنت عام 2024، فيما تزداد شعبية منصات مثل “فينتيد” Vinted و”ديبوب” Depop باستمرار، وتجاوزت إيرادات “فينتيد” مليار يورو العام الماضي. وازداد الإقبال على شراء السلع الفاخرة المستعملة عبر منصات أقل كلفة مثل “فيستيير كوليكتيف” Vestiaire Collective، ولا سيما مع ارتفاع قيمة القطع النادرة والكلاسيكية مقارنة بملابس المصممين الجديدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتضيف مارونشيللي: “يميل أبناء الجيل زد بصورة متزايدة إلى العلامات التجارية الصادقة والشفافة. ويُعرف هذا الجيل عموماً بتقديره للأصالة ومساءلة الشركات، ويُظهر ميلاً أكبر إلى العلامات التي تقدم معلومات واضحة عن ممارساتها البيئية والاجتماعية”.

ومن الأمثلة على ذلك “ريفورمايشن” Reformation، وهي واحدة من أكثر العلامات التجارية شعبية بين أبناء هذا الجيل، إذ تضع الاستدامة في صميم أعمالها وتسويقها، وتنشر بانتظام تقارير مفصلة عن انبعاثاتها الكربونية واستهلاكها للمياه. وتستخدم أيضاً في مجموعاتها تشكيلة واسعة من الأقمشة الطبيعية والمخزونات الفائضة التي لم تستخدم من قبل، بما في ذلك الكتان والقطن العضوي وألياف “تينسيل ليوسيل” TENCEL™ Lyocell، وهي ألياف شبه صناعية مصنوعة من لب خشب مستخرج من مصادر مستدامة.

 

وفي المقابل، فرضت إيطاليا عام 2025 غرامة قدرها مليون يورو على “شي إن” بسبب ادعاءات بيئية مضللة في شأن منتجاتها، وذلك بعد شهر واحد من فرض هيئة حماية المستهلك الفرنسية غرامة أخرى عليها بلغت 40 مليون يورو.

ويتجه مزيد منا أيضاً إلى إصلاح الملابس القديمة بدلاً من استبدالها، مع تزايد شعبية خدمات الإصلاح والتجديد. ووفق مجلة “فوغ بيزنس”، تصلح المؤسسة الاجتماعية الهولندية “يونايتد ريبير سنتر” United Repair Centre نحو 55 ألف قطعة سنوياً لأكثر من 35 علامة تجارية متخصصة في الملابس الرياضية والملابس المصممة للنشاط البدني، من بينها “باتاغونيا” و”ديكاتلون”.

وربما جعل صيف اتسم بحرائق غابات هائلة وكوارث طبيعية مرتبطة بأزمة المناخ، الآثار البيئية لعاداتنا الشرائية أكثر حضوراً من أي وقت مضى، ولا سيما عند النظر إلى الأرقام. فبحسب “أوكسفام”، تعادل كمية المياه المستخدمة لإنتاج الملابس التي لا يرتديها أحد في بريطانيا ما يكفي لتلبية حاجات مليون شخص مدى الحياة. وتشير التقديرات أيضاً إلى أن المملكة المتحدة ترسل نحو 300 ألف طن من الملابس إلى مكبات النفايات كل عام. وإذا لم يتغير شيء بحلول عام 2050، تقدر مؤسسة “إيلين ماك آرثر” أن صناعة الأزياء ستستهلك 26 في المئة من إجمال الانبعاثات الكربونية التي يمكن للعالم تحملها ضمن حدود الاحترار المستهدفة.

لكن ليس كل ما يحدث يسير بالضرورة في الاتجاه الصحيح. فهناك مثلاً “ليفتيز” Lefties، سلسلة المتاجر منخفضة الأسعار التي أطلقها مالك “زارا” Zara لمنافسة “بريمارك” Primark و”شي إن” مباشرة. وقد افتتحت أول متجر لها في المملكة المتحدة الأسبوع الماضي في ليفربول، مستعينة بالروبوتات لخفض كلف العمالة، إذ تستطيع أجهزة الدفع الذاتي مسح محتويات سلة التسوق كاملة دفعة واحدة. ومن المقرر افتتاح متجرين آخرين العام المقبل، أحدهما في مركز “ليكسايد” التجاري في إسيكس والآخر في “متروسنتر” قرب نيوكاسل.

ومع ذلك، فإن طرح أسهم “شي إن” في البورصة يمثل تحولاً واضحاً ومهماً إذا ما قورن بصعودها الصاروخي السابق الذي بدا عصياً على التوقف، وقد يكون مؤشراً إلى أن مستقبل الموضة بدأ يتغير. وتقول مارونشيللي: “مع استمرار تنامي الاهتمام بالاستدامة، سيتعين على علامات مثل ’شي إن‘ إعادة النظر في ممارساتها الأخلاقية والبيئية حتى تحافظ على مكانتها وربحيتها”. وتضيف: “لا يزال الطلب كبيراً على الملابس الأنيقة والميسورة الكلفة، لكن على ’شي إن‘ أن توازن بين الأسعار المنخفضة والشفافية والجودة، حتى تلبي توقعات المستهلكين المتغيرة وتحظى بثقتهم”.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى