بلغ 40 تريليون دولار… كيف تهز أثقال الدين الأميركي الأسواق؟

لم يعد تجاوز الدين الأميركي عتبة 40 تريليون دولار مجرد رقم قياسي جديد في دفاتر الخزانة، بعدما انتقل القلق في الأسواق من حجم الالتزامات المتراكمة على واشنطن إلى الكلفة التي يتعين عليها دفعها لتمويل هذه الالتزامات، في وقت ترتفع فيه العوائد الطويلة الأجل وتتسع الحاجة إلى الاقتراض لتغطية عجز مزمن وفاتورة فائدة تتضخم عاماً بعد آخر.
وأظهرت أحدث بيانات وزارة الخزانة الأميركية أن إجمال الدين بلغ 40.047 تريليون دولار، منها 32.266 تريليون دولار ديون محتفظ بها لدى الجمهور و7.782 تريليون دولار التزامات حكومية داخلية، وبذلك أضافت واشنطن نحو 10 تريليونات دولار إلى ديونها منذ تجاوز مستوى 30 تريليوناً في يناير (كانون الثاني) 2022.
ويعد الدين المحتفظ به لدى الجمهور الأكثر ارتباطاً بالأسواق، إذ يتطلب تمويله وإعادة تمويله استمرار قدرة وزارة الخزانة على جذب المستثمرين إلى إصداراتها من الأذون والسندات.
وتأتي القفزة بينما بلغ عجز الموازنة خلال أول 10 أشهر من السنة المالية 2026 نحو 1.8 تريليون دولار، متجاوزاً عجز السنة المالية الماضية بكاملها، وهو ما يعيد طرح السؤال حول قدرة سوق السندات على استيعاب الإصدارات المتزايدة من دون مطالبة المستثمرين بعائد أكبر.
وتزيد تقديرات مكتب الموازنة في الكونغرس الصورة تعقيداً، إذ يتوقع ارتفاع صافي مدفوعات الفائدة من أكثر من تريليون دولار في 2026 إلى 2.1 تريليون دولار عام 2036، وصعودها من 3.3 إلى 4.6 في المئة من الناتج المحلي، بالتزامن مع ارتفاع الدين المحتفظ به لدى الجمهور من 101 إلى 120 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وتزداد حساسية هذه المعادلة مع ارتفاع العوائد الطويلة الأجل، فقد سجل أحدث مزاد لسندات الخزانة لأجل 30 عاماً أعلى كلفة لمثل هذا الطرح خلال ربع قرن، فيما سجل مزاد السندات لأجل 10 أعوام أعلى كلفة تمويل منذ 2007.
ويعني ذلك أن جزءاً متزايداً من الديون التي يعاد تمويلها ينتقل من أسعار فائدة منخفضة كانت سائدة خلال الأعوام الماضية إلى مستويات أعلى، بما يرفع متوسط كلفة الدين تدرجاً.
وبلغت كلفة الفائدة الحكومية التراكمية نحو 1.2 تريليون دولار حتى يوليو (تموز) من السنة المالية 2026، بزيادة 15 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وكلما ارتفعت فاتورة الفائدة تقلصت المساحة المتاحة أمام الحكومة لتمويل بنود أخرى، بينما قد تضطر الخزانة إلى اقتراض المزيد لتغطية العجز ومدفوعات الفائدة نفسها.
وعلى رغم ذلك، لا يعني تجاوز الدين حاجز 40 تريليون دولار اقتراب أزمة سيادية بالمعنى التقليدي، فالولايات المتحدة تتمتع بميزة استثنائية تتمثل في إصدار ديونها بعملتها، إلى جانب الدور العالمي للدولار وعمق سوق الخزانة الأميركية وسيولتها، مما يحافظ على الطلب على سنداتها باعتبارها من أهم الأصول الآمنة في النظام المالي العالمي.
اختبار متزايد
لكن مساحة الأمان هذه تواجه اختباراً متزايداً مع استمرار الاختلال المالي وتصاعد ضغوط الإنفاق المرتبطة بالضمان الاجتماعي والرعاية الصحية وشيخوخة السكان، في وقت تستمر فيه مستويات الدين في تسجيل مستويات تاريخية.
وتقترب الحكومة كذلك من سقف الدين القانوني البالغ 41.1 تريليون دولار، مما ينذر بعودة المواجهات السياسية حول رفع السقف أو تعليقه خلال الفترة المقبلة. وعلى رغم أن هذه المواجهات لا تعكس في ذاتها عدم قدرة الولايات المتحدة الاقتصادية على السداد، فإنها تضيف عنصراً آخر من عدم اليقين إلى سوق تعد حجر الأساس في النظام المالي العالمي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبذلك، يتحول النقاش من حجم الدين الأميركي إلى كلفة استدامته، فالسؤال الذي يشغل الأسواق لم يعد ما إذا كانت واشنطن قادرة على مواصلة الاقتراض، بل مقدار العائد الذي سيطلبه المستثمرون لتمويلها، ومدى قدرة الاقتصاد والموازنة وأسواق الأسهم على تحمل بقاء كلفة الأموال مرتفعة في وقت يستمر فيه الدين في تسجيل مستويات قياسية جديدة.
دوامة الفائدة والدين
وأفاد اقتصاديون لـ”اندبندنت عربية” بأن الخطر لم يعد يتمثل في تعثر الولايات المتحدة عن السداد بالمعنى التقليدي، بقدر ارتباطه بتآكل المساحة المالية المتاحة أمام الحكومة كلما أعيد تمويل ديون قديمة منخفضة الكلفة بأسعار فائدة أعلى، إذ ترفع الفائدة العجز، بينما يفرض العجز اقتراضاً جديداً يعيد تشغيل الحلقة نفسها، بما يضع أكبر اقتصاد في العالم أمام دوامة متصاعدة من الدين والفائدة.
وأشاروا إلى أن زيادة إصدارات الخزانة تضع كميات أكبر من الدين أمام المستثمرين، مما قد يدفعهم إلى طلب علاوة عائد أعلى لاستيعاب المعروض، ولا تبقى التداعيات داخل الموازنة، لأن عوائد السندات الأميركية تمثل مرجعاً لتسعير الرهون العقارية وقروض الشركات والسيارات ومجموعة واسعة من أدوات الائتمان، وهي العلاقة التي تضع كلفة خدمة الدين ومزاحمة القطاع الخاص في قلب الأزمة الحالية.
ووصل عائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً هذا الأسبوع إلى 5.337 في المئة، وهو الأعلى منذ 2007، قبل أن يتراجع بعدما ضاعفت الخزانة حجم عمليات إعادة شراء الديون الطويلة الأجل، في إشارة إلى حجم الحساسية التي باتت تحيط بسوق تعد حجر الأساس للنظام المالي العالمي.
الدين يضغط على السندات
وفي هذا السياق، قال الرئيس التنفيذي لمركز “كوروم للدراسات الاستراتيجية” طارق الرفاعي إن الأسواق باتت تتأثر بصورة متزايدة بمخاوف ارتفاع كلفة الدين الأميركي وتسارع الاقتراض الحكومي، موضحاً أن اتساع الدين يفرض ضغوطاً إضافية على السندات ويزيد حساسية المستثمرين تجاه التضخم والسياسة النقدية.
وتحمل قراءة الرفاعي جوهر التحول الجاري، فالمشكلة لم تعد مقدار ما تستطيع واشنطن اقتراضه، وإنما العائد الذي ستدفعه في كل مرة تعيد فيها تمويل جزء من التزاماتها، خصوصاً إذا بقي التضخم مرتفعاً بما يمنع الاحتياط الفيدرالي من تقديم خفضات سريعة للفائدة.
التضخم يعيد إشعال فاتورة الدين
ومن جانبه، يرى المحلل الاقتصادي والشريك المؤسس لأكاديمية “ماركت تريدر” لدراسات أسواق المال عمرو زكريا عبده أن تراكم الديون العالمية ارتبط منذ الأزمة المالية بسياسات السيولة والفائدة والتوسع في الاقتراض، مشيراً إلى أن ارتفاع الفائدة وقوة الدولار يضاعفان أعباء المديونية.
وأوضح عبده أن السماح للتضخم بتقليص القيمة الحقيقية للدين لا يقدم حلاً بلا كلفة، لأن التضخم الأعلى قد يدفع المستثمرين في المقابل إلى المطالبة بعوائد أكبر، لتتحول محاولة تخفيف عبء الدين إلى سبب جديد لارتفاع فاتورة خدمته.
وول ستريت تحت الاختبار
أما رئيس قسم أبحاث السوق لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في “XS.com” أحمد نجم، فيضع أسواق الأسهم في قلب المعادلة، إذ حذر أخيراً من أن تقييمات شركات التكنولوجيا الكبرى تحمل قدراً من المبالغة يجعل السوق أكثر هشاشة، فيما أشار في يوليو (تموز) إلى أن الغموض المحيط بمسار الفيدرالي وعودة ضغوط التضخم يدعمان الدولار وعوائد السندات ويزيدان جاذبية الأصول الأقل مخاطرة.
وهنا تواجه “وول ستريت” ضغطاً مزدوجاً، إذ ترتفع كلفة تمويل الشركات من جهة، بينما يحصل المستثمر من جهة أخرى على عائد مرتفع من سند حكومي أقل مخاطرة.
وتصبح أسهم التكنولوجيا والنمو الأكثر حساسية، لأن ارتفاع معدل الخصم يقلل القيمة الحالية للأرباح المستقبلية، مما يفتح الباب أمام إعادة تسعير أوسع إذا استقرت العوائد عند مستويات مرتفعة.
ولا يقتصر الأثر على الأسهم، إذ يمكن لارتفاع عوائد الخزانة أن ينتقل إلى الرهون العقارية وقروض السيارات وتمويل الشركات، بما يؤدي إلى تشديد الأوضاع المالية داخل الاقتصاد حتى من دون رفع إضافي كبير لأسعار الفائدة الرسمية، ويضع الاستهلاك والاستثمار تحت ضغوط متزايدة.
خيارات مؤلمة
ولا يبدو كسر حلقة الدين والفائدة ممكناً عبر مسار واحد، فخفض الإنفاق أو زيادة الضرائب يمكن أن يبطئا تراكم الالتزامات، لكن التشدد السريع قد يضغط على النمو، بينما يحمل السماح للتضخم بالبقاء مرتفعاً خطر دفع العوائد إلى الصعود مجدداً.
ويبقى رفع الإنتاجية وتسريع النمو الحقيقي المسار الأقل كلفة، شرط أن ينمو الاقتصاد بوتيرة تسمح بتخفيف عبء الدين نسبة إلى حجمه، وهكذا، لا يمثل مستوى 40 تريليون دولار نذيراً بتعثر أميركي وشيك بقدر ما يشكل اختباراً لقدرة واشنطن على المحافظة على ثقة المستثمرين من دون دفع عوائد تستهلك حصة متزايدة من الموازنة، وتزاحم الشركات والأسر على التمويل، وتضع تقييمات “وول ستريت” تحت ضغط متزايد.



