هل تعتزم البنوك المركزية إعادة تشكيل اقتصاد العالم باستخدام الذهب؟

كشفت دراسة بحثية حديثة عن أنه لم يعد سحب البنوك المركزية العالمية ذهبها المادي من خزائن “الاحتياطي الفيدرالي” في نيويورك مجرد إجراء لوجيستي روتيني لإدارة الأخطار، بل تحول إلى استفتاء علني صريح على بداية النهاية للامتياز الاستثنائي الذي تمتع به الدولار وسندات الخزانة الأميركية عقوداً.
الدراسة تشير إلى أنه مع وصول الدين القومي الأميركي إلى خط الخطر التاريخي عند 40 تريليون دولار، تتشابك موجات التوطين السيادي للذهب مع تحركات الشرق لبناء بنية تحتية مالية موازية، لتعلن ارتدادات هيكلية تضع البنوك المركزية العربية أمام حتمية تاريخية.
إما إعادة تحصين خطوط دفاعها النقدية بالأصول المادية، أو تحمل تبعات تآكل القوة الشرائية للعملات الورقية في عالم يتجه بخطى متسارعة نحو تعددية قطبية ترتكز على السيادة العينية.
توسع موجة السحب من بنوك نيويورك منذ 2025
بالنسبة إلى تحركات سحب الذهب من السوق الأميركية منذ انتخاب دونالد ترمب، فقد أعلن البنك المركزي الهولندي رسمياً عن إعادة توزيع جزء من احتياطاته من الذهب ونقل 86 طناً من الذهب من أميركا الشمالية إلى بنك إنجلترا في لندن. وعزا البنك قراره إلى “تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية” ورغبته في رفع الجاهزية للأزمات، إذ يعد الذهب المخزن في لندن الأسرع والأكثر مرونة من ناحية القدرة على التداول والتسييل الفوري في الأسواق العالمية.
وفق الدراسة التي أعدها لـ”اندبندنت عربية”، المتخصص المصرفي، أحمد آدم، تظهر بيانات وتطورات عامي 2025 و2026 أن تحرك البنك المركزي الهولندي ليس حادثة فردية، بل يأتي ضمن موجة متصاعدة من البنوك المركزية لسحب أو إعادة هيكلة حيازتها من الذهب المخزن لدى “الاحتياطي الفيدرالي” في نيويورك.
نفذت فرنسا السحب والتصفية الكاملة لما تبقى من ذهبها المودع لدى “الفيدرالي الأميركي” والبالغ 129 طناً بين يوليو (تموز) 2025 ويناير (كانون الثاني) الماضي. وأدار البنك العملية عبر 26 صفقة تداول لبيع السبائك بنيويورك وإعادة شرائها بمواصفات سوق لندن داخل أوروبا، لتصل حصة الذهب الفرنسي المودع في نيويورك إلى صفر في المئة حالياً.
فيما واصلت الهند أضخم برنامج إعادة توطين مادي، إذ سحبت أكثر من 168 طناً إضافية خلال السنة المالية 2025/2026 من الخزائن الخارجية، وأدى ذلك إلى هبوط نسبة الذهب الهندي المخزن بالخارج من 55 في المئة عام 2023 إلى 22 في المئة فقط بحلول مارس (آذار) الماضي، ليوجد أكثر من 77 في المئة من إجمال احتياطها داخل الخزائن المحلية.
وفي منتصف العام الماضي أنهت صربيا نقل جميع أصولها الذهبية المتبقية بالخارج إلى خزائنها الوطنية داخل البلاد لتأمينها بنسبة 100 في المئة من الأخطار الجيوسياسية. وخلال العام نفسه شهدت إيطاليا ضغوطاً ومناقشات برلمانية مكثفة لإلزام البنك المركزي بإعادة توطين جزء من احتياطاته، إذ يخزن البنك نحو 43 في المئة من ذهبه لدى “الفيدرالي الأميركي” في نيويورك.
وأشارت الدراسة إلى أنه مع بداية 2026 بلغت القيمة السوقية لإجمال احتياطات الذهب لدى البنوك المركزية عالمياً نحو 4 تريليونات دولار، لتتجاوز للمرة الأولى في التاريخ الحديث قيمة حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية (البالغة نحو 3.9 تريليون دولار).
مخزونات الذهب
وكشفت مسوح مجلس الذهب العالمي لعام 2025/2026 أن 59 في المئة من البنوك المركزية باتت تحتفظ بذهبها داخل حدودها الوطنية، مقارنة مع 41 في المئة فقط عام 2024.
ورسخت التطورات الأخيرة مبدأ أن التخزين لدى اختصاص قضائي أجنبي يمثل مخاطرة سياسية وقت الأزمات الشديدة، مما جعل النقل المادي أو إعادة التوزيع نحو مراكز سيولة مرنة (كبنك إنجلترا في حال هولندا) استراتيجية سيادية لوقاية النظام المصرفي والمالي محلياً.
بالنسبة إلى تداعيات سحب الذهب من البنوك الأميركية، لم يتأثر الاقتصاد الأميركي المباشر (كالنمو أو التضخم أو السيولة) بصورة ملحوظة، لكن التأثير الحقيقي يكمن في تداعيات هيكلية وجيوسياسية عميقة تمس هيمنة النظام المالي الأميركي على المديين المتوسط والطويل.
ولطبيعة الأصول المخزنة فالذهب الأجنبي في خزائن “الاحتياطي الفيدرالي” في نيويورك يصنف كـ”أصول أمانة وحضانة”، فهو مملوك بالكامل للدول الأجنبية ولا يدخل في الموازنة العمومية للفيدرالي، ولا يشكل جزءاً من المعروض النقدي الأميركي، وعملية نقله هي مجرد حركة لوجيستية لا تقتطع شيئاً من السيولة المتاحة داخل السوق الأميركية.
وأشارت الدراسة إلى تأثيرات هيكلية وجيوسياسية على أميركا، حيث يعد سحب الذهب استفتاء حياً على تراجع الثقة في الحصانة السيادية لدى واشنطن، بخاصة بعد تجميد الأصول الروسية وتزايد استخدام “سلاح العقوبات المالية”، مما دفع البنوك المركزية إلى الفرار بأصولها المادية.
وأوضحت أن إعادة توطين الذهب وشراءه بكثافة يأتيان غالباً على حساب تقليص الاستثمار في أدوات الدين الحكومية الأميركية، وذكرت أن تراجع طلب البنوك المركزية الأجنبية على السندات يقلل من قدرة واشنطن على تمويل عجزها المالي بسهولة، ويفرض ضغوطاً تصاعدية على أسعار الفائدة وكلفة الاقتراض للديون الأميركية.
وذكرت أنه في نهاية العام الماضي أصبح الذهب، وفق قيمته السوقية، يمثل نحو 27 في المئة من الاحتياطات الرسمية العالمية، متجاوزاً سندات الخزانة الأميركية التي بلغت نحو 22 في المئة. ولا يعني ذلك بالضرورة انتقالاً مباشراً ومتكافئاً من سندات الخزانة إلى الذهب، إذ لعب الارتفاع الكبير في سعر الذهب دوراً رئيساً في إعادة ترتيب الأصول الاحتياطية بالقيمة السوقية.
وقالت إن وجود الجزء الأكبر من ذهب العالم في “مانهاتن” كان يمنح واشنطن نفوذاً أدبياً وجيوسياسياً باعتبارها الخزانة الآمنة للعالم، وأن تشتيت هذه الأصول نحو أوروبا وآسيا يضعف موقع نيويورك كمركز ثقل مطلق للسيادة المالية.
انهيار آلية “إعادة تدوير الدولار”
لفتت الدراسة إلى أن سحب الذهب من الخزائن الأميركية، مع وصول الدين القومي إلى 40 تريليون دولار، ينشئ “حلقة تغذية مرتدة” تضغط على الامتياز الاستثنائي للدولار وللسندات الحكومية، وأبرز الآثار الهيكلية لذلك تتمثل في انهيار آلية “إعادة تدوير الدولار”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تاريخاً، كانت الدول تحول فوائضها التجارية إلى شراء سندات الخزانة الأميركية المودعة في نيويورك، لكن في الوقت الحالي، مع تسارع سحب الذهب وتراجع الرغبة في التوسع بحيازة السندات، توقفت البنوك المركزية عن أداء دور “المشتري التلقائي” للدين الأميركي، مما يجبر واشنطن على رفع الفائدة لجذب المشتري البديل.
ومع تخلي البنوك المركزية عن السندات لمصلحة الذهب (إذ تجاوزت حصة الذهب في الاحتياطات العالمية حجم السندات الأميركية للمرة الأولى منذ عقود)، يرتفع عائد السندات لأجل 30 عاماً لمستويات قياسية.
وهذا الارتفاع يضخم فاتورة فوائد الدين الأميركي لتتجاوز 1.1 تريليون دولار سنوياً، مما يضع “الاحتياطي الفيدرالي” أمام حتمية التدخل لشراء السندات عبر طباعة النقد، وهو ما يذكي التضخم.
وأشارت الدراسة إلى تحول المشهد من الاعتماد المباشر على سندات الخزانة الأميركية باعتبارها الأصل الآمن الأول، إلى صدارة الذهب المادي الذي تجاوزت حصته حجم السندات بنسبة راوحت ما بين 24 و27 في المئة من إجمال الاحتياطات.
وتراجعت فكرة القبول الكامل بتخزين الذهب لدى “الفيدرالي”، لمصلحة سياسة السحب والتوطين المحلي للهرب من أخطار التجميد والقرارات السياسية المباغتة. أيضاً فقد انتهت مرحلة أسعار الفائدة المنخفضة المستندة إلى الطلب الدولي المضمون، ليحل محلها ارتفاع كلفة الدين وتضخم الفوائد المقتطعة لتلتهم أكثر من 14 في المئة من الموازنة الفيدرالية.
وأوضحت أنه عندما كان العالم يحتفظ بالدولار وسنداته كانت واشنطن تطبع النقد وتصدر التضخم للخارج، أما الآن، ومع سحب الذهب وانكماش الطلب الأجنبي على أدوات الدين، فإن أي عملية طباعة نقد لخدمة الدين الضخم تعود مباشرة كتضخم داخلي وتراجع في القوة الشرائية للدولار.



