البهبهاني يكشف: أنابيب النفط هل تستطيع إنهاء أزمة مضيق هرمز؟
تتصاعد أهمية بدائل مضيق هرمز مع استمرار الأزمات الجيوسياسية التي تهدد حركة إمدادات النفط والغاز العالمية.
وفي هذا السياق، ناقش الدكتور عبدالسميع البهبهاني، الخبير والمستشار النفطي، مدى قدرة خطوط نقل النفط، مثل خط شرق غرب في السعودية وخط أبوظبي–الفجيرة، على تخفيف تداعيات أي اضطراب في حركة الملاحة عبر المضيق.
وأكد أن التطور التكنولوجي وانخفاض تكلفة إنشاء خطوط الأنابيب والمجمعات الصناعية يوفران للدول الخليجية خيارات بديلة لنقل النفط.
ومع ذلك، فإن هذه البدائل لا تستطيع حماية الإمدادات من مخاطر الحروب.
هل تستطيع خطوط الأنابيب حل أزمة مضيق هرمز؟
يرى الخبير النفطي أن إنشاء خطوط الأنابيب يعتمد عادة على الجدوى الاقتصادية.
كما تراعي الدول عند تنفيذها تجنب الكوارث الطبيعية والجغرافية.
لكن الحروب أثبتت أن هذه المنشآت ليست محصنة بالكامل أمام المخاطر العسكرية.
وأوضح أن الصواريخ الحديثة تستطيع استهداف البنية التحتية وخطوط النقل، ما يعني إمكانية تعطيل أكثر من ممر مائي في الوقت نفسه.
وأشار إلى أن المخاطر لا تقتصر على مضيق هرمز أو باب المندب، بل يمكن أن تمتد إلى ممرات أخرى، مثل جبل طارق.
وبالتالي، فإن إنشاء المزيد من خطوط الأنابيب قد يوفر بدائل جغرافية، لكنه لا يلغي مخاطر الحروب.
الاقتصاد العالمي أمام اختبار جديد
يرى عبدالسميع أن النقاش لا يجب أن يقتصر على المصالح الاقتصادية الفردية للدول.
فالاقتصاد العالمي أصبح مترابطًا بصورة كبيرة.
وأشار إلى أن الأزمات أثبتت أن أي اضطراب في دولة، حتى لو كانت أقل تصنيعًا من القوى الكبرى، يمكن أن يؤثر في الاقتصاد العالمي بأكمله.
كما شدد على أهمية وجود نظم عالمية أكثر ضمانًا لسلاسل الإمداد.
ويرى أن حماية خروج النفط من منطقة الخليج تظل مسألة عالمية، خصوصًا أن المنطقة تضم نحو 50% من المخزون العالمي.
وأضاف أن الإجراءات الاقتصادية الأحادية لا توفر حماية حقيقية لسلاسل الإمداد.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة خرقت، بحسب رؤيته، عددًا من القوانين من خلال سياساتها وتعريفاتها.
هل توجد بدائل للغاز المسال بعيدًا عن هرمز؟
لا تقتصر تداعيات أزمة مضيق هرمز على النفط فقط.
فقطاع الغاز الطبيعي المسال يواجه أيضًا تحديات كبيرة عند تعطل حركة الملاحة في المنطقة.
وأوضح الخبير أن تجربة أوروبا مع خطوط الغاز الروسية تكشف مدى تعقيد هذه الأزمة.
فقد انخفضت إمدادات بعض خطوط الأنابيب الروسية إلى أوروبا من مستويات بلغت 12 إلى مستويات أقل بكثير، قبل أن تتوقف بعض الإمدادات في النهاية.
ولم تكن المشكلة مرتبطة بتدمير البنية التحتية فقط.
بل أدت القوانين والقرارات الاقتصادية إلى تغيير خريطة إمدادات الغاز.
إعادة إنتاج الغاز تحتاج سنوات
أشار عبدالسميع إلى أن انتهاء الحرب لا يعني عودة إمدادات النفط والغاز إلى مستوياتها السابقة بصورة فورية.
فإغلاق حقول النفط والغاز وإعادة تشغيلها عملية معقدة.
وتزداد الصعوبة في حالة حقول الغاز، فضلًا عن البنية التحتية المرتبطة بها.
وقد تحتاج إعادة هذه المنشآت إلى طاقتها القصوى نحو سنة إلى سنة ونصف للنفط، بينما قد تصل المدة في قطاع الغاز إلى 4 أو 5 سنوات.
كما تتطلب إعادة بناء القدرات الإنتاجية استثمارات ضخمة.
وأشار إلى ضرورة إعادة الطاقة الإنتاجية من نحو 80 مليون طن إلى 140 مليون طن، وهو ما يحتاج إلى وقت وأموال كبيرة.
التفاهمات والضمانات هي الحل
يرى الخبير النفطي أن إنشاء المزيد من البنية التحتية لن يكون حلًا سريعًا لأزمة مضيق هرمز.
فهذا الخيار يحتاج إلى سنوات طويلة واستثمارات ضخمة.
لذلك، يعتقد أن الحل الأكثر فاعلية يتمثل في التفاهمات والضمانات الدولية.
وأشار إلى أن التجربة الأوروبية مع إغلاق خطوط الغاز كانت قاسية، بعدما عانت الأسواق من ارتفاعات كبيرة في أسعار الغاز.
ومع ذلك، يرى أن أوروبا أصبحت أكثر استعدادًا للتعامل مع هذه التجربة، رغم توافر بدائل وخطوط غاز بحرية قبل الأزمة.
هل يمكن تحويل مضيق هرمز إلى مسار بري عبر إسرائيل؟
في تطور آخر، طُرح مشروع يعتمد على إقامة شبكة من خطوط الأنابيب لنقل النفط والغاز من الخليج عبر الأراضي العربية وصولًا إلى إسرائيل، ثم نقل الإمدادات من إسرائيل إلى أوروبا.
وارتبط هذا الطرح بتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول التطبيع مع دول عربية أخرى.
كما تحدث نتنياهو عن تحويل مسار إمدادات النفط والغاز بعيدًا عن مضيق هرمز، باستخدام شبكة أنابيب تمر عبر المنطقة.
ومن الناحية الفنية، يرى عبدالسميع أن تنفيذ مثل هذا المشروع ممكن.
لكن العامل السياسي يمثل العقبة الأكبر أمامه.
قناة موازية لقناة السويس لن تكون الحل الكامل
أشار الخبير إلى مشروع آخر كان رئيس الوزراء الإسرائيلي يحاول طرحه، ويقوم على إنشاء قناة موازية لقناة السويس تبدأ من خليج العقبة وتمتد إلى البحر المتوسط ثم إلى أوروبا.
وقد تصل الطاقة المنقولة عبر هذا المسار إلى نحو 5 ملايين برميل يوميًا.
لكن المشكلة الأساسية لا ترتبط بأوروبا فقط.
فالسوق الأهم للنفط والغاز الخليجيين هو آسيا، حيث تتركز الصناعات الكبرى ومراكز الاستهلاك.
وأوضح أن مصانع كوريا الجنوبية تأثرت بفقدان الغاز القطري.
كما تأثرت إمدادات الأسمدة الكيماوية القادمة من الغاز.
وامتدت التداعيات إلى مشتقات الغاز المهمة في صناعات الصين واليابان وكوريا الجنوبية، وهو ما انعكس على الاقتصاد العالمي.
آسيا تستحوذ على الجزء الأكبر من إمدادات الخليج
يرى عبدالسميع أن نقل النفط والغاز إلى البحر المتوسط ثم أوروبا لا يمثل الحل الأكبر لأزمة إمدادات الخليج.
فجزء محدود فقط من هذه الإمدادات يتجه إلى أوروبا.
وأشار إلى أن نحو 10% من الغاز القطري يذهب إلى أوروبا، بينما تتجه نسبة 90% إلى آسيا.
كما يذهب نحو 5 ملايين برميل يوميًا إلى الأسواق الآسيوية، في حين تبلغ حصة أوروبا نحو 20.15% من الإنتاج الخليجي، مقابل نحو 85% لآسيا، وفق الأرقام الواردة في المقابلة.
وبالتالي، فإن إنشاء مسار بديل باتجاه البحر المتوسط لن يحل مشكلة الأسواق الآسيوية.
باب المندب بديل محتمل لكنه معرض للخطر
يمكن استخدام مسار آخر لنقل النفط والغاز عبر السفن.
ويتمثل ذلك في تحميل الناقلات لعبور باب المندب ثم التوجه إلى آسيا بدلًا من أوروبا.
لكن هذا المسار لا يخلو أيضًا من المخاطر.
فالممر البحري معرض للإغلاق بسبب التعقيدات العسكرية والجيوسياسية.
وبالتالي، فإن نقل المخاطر من مضيق هرمز إلى باب المندب أو خليج العقبة لا يعني التخلص منها.
المخاطر السياسية تهدد أي بديل
يؤكد عبدالسميع أن إنشاء مسارات بديلة لمضيق هرمز ممكن من الناحية الفنية.
لكن المشكلة قد تنتقل إلى منطقة أخرى إذا ظلت العوامل السياسية والعسكرية قائمة.
ويرى أن نقل النفط والغاز عبر إسرائيل قد يخلق مخاطر جديدة، إذ يمكن لأي طرف يمتلك السيطرة على خطوط الأنابيب أن يؤثر في تدفقات الطاقة.
وهنا تتكرر مشكلة مضيق هرمز ولكن بصورة مختلفة.
فكما يمكن أن يؤدي الصراع إلى تعطيل الملاحة، يمكن أيضًا أن يؤدي إلى تعطيل خطوط الأنابيب.
وفي ظل المطامع الإسرائيلية التي أشار إليها الخبير، والتي ارتبطت بالحديث عن دولة يهودية تمتد «من الفرات إلى النيل»، تصبح المخاطر الجيوسياسية عاملًا رئيسًا في تقييم أي مشروع بديل.
وبذلك، لا يبدو أن الحل يكمن في استبدال مضيق بآخر أو استبدال الممرات البحرية بشبكة أنابيب فقط.
بل تظل التفاهمات السياسية والضمانات الدولية، إلى جانب تنويع مسارات الطاقة، من أهم الخيارات المطروحة لحماية تدفقات النفط والغاز وسلاسل الإمداد العالمية.



