عالمي

موسم ذهبي للقمح في مصر… هل تقترب القاهرة من الاكتفاء الذاتي؟

تبدو سوق القمح في مصر أمام تغيرات جوهرية في قادم الأيام، مع مزيج ضعف الطلب على الواردات على المدى القريب، والمشتريات المحلية الكبيرة، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، والإصلاح المحتمل للدعم، في وقت تتعرض فيه الأسعار العالمية بالفعل لضغوط من إمدادات المحصول الجديد من البحر الأسود. وانخفضت أسعار القمح إلى أدنى مستوى لها في خمسة أشهر في الـ30 من يونيو (حزيران)، متأثرة بضعف الطلب من الدول المستوردة الرئيسة، بما في ذلك مصر، في حين أثرت الإمدادات الجديدة من محصول البحر الأسود الجديد على المعنويات.

فاتورة الاستيراد

تعد مصر واحدة من أكبر مستوردي القمح في العالم، إذ تستورد عادة 10 ملايين طن سنوياً، تشتري الحكومة نصفها تقريباً لبرنامج الخبز المدعم الذي يستفيد منه نحو 70 مليون مواطن.

وتشير بيانات رسمية إلى أن إجمال الكمية التي اشترتها مصر بلغت 4.6 مليون طن من القمح للموسم الذي يمتد من أبريل (نيسان) حتى منتصف أغسطس (آب).

ويأتي هذا التراجع في أسعار القمح في وقت تشهد فيه مصر تغييرات جذرية في نظام استيراد القمح، إذ باتت تستحوذ الشركات الخاصة على حصة أكبر من السوق، وسط نمو الإنتاج المحلي، في حين تدرس الحكومة تعديلات على برنامج دعم الخبز.

كم السعر عالمياً؟

تراجع سعر القمح وفق تقييم مؤشر “بلاتس” القياسي، وهو مؤشر قمح الطحن، عند 229 دولاراً للطن في الـ30 من يونيو، وهو أدنى مستوى له منذ 30 يناير (كانون الثاني) الماضي. 

وأنهت مصر السنة المالية التي امتدت من يونيو إلى يوليو (تموز) بأكبر مشتريات سنوية للقمح على الإطلاق، بإجمال يزيد على 14 مليون طن.

إلا أن الطلب تباطأ، إذ يشير المستوردون إلى وجود كميات كبيرة في المستودعات الجمركية، تقدر بنحو 1.4 مليون طن، وهو ما دعا بعض المستوردين إلى إيقاف عمليات الشراء الجديدة، بينما يركز آخرون على تغطية الطلب خلال النصف الثاني من شهري يوليو وأغسطس.

تعافي الجنيه المصري

وبلغت أسعار القمح الخام، عند تسليمه من المستودع 13000 جنيه (265 دولاراً) للطن بانخفاض عن 14200 جنيه مصري للطن في الشهر السابق، وفقاً لمشاركين في السوق. ويراقب التجار ارتفاع قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار، إذ بلغت العملة الأميركية 49 جنيهاً في البنوك، مقارنة بذروة بلغت نحو 55 جنيهاً للدولار في أبريل الماضي.

وسجلت البلاد مستوى قياسي من إنتاج القمح، إذ يقول رئيس قطاع الخدمات بوزارة الزراعة المصرية أحمد عضام، إن المساحة المزروعة بالمحصول الاستراتيجي زادت من 3.1 مليون فدان العام الماضي إلى نحو 3.7 مليون فدان هذا الموسم، وهو أعلى مستوى مسجل.

عضام لفت إلى عاملين آخرين عززا من إنتاجية القمح، إذ أشار إلى الظروف المناخية المواتية ‌وتحسين أصناف ⁠البذور، باعتبارهما داعمين للمستوى القياسي المسجل في إنتاج القمح.

الاكتفاء الذاتي من القمح

وسبق أن أعلنت القاهرة استهدافها تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح اللازم لإنتاج الخبز المدعوم بحلول عام 2027، لكن تصريحات أخيرة لوزير زراعتها علاء فاروق أخرت الموعد ليصبح بحلول 2028.

السوق تغيرت هي الأخرى في مصر، مع انتقال الاستيراد من نظام المناقصات الحكومية التقليدية الذي دام لعقود، إلى مشاركة أكبر من قبل المستوردين من القطاع الخاص.

وشكلت الواردات الحكومية 37.3 في المئة من إجمال واردات مصر من القمح في الموسم التسويقي 2025-2026، بينما بلغت حصة الشركات الخاصة 62.7 في المئة، وهو ما يختلف عن النسبة المعتادة 50:50 في الأعوام السابقة، وفقاً لبيانات شركة “لات للشحن والتجارة”. 

قمح مستورد أقل

وبحسب تصريحات ⁠وزير ⁠الزراعة المصري علاء فاروق، فإن واردات ⁠بلاده من القمح انخفضت إلى ⁠نحو 12.5 مليون طن في العام المالي 2025-2026، مقارنة بـ13.2 مليون ‌طن في العام المالي السابق.

وقدر وزير الزراعة المصري، نسبة الزيادة في الإنتاج المحلي للقمح بأكثر من 6.5 في المئة على ⁠أساس سنوي، ليتجاوز ⁠10 ملايين طن في السنة المالية 2025-2026.

وإلى جانب ذلك، سجلت منظومة ⁠التوريد الحكومية أعلى ⁠معدلاتها مقتربة من ⁠المستهدف عند 5 ملايين طن بنهاية الموسم، ولا تزال احتياطات مصر الاستراتيجية من القمح تكفي مدة ستة أشهر.

صوامع الغلال

ورأى المتخصص الزراعي أشرف كمال أن الإنجاز المحقق على صعيد إنتاج القمح يأتي بعد إضافة 3.5 مليون فدان للرقعة الزراعية خلال العقد الأخير، إلى جانب تعزيز كفاءة التخزين في الصوامع، من رفع السعة التخزينية من نحو 1.5 مليون طن قبل عام 2014 إلى نحو 5 ملايين طن حالياً. ولم يغفل كمال الإشارة إلى تقليل الفاقد والهدر إلى مستوى يقارب صفر، بفعل تزويد صوامع الغلال بأنظمة تكنولوجية للتحكم في مستويات الحرارة والرطوبة، لتوفير ظروف تخزين مواتية.

يتفق نقيب عام الفلاحين في مصر حسين عبدالرحمن أبو صدام مع ما سبق، ويضيف أن موسم إنتاج القمح الحالي الأنجح في تاريخ الزراعة، موضحاً أن المساحة المزروعة بلغت نحو 3.7 مليون فدان من القمح، وهي أكبر مساحة في تاريخ المحصول.

إنتاجية الفدان

في حديثه مع “اندبندنت عربية” يعرج أبو صدام إلى عامل كفاءة الإنتاج باعتبارها أحد أسباب زيادة المحصول، فيقول إن متوسط إنتاجية الفدان (الفدان الواحد يساوي نحو 4200.8 متر مربع)، بلغت 20 أردباً (أردب القمح يساوي 150 كيلغراماً)، إلى جانب تحفيز زراعة المحصول الاستراتيجي عبر تقديم أسعار توريد مجزية له من جانب الحكومة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ورفعت الحكومة أسعار توريد القمح من 2200 جنيه (44.78 دولار) للأردب العام الماضي، إلى 2500 جنيه (50.89 دولار) للأردب في الموسم الحالي تحفيزاً لزراعة المحصول الاستراتيجي.

ومع قوة الإنتاج المحلي يتوقع المستوردون أن تنخفض واردات مصر من القمح للموسم التسويقي 2026-2027 إلى ما بين 12 و13 مليون طن في العام المقبل، في وقت تدرس خلاله الحكومة أيضاً إدخال تغييرات على نظام دعم الخبز في مصر، بما في ذلك نموذج مقترح التحول إلى الدعم النقدي. 

سعر الخبز المدعم

يأتي هذا المقترح في أعقاب تغيير كبير عام 2024، حين رفعت مصر سعر الخبز المدعوم إلى 0.20 جنيه للرغيف الواحد من 0.05 جنيه، وهي أول زيادة منذ عقود. وكان المواطنون المؤهلون للحصول على الخبز المدعم سابقاً يستخدمون بطاقات ذكية لشراء ما يصل إلى خمسة أرغفة يومياً بأسعار مدعومة، مما كان يشكل عبئاً مالياً على الحكومة.

وتعاني القاهرة عجزاً كبيراً في الميزان التجاري، وهو الفارق بين الصادرات والواردات من السلع، إذ بلغت قيمته في ديسمبر (كانون الأول) 2025 قرابة 4.9 مليارات دولار في شهر واحد، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

وأحد أهم أسباب عجز الميزان التجاري المصري هو ارتفاع فاتورة الواردات من السلع الأساسية، مثل القمح والنفط والأدوية، مما جعل تخفيض الواردات أحد أهم أهداف الحكومة المصرية.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى