انقطاع الكهرباء في إيران يفاقم معاناة المواطنين

أدت الانقطاعات المتكررة والطويلة للمياه والكهرباء، في ظل حرارة الصيف اللاهبة، إلى تراجع حاد في قدرة السكان على التحمل، من شمال إيران إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها. ويقول الإيرانيون إنهم، على رغم بقائهم لساعات طويلة من دون ماء أو كهرباء، ما زالوا يتلقون فواتير بمبالغ باهظة. كما ألحقت الانقطاعات أضراراً بالأعمال التجارية، ولا سيما المهن المعتمدة على المعدات الكهربائية وأجهزة التبريد، من مزارع الدواجن والوحدات الإنتاجية إلى المتاجر الكبرى، إذ فقدت جزءاً كبيراً من بضائعها ورؤوس أموالها.
ويبدو الوضع أكثر إثارة للقلق في المدن الجنوبية، حيث يواجه السكان، في الوقت نفسه، تداعيات الحرب ودرجات الحرارة المرتفعة. ومع ذلك، لا يزال وزير الطاقة عباس علي آبادي يعد بحل مشكلة انقطاع الكهرباء خلال الأشهر المقبلة، فيما يقول علي رضا بناهيان، الواعظ الديني المقرب من بيت خامنئي، إنه “إذا تحمل الناس انقطاع الكهرباء والمياه، فسيحررون مياه العالم وكهرباءه من ظلم الصهاينة”. كما ادعى أن النظام الإيراني سيبدأ قريباً، في مسجد جامع مدينة المحمرة (خرمشهر)، تسجيل المتطوعين بهدف “إرسالهم إلى العالم لتحريره من الولايات المتحدة”.
وأثارت تصريحات علي رضا بناهيان في شأن “تحرير العالم من الولايات المتحدة” و”تسجيل المتطوعين” في مسجد جامع المحمرة ردود فعل واسعة على شبكات التواصل الاجتماعي، ودعاه بعض المستخدمين إلى التوجه مع سائر مروجي النظام الإيراني، أولاً إلى المدن الجنوبية، وتجربة العيش في ظروف الحرب والحرارة القاسية والانقطاعات الممتدة لساعات للمياه والكهرباء، قبل أن يقدموا وصفاتهم للناس.
وكتب أحد سكان مدينة المحمرة على منصة “إكس”، مخاطباً بناهيان “في المحمرة نفسها، التي تعتزمون إرسال متطوعين منها لتحرير العالم، نعاني يومياً انقطاع الكهرباء لما لا يقل عن أربع ساعات، فيما يفقد الأطفال وكبار السن وعيهم بسبب شدة الحر”.
وكان وزير الطاقة الإيراني تعهد في صيفي 2024 و2025 بحل مشكلة انقطاع الكهرباء في العام التالي، لكنه عاد أخيراً ليعد مجدداً بأن ملف انقطاعات الكهرباء سيطوى نهائياً بحلول منتصف سبتمبر (أيلول) المقبل.
كما زعم علي آبادي أن محافظات سيستان وبلوشستان وهرمزكان وبوشهر والأحواز أعفيت من برنامج انقطاع الكهرباء، بسبب تأثرها المباشر بالحرب. وقال إنه وعد سكان هذه المحافظات، خلال زياراته لها، بألا يواجهوا، في ظل الحرب ودرجات الحرارة المرتفعة، أعباء إضافية ناجمة عن انقطاع الكهرباء. إلا أن التقارير الميدانية وشهادات السكان تشير إلى استمرار الانقطاعات المتكررة للكهرباء في المحافظات الأربع، ويؤكد سكان بعض المناطق أن الكهرباء، ومن ثم المياه، تنقطع أحياناً لأكثر من ست ساعات.
وفي هذا السياق، كتب أحد سكان زاهدان على منصة “إكس” أن التيار الكهربائي انقطع، مساء الإثنين، من الساعة التاسعة ليلاً حتى الثالثة فجراً، أي لنحو ست ساعات. كما أفاد أحد سكان مدينة المحمرة بأن الكهرباء انقطعت في منطقته السكنية منذ الساعة الثالثة بعد الظهر، ولم تعد إلا قرابة الساعة العاشرة مساء.
ويعني انقطاع الكهرباء في المدن الجنوبية، حيث تكون درجات الحرارة أشد ارتفاعاً، توقف أجهزة التبريد وتراجع قدرة مختلف الفئات على تحمل الظروف، لا سيما الأطفال والمرضى وكبار السن. ويقول بعض السكان إنهم اضطروا إلى الاحتماء داخل سياراتهم هرباً من الحر، إلا أن الحصول على الوقود ليس سهلاً أيضاً في ظل ظروف الحرب.
وفي ظل هذه الظروف، تضررت أيضاً أعداد كبيرة من المشاريع الصغيرة والأعمال المنزلية، إذ أدت انقطاعات الكهرباء، التي تمتد بين أربع وست ساعات، إلى توقف الورش الصغيرة، والمنتجين العاملين من المنازل، وبائعي المواد الغذائية، وصالونات الحلاقة، وغيرها من المهن المعتمدة على الكهرباء، مما تسبب في توقف أعمالهم، وتراجع مداخيلهم، وتكبدهم خسائر يومية.
وكتب أحد سكان الأحواز واصفاً هذا الواقع، فقال إنه “على رغم كل الدعاية والتصريحات التي تتحدث عن تقليص انقطاعات الكهرباء في الجنوب، فإنني، بوصفي أحد أبناء الأحواز، أؤكد أن الكهرباء لا تزال تنقطع من دون أي إشعار مسبق، وذلك في وقت تتجاوز فيه درجات الحرارة عند الظهيرة 60 درجة مئوية، فيما يستمر القصف الصاروخي. ومع انقطاع الكهرباء، تنقطع أيضاً المياه وإشارة الهاتف المحمول. أطفالنا ومرضانا يذبلون أمام أعيننا، وقد أنهكنا الحر”.
ولم تقتصر الانقطاعات المتكررة للكهرباء على المدن الجنوبية، بل امتدت إلى مناطق أخرى في إيران، إذ عطلت الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية. ويبرز أثرها بصورة خاصة في المناطق التي تعتمد المباني السكنية فيها على مضخات كهربائية لتوفير المياه، إذ يؤدي انقطاع التيار إلى توقف إمدادات المياه أيضاً. ويقول بعض السكان إن الكهرباء تنقطع من دون برنامج أو إنذار مسبق، فيما يشكو آخرون من ارتفاع قيمة الفواتير، على رغم الانقطاعات المتكررة.
ويؤكد كثير من أصحاب المحال التجارية أن هذه الانقطاعات المتكررة تؤدي إلى تعطل الثلاجات وغيرها من المعدات الكهربائية، وتوقف أعمالهم، وتكبيدهم خسائر تتزايد يوماً بعد يوم.
وفي خضم هذه الظروف، زادت التعليمات الإلزامية من معاناة السكان. فعلى سبيل المثال، أبلغت غرفة النقابات في مدينة مشهد جميع الوحدات التجارية بضرورة تعليق نشاطها يومياً من الساعة الثانية بعد الظهر حتى الخامسة مساء. غير أن أصحاب المحال يؤكدون أن الكهرباء تنقطع عن متاجرهم أيضاً من الساعة الـ12 ظهراً حتى الثانية بعد الظهر، مما يعني أنهم يفقدون الجزء الأكبر من ساعات العمل اليومية، ويحرمون من مزاولة نشاطهم وتحقيق المبيعات. ويتساءلون: كيف يمكنهم، في ظل هذه الظروف، سداد الضرائب، والإيجارات، ورواتب العاملين، وأقساط التأمين؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وخلال الأيام الأخيرة، انتشرت صور من إحدى الأسوق في تبريز، أظهرت أصحاب المحال وهم يواصلون أعمالهم في أثناء انقطاع الكهرباء، مستعينين بضوء المصابيح اليدوية والشموع، كما نشرت صور مماثلة توثق انقطاع التيار الكهربائي في السوق الكبيرة بطهران.
وتشير تقارير السكان أيضاً إلى تراجع نشاط الوحدات الإنتاجية في المدن الصناعية أو توقفها، وكتب أحد سكان سمنان أن المنطقة الصناعية في المدينة أصبحت شبه متوقفة بسبب انقطاع الكهرباء. كما قال أحد العاملين في المنطقة الصناعية بمدينة “آستانه أشرفية” إنه “منذ أشهر عدة، تنقطع الكهرباء كل أسبوع يومي السبت والأحد، من الساعة الثامنة صباحاً حتى الـ12 ليلاً، وكان الوضع نفسه قائماً العام الماضي وفي الأعوام التي سبقته”.
وانتشر أخيراً على شبكات التواصل الاجتماعي مقطع مصور لصاحب محل لصناعة الحلويات، يحتج فيه على الانقطاع المفاجئ للكهرباء من دون إشعار مسبق. ويقول، فيما بقيت الحلويات داخل الأفران، “في الأقل أعلنوا مواعيد انقطاع الكهرباء حتى نتمكن من تنظيم عملنا، توجد الآن داخل هذا الفرن منتجات تتراوح قيمتها بين 10 و15 مليون تومان (193.5 دولار أميركي)، وهي تتلف أمام أعيننا. ويعتاش 100 عامل من هذا المكان، وإذا استمر هذا الوضع فستدمر حياة أصحاب الأعمال”.
وفي مقطع مصور آخر، يوضح أحد منتجي المثلجات أن انقطاع الكهرباء يؤدي إلى توقف أجهزة التبريد والمجمدات عن العمل، فتفسد المنتجات التي أنتجت بكلفة مالية وجهد ووقت كبيرين. ويضيف أنه في ظل الارتفاع المستمر في أسعار المواد الأولية والإيجارات وتكاليف الإنتاج الأخرى، أصبحت الخسائر الناجمة عن فساد المنتجات بسبب انقطاع الكهرباء عبئاً إضافياً على المنشأة الإنتاجية.
وتكررت روايات مماثلة من أصحاب أعمال أخرى تعتمد على الكهرباء، من بينها المخابز، الذين تحدثوا عن توقف الإنتاج، وتلف المنتجات، وتراجع المبيعات، وفقدان الزبائن.
وفي كثير من المناطق، يؤدي انقطاع الكهرباء أيضاً إلى توقف إمدادات المياه. وكتب أحد سكان منطقة كلستان صالحية، التابعة لقسم بهارستان في مدينة رباط كريم، قائلاً “لا تصل المياه إلى المدينة من دون مضخات، ولذلك فإن انقطاع الكهرباء يعني أيضاً انقطاع المياه، ونحن نعاني يومياً في هذا الحر”.
ووصف شخص آخر ظروف حياته بعد يوم عمل في الهواء الطلق، قائلاً “نعمل طوال اليوم تحت أشعة الشمس، لكن عندما نعود للمنزل لا نجد لا كهرباء ولا ماء، ولا نستطيع حتى الاستحمام”.
كما أفاد سكان مدينة “إيوان كي” المستحدثة بأنهم بقوا أكثر من 24 ساعة من دون مياه، وبحسب رواياتهم لم يتمكنوا خلال تلك الفترة من تأمين مياه الشرب أو الطهي أو الاستحمام أو الغسيل أو استخدام المرافق الصحية، فيما عانى الأطفال وكبار السن والمرضى نقص المياه.
وأظهرت صور متداولة من مستشفى الإمام الخميني في مدينة فريدون كنار بمحافظة مازندران، أن سيارات الإطفاء أرسلت إلى المستشفى لتعبئة خزانات المياه بعد انقطاع الإمدادات.
وفي مدينة شهر قدس، تكررت شكاوى السكان من الانقطاعات الطويلة للمياه. ويقول سكان شارع سجاد إن المياه تنقطع منذ ساعات الصباح، ولا تعود أحياناً إلا قرابة الساعة الرابعة فجراً من اليوم التالي، بحيث لا تحصل بعض الأسر على المياه إلا لساعات معدودة يومياً. كما أفاد بعض الأهالي بانقطاع المياه بصورة كاملة لأيام متتالية. ومع ذلك، يقول أحد السكان إنه، على رغم انقطاع المياه لمدة تصل إلى 48 ساعة، وعدم توفرها أحياناً إلا لمدة ساعة واحدة يومياً، ارتفعت قيمة فاتورته من نحو مليون و850 ألف تومان (12.3 دولار) إلى مليونين و760 ألف تومان (18.4 دولار).
نقلاً عن “اندبندنت فارسية”



