تواجه أوروبا تحديًا متزايدًا في تأمين إمدادات الغاز الطبيعي المسال، بعدما أدى تصاعد المنافسة العالمية على الشحنات الفورية إلى تعقيد خطط إعادة ملء المخزونات قبل فصل الشتاء، في وقت تتزايد فيه المخاوف من استمرار اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز.
وكانت الحكومات الأوروبية وشركات الطاقة قد أنهت الشتاء الماضي وهي تراهن على إمكانية تأجيل شراء كميات إضافية من الغاز، رغم انخفاض المخزونات إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2022، انتظارًا لاستئناف حركة الإمدادات عبر مضيق هرمز.
ارتفاع أسعار الغاز يغير حسابات أوروبا
أدى الارتفاع الحاد في أسعار الغاز عقب اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في أواخر فبراير إلى تقليص فرص الشراء بأسعار مناسبة، بينما اعتمدت الأسواق على توقعات بإمكانية التوصل إلى حلول دبلوماسية تسمح بعودة تدفقات الغاز عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا.
لكن بعد مرور نحو خمسة أشهر، تغيرت المعطيات بشكل كبير مع تجدد التوترات في الشرق الأوسط، واقتراب أسعار الغاز من أعلى مستوياتها منذ بداية الأزمة، في وقت ما تزال فيه أوروبا متأخرة عن وتيرة إعادة بناء مخزوناتها.
آسيا تزيد المنافسة على شحنات الغاز
شهدت الأسواق العالمية سباقًا متسارعًا على شحنات الغاز الطبيعي المسال، بعدما اتجهت دول آسيوية، من بينها الصين وباكستان، إلى شراء كميات إضافية لتعويض نقص الإمدادات القطرية، وهو ما أدى إلى تحويل جزء كبير من الشحنات بعيدًا عن الأسواق الأوروبية.
ويثير هذا الوضع تساؤلات حول إمكانية تدخل الحكومات الأوروبية، خاصة ألمانيا، لدعم عمليات شراء الغاز إذا استمر إغلاق مضيق هرمز، وهو ما قد يؤدي إلى منافسة قوية على الإمدادات وارتفاع الأسعار عالميًا.
مخاوف من ارتفاع تكاليف الطاقة
ورغم توقعات بتأمين أوروبا احتياجاتها من الوقود قبل الشتاء، فإن القلق الأكبر يتركز حول تكلفة هذه الإمدادات، وما قد يترتب عليها من ارتفاع جديد في فواتير الكهرباء والتدفئة للأسر والقطاع الصناعي بعد سنوات قليلة من أزمة الطاقة الأوروبية.
وقالت الباحثة في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، آن صوفي كوربو، إن الأسواق تجاهلت تدريجيًا تصاعد المخاطر حتى بدأت أسعار الغاز في الارتفاع بوتيرة متسارعة، مشيرة إلى أن المرحلة الحالية تتطلب استجابة أسرع من المتعاملين.
تعطل صادرات قطر يزيد الضغوط
ما تزال صادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية تواجه اضطرابات، بعدما توقفت عمليات الشحن عبر مضيق هرمز عقب تعرض ناقلة قطرية لهجوم قبل نحو أسبوعين.
كما تراجعت فرص استئناف المحادثات بين واشنطن وطهران، بالتزامن مع تصاعد التصريحات السياسية والعسكرية، الأمر الذي زاد من الضبابية بشأن مستقبل الإمدادات.
وفي هذا السياق، توقعت شركة بارينغا بارتنرز للاستشارات أن يؤدي استمرار إغلاق مضيق هرمز حتى سبتمبر إلى ارتفاع كبير في أسعار الغاز والكهرباء، بما قد يدفع اقتصادات أوروبا والمملكة المتحدة نحو الانكماش مع نهاية العام.
قطر تمدد القوة القاهرة على الإمدادات
تستعد قطر، ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال عالميًا في الظروف الطبيعية، للتعامل مع اضطرابات طويلة الأمد.
وبحسب معلومات متداولة، تعتزم الدوحة تمديد حالة القوة القاهرة لعملائها في أوروبا حتى منتصف أكتوبر، بينما تمتد للعملاء الآسيويين حتى سبتمبر، وهو ما يقلل من فرص اعتماد أوروبا على الغاز القطري خلال موسم التدفئة المقبل.
مخزونات أوروبا أقل من المستهدف
تشير البيانات إلى أن مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي تجاوزت قليلًا مستوى 54% من طاقتها التخزينية، وهو معدل يقل بوضوح عن متوسط 70% المسجل خلال الأعوام الخمسة الماضية، كما يظل بعيدًا عن هدف الاتحاد الأوروبي البالغ 80% بحلول الأول من نوفمبر.
ويرى محللون أن الوقت أصبح عاملًا حاسمًا أمام أوروبا إذا أرادت تحقيق مستهدفات التخزين قبل حلول الشتاء.
تراجع شحنات الغاز إلى أوروبا
تكشف بيانات تتبع السفن عن انخفاض واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال بنحو 27% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفق متوسط متحرك لثلاثين يومًا، في مقابل زيادة ملحوظة في الواردات الآسيوية.
ويعكس هذا التحول اتجاه المشترين الآسيويين إلى تنويع مصادر التوريد خارج منطقة الخليج لتعويض نقص الإمدادات القطرية، وهو ما يقلص الخيارات المتاحة أمام الأسواق الأوروبية.
التزامات أوروبية تزيد الضغوط
تواجه أوروبا تحديًا إضافيًا مع التزامها بوقف واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي بحلول يناير 2027، وهو ما يقلص أحد أبرز مصادر الإمدادات التي مثلت نحو 17% من واردات القارة خلال النصف الأول من العام الجاري.
وفي المقابل، تواصل دول آسيوية مثل الصين والهند وباكستان وبنغلادش واليابان وكوريا الجنوبية تعزيز مشترياتها من الغاز الطبيعي المسال لتلبية الطلب المرتفع على الكهرباء خلال فصل الصيف، ما يزيد المنافسة على الشحنات الفورية.
خطر تكرار أزمة الطاقة
ويرى خبراء الطاقة أن أوروبا قد تجد نفسها أمام سيناريو مشابه لما حدث في عام 2022 إذا استمرت التوترات الجيوسياسية وارتفعت المنافسة على الإمدادات.
وأكد الرئيس التنفيذي لشركة سنتريكا، كريس أوشيا، أن الاعتماد على شتاء معتدل ليس استراتيجية آمنة لإدارة المخاطر، محذرًا من أن انخفاض المخزونات قد يؤدي إلى أزمة أكبر إذا جاءت درجات الحرارة منخفضة خلال الموسم المقبل.



