الاقتصاد الأميركي يتحدى التوترات العالمية

شهد يوما الثلاثاء والأربعاء الماضيين صدور مؤشرات أميركية تُظهر تحسناً في أكبر اقتصاد في العالم خلال يونيو (حزيران) الماضي، أرجعه غالبية المحللين إلى انخفاض أسعار الوقود، خصوصاً البنزين، في فترة توقف الحرب بين واشنطن وطهران، مع انخفاض أسعار النفط، لكن هناك عوامل أخرى أسهمت في تحسن الاقتصاد ومؤشرات الأسواق وسوق السندات أيضاً، ومن أهمها أن موسم إفصاح الشركات عن أدائها المالي خلال الربع الثاني من العام بدا قوياً، ويبشر بزيادة كبيرة في العائدات والأرباح، على رغم الصراع في الشرق الأوسط، بخاصة بالنسبة إلى البنوك والشركات المالية، وأيضاً شركات الطاقة بصورة عامة.
وخلّفت أول شهادة للرئيس الجديد للاحتياط الفيدرالي، كيفن وارش، أمام النواب في الكونغرس، انطباعاً إيجابياً في الأسواق ولدى المستثمرين بأن السياسة النقدية لن تشهد تحولات مفاجئة، ومع رسائل “الفيدرالي” وتباطؤ نمو معدلات التضخم، تراجعت احتمالات أن يلجأ البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة بصورة كبيرة فيما بقي من هذا العام، ويضاف إلى ذلك الرواج الذي حققته استضافة الولايات المتحدة لمباريات كأس العالم، حيث شهدت قطاعات الضيافة والسفر والسياحة زيادة في الطلب أدت إلى تحسن العائدات للمطاعم والمقاهي والفنادق وشركات الطيران الداخلية وغيرها، كما ذكرت شبكة “سي إن بي سي” الأميركية في تقرير لها.
تراجع التضخم
في غضون ذلك، انخفض مؤشر أسعار المنتجين الذي يقيس كلفة أسعار الجملة، بنحو 0.3 في المئة خلال يونيو الماضي، بحسب ما أعلن مكتب إحصاءات العمل الأميركي أول من أمس الأربعاء، وفيما كانت التوقعات في “وول ستريت” أن يظل المؤشر من دون تغيير، وبمعدل سنوي، فإن مؤشر أسعار الإنتاج كان عند 5.5 في المئة، وجرت مراجعة قراءة مايو (أيار) الماضي بالخفض من زيادة شهرية بنسبة 1.1 في المئة إلى 0.6 في المئة وحسب.
أما مؤشر الأسعار، باستثناء أسعار الطاقة والغذاء، فارتفع 0.2 في المئة وحسب الشهر الماضي، بينما كانت توقعات السوق أن يرتفع 0.3 في المئة، وبمعدل سنوي كان المؤشر الأساس عند 5.1 في المئة.
ويرجع ذلك الانخفاض في مؤشر أسعار الإنتاج بصورة أساس لانخفاض أسعار الوقود نتيجة التراجع الكبير في أسعار النفط منذ توقف الحرب بين إيران وأميركا، فمثلاً انخفض أكبر مكون لمؤشر أسعار المنتجين، وهو سعر البنزين، بنسبة 12 في المئة الشهر الماضي، ليشكل نحو ثلثي الانخفاض في المؤشر، وجاء الإعلان عن انخفاض مؤشر أسعار المنتجين بعد يوم واحد من بيانات “مكتب إحصاءات العمل” الثلاثاء الماضي، في شأن مؤشر أسعار المستهلكين للشهر الماضي، والذي شهد أكبر انخفاض له منذ أبريل (نيسان) 2020، إذ انخفض 0.4 في المئة ليصبح معدل التضخم السنوي عند 3.5 في المئة، بينما لم تشهد الأسعار التي تشكل المؤشر الأساس للتضخم تغيراً، لينخفض المؤشر إلى 2.6 في المئة.
ومع أن تلك النسبة تظل أعلى من المستهدف لدى “الاحتياط الفيدرالي”، وهو اثنين في المئة، لكنها تخفف الضغط عليه كي يرفع أسعار الفائدة الآن.
ويقول كبير الاقتصاديين في شركة “فوروارد بوندز”، كريس روبكي، إن “حرب ‘الاحتياط الفيدرالي’ على التضخم لم تنته بعد”، مستدركاً “هناك الآن أخباراً جيدة، وستستمر احتمالات رفع أسعار الفائدة في التراجع مع انخفاض معدلات التضخم بالنسبة إلى أسعار الإنتاج، وكذلك فإن المنتجين لن يزيدوا الأسعار على المستهلكين نتيجة زيادة كلفة الإنتاج، كما كان متوقعاً”.
أسعار الفائدة ورسائل “الفيدرالي”
وارتفعت مؤشرات الأسهم في الأسواق أول من أمس الأربعاء، في ضوء تلك البيانات الإيجابية حول التضخم، بينما لم تشهد سوق السندات تغيراً يذكر على رغم خفض المستثمرين توقعاتهم لرفع أسعار الفائدة، في الأقل حتى سبتمبر (أيلول) المقبل، ومع ذلك لا تزال الأسواق تتوقع أن يرفع البنك المركزي سعر الفائدة ولو لمرة واحدة هذا العام، مع استمرار معدلات التضخم أعلى من المستهدف.
وجاءت رسائل “الاحتياط الفيدرالي” مؤكدة أنه سيحافظ على الانضباط النقدي، على رغم دعوات الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى خفض أسعار الفائدة بقوة وسرعة، وخلال شهادته أمام الكونغرس الثلاثاء الماضي، أشار كيفن وارش إلى أن انخفاض الأسعار في يونيو الماضي لا يعني أن “المهمة اكتملت”، بالنسبة إلى مكافحة التضخم، لكنه أكد أن الاقتصاد الأميركي “في وضع جيد”، ولا تزال أمامه فرصة “جني ثمار” الذكاء الاصطناعي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ووجه وارش نقداً واضحاً للسياسة النقدية التي اتبعتها قيادة الاحتياط السابقة، قائلاً إن “هذا البنك لم يكن الأول الذي استدعى زيادة بسيطة في التضخم لينتهي به الأمر إلى زيادة كبيرة، وقد كانت تلك غلطة”، مؤكداً أن “أعضاء لجنة السوق المفتوحة التي تحدد أسعار الفائدة، لن يقبلوا أبداً بزيادة دائمة في معدل التضخم، وإننا نلتزم بشدة باستعادة استقرار الأسعار”.
وكانت تلك الرسائل مطمئنة للسوق والمحللين والمستثمرين، خصوصاً أنه فُهم من اختيار الرئيس ترمب لوارش أنه سيستجيب لرغبات الرئيس في سرعة خفض أسعار الفائدة، في الوقت لا تزال معدلات التضخم مرتفعة، وكانت إشارة كيفن وارش إلى أن انخفاض التضخم الشهر الماضي لا يعني أن الأسعار استقرت، قد جعلت توقعات السوق حول أسعار الفائدة المستقبلية أكثر منطقية.
فوائد كأس العالم
ومن العوامل الأخرى التي زادت التفاؤل الفوائد التي عادت على قطاع السياحة والأكل والشرب في المدن التي استضافت مباريات كأس العالم، وإن كان تقرير “الفيدرالي الأميركي” حول تأثير استضافة المسابقات في معدلات النمو قد أبدى تحفظاً في شأن الفوائد النهائية لكأس العالم على الاقتصاد ككل، وأعلنت بعض المدن، مثل بوسطن ونيويورك، زيادة كبيرة في إشغال الفنادق وأسعارها، كما أعلنت المطاعم والمقاهي في تلك المدن أيضاً زيادة كبيرة في العائدات، نتيجة إنفاق القادمين إليها لمشاهدة المباريات.
لكن تقرير “الفيدرالي الأميركي” خلص إلى أن تلك الفوائد قابلها إحجام المستهلكين، في مدن أخرى، عن زيادة الإنفاق على الترفيه والأكل والشرب خارج المنزل، مما يجعل المحصلة النهائية ليست كبيرة، لكن زيادة إنفاق السائحين تظل عاملاً مهماً في تحسن الأرقام، في الأقل محلياً داخل بعض الولايات الأميركية، وعلى رغم كل تلك المؤشرات الإيجابية فإن الأسواق لا تزال حذرة في تفاؤلها، خصوصاً مع تجدد الصراع في الخليج العربي واحتمالات إغلاق مضيق هرمز مجدداً، مما رفع أسعار النفط عالمياً، وإن لم يكن بقدر كبير.
وفي مقابلة مع “الإذاعة الوطنية الأميركية”، يقول المحلل في شركة “غاز بدي”، باتريك دي هان، إن أسعار الوقود قد تعود للارتفاع مجدداً، مضيفاً “ربما يفصلنا مجرد أسبوع عن عودة سعر غالون البنزين إلى مستوى أربعة دولارات مرة أخرى، وهنا ستنتهي الاحتفالات بمعدلات التضخم لشهر يونيو الماضي والتي قد تتغير في يوليو (تموز) الجاري”.
مع ذلك يظل الاقتصاد الأميركي، بصورة عامة، متمتعاً بمرونة كبيرة وقدرة على امتصاص الصدمات، لاعتبارات كثيرة لا تقتصر على كونه أكبر اقتصاد في العالم، بل أيضاً لمكانة الدولار عالمياً، وعمق واتساع السوق الأميركية.



